"نرفض عالما تهيمن عليه الولايات المتحدة". هذه العبارة لم تصدر عن زعيم "مارق" من العالم الثالث وإنما عن رئيس الاتحاد الروسي ديمتري مدفيديف.
ولعل بمقدورنا فهم مبررات هذه العبارة التي تنطلق من الانزعاج الروسي من الموقف الأمريكي من حربها الأخيرة مع جورجيا، ولكن قد يصعب علينا فهم مبررات تأخرها على مدى عقود. أم أنها عادة الروس أن يتأخروا!.
بانهيار الاتحاد السوفياتي رسميا عام 1989، وصعود نجم القطب الامريكي الأوحد، كان ثمة تساؤل: الى أي مدى يمكن ان تصمت دولة كروسيا على هذه "العربدة" الأميركية في العالم؟ فيما كان السؤال الأخطر: إلى أي مدى ستسمح روسيا لامريكا باللعب في حدائقها الخلفية وقضم أماكن نفوذ تقليدية للاتحاد السوفياتي او المساعدة في تمرد مناطق النفوذ تلك على موسكو؟.
لم تتخذ روسيا أي مواقف عدا الدفاع أمام القفاز الامريكي الذي انهال باللكمات عليها وعلى مناطق نفوذها، دون أن تتخذ موقفا يليق بها وبالدور الذي تلعبه في العالم، او المفترض أن تلعبه في العالم، وتتمنى الدول التي استهدفتها أمريكا لعبه.
انسلاخ عدد من الدول عن روسيا كـ "اوكرانيا" وجورجيا وغيرها كان بالتاكيد بتشجيع من أمريكا بهدف إضعاف الاتحاد الروسي.
ويقف العراق مثلا صارخا على العربدة الامريكية في مناطق نفوذ سابقة للاتحاد السوفياتي الذي من المفترض ان روسيا ورثتها، ففي حرب الخليج الثانية باعت روسيا اسرار اسلحة العراق لأمريكا. وساندت واشنطن في مساعيها لضربه. وعلى الرغم من ارتباط مصالح موسكو مع بغداد بعقد حظيت به الشركات الروسية قيمته 41 مليار دولار، ادارت ادارة الرئيس بوتين ظهرها لها، ومخضت توقيعها على الحرب على العراق التي ادت لسقوط نظام صدام حسين.
واغمضت موسكو عينيها عن الاحتلال الامريكي لافغانستان وانكشاف الحدود الجنوبية للاتحاد الروسي للقوات الامريكية التي اصبحت للمرة الاولى مجاورة للاراضي الروسية.
مسلسل الخسارات والتراجع الروسي أمام القفاز الامريكي لم يقف عند حد، وكان على وشك رفع الغطاء عن كوريا الشمالية في حال ارادت واشنطن التصعيد ضدها، كما هو الحال مع ايران، وربما سوريا.
وفي صلب الموضوع الموقف الروسي "المتخاذل" والسائر في الركب الامريكي من عملية السلام، التي كان لها رعايان هما امريكا وروسيا، فلم نر الا راع واحد.. أحد.
اعتقد أن روسيا تأخرت كثيرا في شق عصا الطاعة لواشنطن، لكن السؤال المطروح هل تصريح مدفيديف مجرد صرخة في واد ام انه استراتيجية استفاقة لروسيا قد تحشد حولها دولا أخرى ضاقت ذرعا بالسياسات الامريكية، بهدف انشاء نظام عالمي جديد غير قائم على أحادية القطب؟.
من حق موسكو ان تغضب من الموقف الأمريكي من الحرب على جورجيا، ولكن من الضروري أن تبدأ مراجعة واسعة لكل ما جرى على مدى عقدين من الزمان وان تدرك ان ما حدث شكل بلغة العلم العسكري "انسحابا غير منظم" من مناطق نفوذ كان يمكن ان تظل مناطق نفوذ لروسيا الجديدة.. وموضع قوتها وطمع واشنطن، والانسحاب غير المنظم والتقهقر لا يمكن ان يستمر الى الأبد.
خالد ابو الخير