في الوقت الذي تستعد فيه القوات الأميركية للاندفاع شمالا نحو العراق، ربما يتساءل الناس بشأن المبررات لشن الحرب.
عبد اللطيف الحمد، رئيس الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومقره في الكويت، أجاب بكل بساطه قائلاً، "إن المواطن العراقي الذي يعيش في الأحياء الفقيرة جنوب البصرة يجب أن يحصل على ماء صالح للشرب تماماً مثل المواطن الذي يعيش بالقرب من قصر صدام حسين في بغداد." ولاحظ الحمد بمرارة "أنه من اجل تحويل موارد العراق إلى تنمية سلمية على هذا الطريق، لا يوجد خيار آخر الآن غير الحرب".
يقول الحمد، "العراق بلد حرم من التنمية الحقيقية". ويقدر الحمد المبالغ التي أنفقها صدام على مغامراته العسكرية خلال العقدين الماضين بحوالي 500 مليار دولار. ويضيف، "تخيل لو أن هذه المبالغ استخدمت للتنمية الاقتصادية".
لو تم ذلك لبرز العراق كأول نمر اقتصادي في العالم العربي على مستوى كوريا الجنوبية.
أفهم حربا من أجل الحصول على مياه الشرب، حربا لإزاحة نظام يلقي بالأطفال من الطائرات المروحية لإجبار ذويهم على الاعتراف. هذا ما أفهمه ولكني لا أزال أجد صعوبة في فهم منطق بوش حول أسلحة الدمار الشامل. فالمفتشون الدوليون يقومون بعمل معقول وأشك في وجود خطر يجعلني بحاجة إلى ارتداء القناع الواقي للغاز مرة اخرى.
يقع الجميع منا أسرى خبراتهم الشخصية عندما يتعلق الأمر بالحرب أو السلام.
لا أستطيع التهرب من الانطباعات التي تشكلت لدي حول صدام حسين عام 1980 حين زرت العراق لأول مرة وشعرت بالوضع الذي يمكن أن يعيشه الإنسان تحت نظام يحكم شعبه بالإرهاب الجسدي. ومنذ ذلك الوقت قمت بمقابلة عشرات المنشقين العراقيين واستمعت إلى قصصهم حول الاعتقالات والتعذيب.
اعتقادي بعدالة هذه الحرب ينبع من أعماقي والسبب لا يزال موجوداً على الرغم من التخبط الدبلوماسي الذي قامت به إدارة بوش خلال الشهور الماضية والأضرار التي الحقتها عجرفة هذه الإدارة بالمصالح الأميركية. أنا أعلم أن أميركا ساعدت على إيجاد صدام حسين واعتقد أن هذا جزءاً من الأسباب التي تدفعني للاعتقاد بأن لدينا التزام أخلاقي بتخليص العراقيين منه.
إن التعويض عن التضحيات التي سيقدمها الأميركيون، البريطانيون والعراقيون لا يمكن أن يكون مقبولا دون بناء عراق جديد من تحت رماد الحرب. فعلى الرغم من أن العراق بلد نفطي، إلا أنه بلد مدمر.
وبحسب إحدى المؤسسات التي تعنى بالدراسات الاقتصادية فإن الناتج المحلي العام للعراق هبط بنسبة 6% عام 2001 و 3% العام الماضي.
وقد أصبح الدينار العراقي لا يساوي شيئاً.
يقول أحد الكويتيين الأصدقاء إن مدير مدرسة عراقي متقاعد يتقاضى ما قيمته 5 دولارات شهرياً ومن أجل أن يعيش هذا الشخص فإنك تراه يبيع السجائر على الطرقات.
ظل العراق يمثل علامة على مرض السياسة العربية ويبدو أن العالم العربي يفهم أن الحرب ستجلب معها التغيير. وبالأمس نشرت صحيفة اراب تايمز الكويتية افتتاحية بعنوان: "أسرعوا… ادفنوه" ،ومعلوم أن الكويت تدعم الحرب على العراق.
اقتبست الصحيفة أيضاً قصة من القاهرة على لسان المفكر المصري الليبرالي سعد الدين إبراهيم يقول فيها، "الحروب سيئة كما يدل اسمها فهي تحطم إمبراطوريات، ديكتاتوريين وتمهد الطريق لأنظمة جديدة كي تظهر".
وكان الصندوق الذي يرأسه الحمد أصدر بالتعاون مع الأمم المتحدة تقريراً شجاعاً يتهم الأنظمة العربية بمنع الحريات والتقدم الاقتصادي. ويعتبر التقرير بمثابة إنذار مبكر لهذا الجزء من العالم لسبب واحد بسيط وهو أنه قال الحقيقة.
قال التقرير دون مواربة، "هناك تخلف كبير بين البلدان العربية والأقاليم الأخرى فيما يتعلق بالمشاركة في الحكم". "إن الافتقار إلى الحرية يقوض التنمية البشرية"
إن التركيز على مستقبل العراق والشعوب العربية يمكن أن يساعد على إعادة جمع الشمل في عالم تنتابه مرارة الانقسام. آمل أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمت بعض الدروس: حاجتها إلى أصدقاء وأن الدبلوماسية لها أهمية.
إن الغطرسة الأميركية أثبتت أنها تهزم نفسها. ويبدو أن بوش فهم ذلك حين وافق على "خريطة الطريق" وأنه لن يكون هناك استقرار في الشرق الأوسط على الإطلاق دون إنشاء دولة فلسطينية قابلة للبقاء والعيش بسلام مع إسرائيل.
وسيحتاج العالم إلى الاتفاق مجددا لإعادة بناء العراق ودعم هذا المستقبل العربي الجديد,
ويمكن للفرنسيين، الألمان والروس أن يلعبوا أدوارا فاعلة في هذه العملية بالإضافة إلى الأمم المتحدة.
وكلما كانت الولايات المتحدة مبكرة أكثر في تحمل مسؤولياتها، كلما كان الأمر أكثر أمناً لكل جهة.
* عن الواشنطن بوست