بدأت وكالة الاستخبارات الاميركية مراجعة تقرير كانت اكدت فيه متلاك العراق اسلحة دمار شامل، وذلك في ظل توجه برلمانيين اميركيين وبريطانيين للتحقيق في اتهامات الى حكومتيهما بالتلاعب بمعلومات الاستخبارات لتبرير الحرب، خاصة بعد فشلهما في اثبات وجود هذه الاسلحة.
قالت صحيفة "نيويورك تايمز" اليوم الاربعاء ان وكالة الاستخبارات المركزية "سي أي ايه" تعيد النظر في تقرير مهم أعد قبل حرب العراق خلص إلى ان نظام صدام حسين امتلك أسلحة بيولوجية وكيماوية.
وذكرت الصحيفة استنادا الى مسؤولين في الوكالة قولهم انها تعتزم مطالبة وزارة الدفاع بمشاركة وحدة المخابرات الخاصة بها في جمع المعلومات عن برنامج الأسلحة العراقي.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الوثيقة محل المراجعة صدرت في تشرين الأول/اكتوبر الماضي وانها كانت آخر محاولة من جانب دوائر المخابرات الاميركية لتحديد حجم برنامج الأسلحة.
وخلصت الوثيقة التي صنفت على انها تقييم مخابراتي قومي إلى ان العراق بحوزته أسلحة بيولوجية وكيماوية وانه كان يسعى لاستئناف برنامجه النووي.
وقال مسؤول مطلع على عملية مراجعة التقرير في وكالة الاستخبارات الاميركية لنيويورك تايمز ان مستوى كفاءة تقارير المخابرات بشأن برامج أسلحة العراق تراجع بحدة بعدما غادر مفتشو الأسلحة التابعون للأمم المتحدة العراق عام ١٩٩٨ وان تلك التقارير ربما افترضت ان العراق واصل برامج الأسلحة المحظورة.
وتاتي هذه المراجعة في وقت قررت فيه لجنتا القوات المسلحة والاستخبارات في الكونغرس الاميركي فتح تحقيق بعد الفشل الذريع الذي منيت به الادارة الاميركية في اثبات وجود اسلحة الدمار العراقية المزعومة، والتي اتخذتها كمبرر أساسي لشن الحرب.
وتواجه الادارة الاميركية في هذه الاونة اتهامات بالتلاعب بتقارير المخابرات من اجل تبرير شن الحرب.كما تواجه الحكومة البريطانية بدورها ذات الاتهامات.
وفي هذا السياق، فقد اعلنت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني انها ستفتح تحقيقا حول مبررات الحكومة للمشاركة في غزو العراق.
ويلبي قرار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني مطلب عدد من النواب فتح تحقيق مستقل بعد ان ذكرت هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) ان رئاسة الحكومة عدلت تقرير جهاز الاستخبارات حول الاسلحة العراقية للمبالغة في خطورتها وتبرير مشاركة بريطانيا في الحرب ضد العراق الى جانب الولايات المتحدة.
ويفترض ان يعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير اليوم الاربعاء ان اللجنة المشتركة للاستخبارات والامن في مجلس العموم البريطاني ستدرس المسألة.
لكن عددا كبيرا من النواب لم يرضهم هذا القرار لان لجنة الاستخبارات تعقد اجتماعاتها في جلسات مغلقة وتعرض نتائج اعمالها على الوزراء وليس على النواب.
اما جلسات لجنة الشؤون الخارجية فتجري عادة في جلسات علنية وتقريرها تنشر.
وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية دونالد اندرسون لرابطة الصحافة البريطانية انه في حال كلفت لجنة الاستخبارات والامن التحقيق "ستكون هناك مشكلة تتعلق بالمصداقية".
وتعتزم اللجنة البرلمانية للشؤون الخارجية الاستماع لعدد من الشهود في حزيران/يونيو لتنشر تقريرها في تموز/يوليو المقبل.
ولم يتم اعداد اي لائحة للشهود حتى الآن لكن اندرسون اوضح ان اللجنة ستستجوب بلير ووزير الخارجية جاك سترو ومسؤولين في الاستخبارات.
وقال "هدفنا سيكون بالتأكيد التحقق من نوعية تقارير اجهزة الاستخبارات وطريقة استخدامها".
وعبر عن امله في ان يرضي التحقيق النواب الذين طالبوا به وبينهم وزير الخارجية السابق روبن كوك.
وحددت اللجنة في بيان اهدافا اخرى للتحقيق هي "التأكد من ان وزارة الخارجية قدمت معلومات كاملة ومناسبة للبرلمان في الفترة التي افضت الى عمل عسكري في العراق وخصوصا في ما يتعلق باسلحة الدمار الشامل".
وكان رئيس لجنة الشؤون العامة في البرلمان البريطاني توني رايت (عمالي) اعلن في وقت سابق الثلاثاء ان التحقيق بات "شبه محتوم".
وتابع انه في حال ثبتت الوقائع المنسوبة الى رئيس الوزراء العمالي وخبرائه في "التلاعب بالمعلومات"، "فسيكون هذا اخطر انتهاك لقواعد الحياة السياسية".
وقال رايت "لست ادري ان كان الامر صحيحا ام لا، لكن الوسيلة الوحيدة لمعرفة ذلك ان اردنا الحفاظ على ثقتنا في الحكومة، تكمن في اجراء هذا التحقيق".
واعلن بلير الاثنين في ايفيان (جنوب شرق فرنسا) حيث حضر قمة مجموعة الثماني انه واثق "مئة بالمئة" في وجود اسلحة دمار شامل في العراق ودعا الى التحلي ب"قليل من الصبر" حتى تعرض "الادلة".
ووجه توني بلير انتقادات شديدة اللهجة الى وزيرين سابقين في حكومته هما وزير الخارجية السابق روبن كوك ووزيرة التنمية الدولية السابقة كلير شورت، اللذين يتهمانه بانه خدع البلاد في ما يتعلق بوجود اسلحة دمار شامل في العراق.
غير ان تصريحات بلير المتشددة لم تقنع كثيرا على ما يبدو، وتسببت في اشعال معركة تسريبات وانباء مضادة في الصحافة البريطانية الموالية والمعارضة للحكومة.
فقد كشفت صحيفة ذي غارديان (يسار الوسط) الثلاثاء انه تمت الاستعانة بمسؤولين في اجهزة الاستخبارات لاقناع الوزراء الرئيسيين في الحكومة بضرورة شن حرب.
وكان اكثر من خمسين نائبا عن الحزب العمالي البريطاني وقعوا بحلول بعيد ظهر اليوم مذكرة تطالب بنشر كل "الادلة" التي في حوزة الحكومة.
حتى المعارضة المحافظة التي ايدت شن الحرب، ترى في الظروف الحالية فرصة لوضع توني بلير في مأزق حقيقي وهي تعتزم المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة.
ورد الناطق باسم رئاسة الحكومة اليوم الثلاثاء انه "لا داع" لذلك.
وقال "لا شك ان صدام حسين انتج وكان لا يزال ينتج" اسلحة دمار شامل قبل الحرب.
غير ان وزير الدفاع السابق المحافظ مايكل بورتيو اعتبر ان هذه المسألة تشكل "مزيجا قاتلا بالنسبة لرئيس الوزراء لان هناك في صفوف حزبه نفسه عناصر معادية له منذ زمن"، مشيرا الى انه "من حق الجمهور الحصول على اجوبة".
وفي 24 ايلول/سبتمبر 2002، اكد توني بلير متوجها الى مجلس العموم ان العراق يملك اسلحة دمار شامل يمكنه اطلاقها في مهلة 45 دقيقة.
وكرر وزير الخارجية جاك سترو التصريحات ذاتها في 21 شباط/فبراير 2003 في مداخلة امام المعهد الملكي للشؤون الدولية، وهو مركز دراسات مستقل يتخذ من لندن مقرا له.
وبعد حوالي شهرين على سقوط بغداد، لم يتم العثور على هذه الاسلحة.
ويؤكد المحللون انه حتى في حال كانت موجودة حقا، فهي لا تمثل اطلاقا التهديد الآني الذي وصفه بلير وسترو.
ورأى مصدر دبلوماسي ان الضحية الاولى لازمة الثقة التي يواجهها توني بلير قد تكون اليورو.
وتساءل المصدر الذي طلب عدم كشف هويته "كيف يمكن للبريطانيين ان يصدقوا رئيس وزرائهم بشأن العملة الوحيدة ان كان كذب عليهم بالنسبة للعراق؟" ومن المنتظر ان تقرر لندن الاثنين المقبل ما اذا كانت الظروف مؤاتية لدخول بريطانيا منطقة اليورو. ويتوقع معظم المحللين ان يكون القرار سلبيا.—(البوابة)—(مصادر متعددة)