خالد أبو الخير يكتب:
زياد فريز: لغة الأرقام دون حسابات اجتماعية
لا يبحث عن الشعبية وقد لا يكون مؤمناً بها، وليس بين هواياته حب الظهور. ارتبط اسمه بموقفه الرافض لقرار تأجيل رفع أسعار المحروقات الذي سجل لصالح رئيس الوزراء السابق معروف البخيت دون إظهار انعكاساته في تفاقم عجز موازنة الدولة.
يرى مناوئو نائب رئيس الوزراء ووزير المالية السابق زياد فريز أنه لم يراع الجانب الاجتماعي في معظم القرارات التي اتخذها، حين كان يشكل الثقل الرئيسي في الفريق الاقتصادي لحكومة معروف البخيت. وأبدى التزاما، يكاد يكون حرفياً، بالعهود والاتفاقات مع صندوق النقد والبنك الدوليين.
ويجادل مؤيدوه بأنه، الأدرى بشعاب الموازنة والالتزامات الدولية معتبرين أنه تصرف بمنطق الأرقام، وحاول جهده تجنيب الأردن أزمة مالية. ببساطة فضّل الرجل أن يكون أميناً لمبادئه ووظيفته وأرقامه على شعبية “ليست لها رجلين”.
تعرّض فريز إلى هجوم كبير، على خلفية استقالته الهادئة من حكومة كانت آيلة أصلاً إلى رحيل. في غمرة “الخروج الأخير” ركب كثيرون الموجة ضد فريز، وقالوا فيه، ويا للمفارقة، “أكثر مما قاله مالك في الخمر”.
الصورة النمطية عنه تفيد بأنه جاد، هادئ، صعب، دقيق، قليل الكلام، لا تحركه النوازع العاطفية. يصفه مسؤول سابق بأنه ديكتاتور، لا يجامل، صلب، “كجلمود صخر حطّه السيل من عل”، لا يقبل الواسطات على حساب شروطه للصرف للوزارات والدوائر. وكان معتاداً أن تتراكم مطالبات زملائه وتتأجل، نظرا لانهماكه بدراستها، بحرفية عالية وحرص شديد.
يصفه آخر بأنه أفضل من تسلّم وزارة المالية، في مرحلة صعبة، في حين يجادل فريز: “متى لم يمر الأردن بمرحلة صعبة، التنمية تحتاج الى جهد موصول وقرارات مصيرية”.
بقليل من الفانتازيا، يكاد منتقدوه يسبغون عليه ثوب شخصية «هرباغون»، بطل مسرحية البخيل لموليير، لكنهم يفتقرون للكوميديا. وقلما يميّزون بين الحرص الذي يبديه، وبين البخل كصفة غير محبذة.
يسجّل له أنه أول وزير مالية يطلب إدراج كل فلس يصل الأردن في الموازنة العامة، ما أثار خلافات واسعة معه، خصوصاً مع وزارة التخطيط.
يقول مقرب منه في الإشارة إلى طفولته أنه تحمل المسؤولية مبكراً، إلى جانب والده إذ كان بمثابة أب ثان لأشقائه.
ويسهب هذا المقرب في شرح أن هذا «البلقاوي» الذي يتحدر من عائلة امتهنت الأدب والسياسة، «بيتوتي» حريص على مشاركة عائلته أفراحها وأتراحها، عاطفي جداً تهزه أدنى كلمة محبة صادقة.
أبو محمد المولود عام 1943، له من الأبناء أربعة، «ولدان وابنتان» وهو متعلق جداً بإحدى بناته، غير أن المقرب ذاته يشير جذلاً إلى الحكمة القديمة: «الصغير حتى يكبر والغائب حتى يرجع والمريض حتى يشفى».
مشغول دائماً، ويكاد يكون مهموماً. قلما يكون هندامه على «سنجة عشرة»، بحسب التعبير المصري الدارج. يمقت الاجتماعات الصباحية ويفضّل عليها تلك التي تعقد بعد الظهر. يستمع لآراء فريقه حتى النهاية ثم يتخذ قراره، وفق منظوره.
على غرار كثيرين ممن سبقوه إلى حقيبة المالية، يفضل فريز رسم مسافة بينه وبين الإعلام. وبقيت الصلة بينهما بحكم الضرورة.
أسير لعاداته التي رافقته منذ دراسته الثانوية في كلية الحسين. وربما بعض منها اكتسبه أثناء دراسته الجامعية في جامعة بغداد،، فهو عاشق للمشاوي «تكة وكباب»، وتحديداً مشاوي «سكرية» في وسط البلد، ومدخن شره، رفض وظيفة براتب خيالي في دولة خليجية، بسبب منع التدخين في تلك المؤسسة.
نال دكتوراة في الاقتصاد، من جامعة كيل في بريطانيا عام 1978، والتحق بعيد عودته بالعمل في البنك المركزي، متدرجاً في الوظيفة، من باحث اقتصادي إلى مدير دائرة العلاقات الخارجية في البنك المركزي. ثم تولى منصب أمين عام وزارة التخطيط، ومنه إلى حقيبة التخطيط لأربع مرات، ووزيراً للصناعة والتجارة لمرة واحدة، قبل أن يتولى منصب محافظ البنك المركزي (1996 - 2000).
في حوار معه حين كان على رأس البنك المركزي، وصف أحد الاقتصاديين سياسته المالية آنذاك بأنها «انكماشية». فرد عليه فريز بسؤال: هل تعرف أي محافظ بنك مركزي في العالم ليس «محافظاً»؟.
اقتصادي ليبرالي حتى العظم. يؤمن باقتصاد السوق، والمقولة الليبرالية الشهيرة «دعه يعمل، دعه يمر». أما الحسابات الاجتماعية والخصوصية التنموية فقلما تدخل، إن دخلت، في حساباته. وفي النهاية، هو في النهاية، كليبرالي أصيل، يتصرف وفق منطقه، لا كوزير تنمية اجتماعية أو مدير لصندوق زكاة.
كثيرون تساءلوا عن سر الافتراق البائن بين الرئيس السابق ونائبه، بعدما كانا يتكلمان بلسان واحد. بعضهم رأى أن البخيت الذي ترنّحت حكومته تحت ضغط عواصف التسمّمات الغذائية والمائية، والتي كانت مقبلة على انتخابات نيابية، ارتأت ترحيل الأزمات بدل اقتحام معركة الواقع، في حين أصر فريز على التعامل مع الواقع بعملية جراحية، وترك باب التاريخ مشرعاً للآتي من الأيام.
بعد شهور على مغادرته الحكومة غير آسف، ما زال عند رأيه، بحسب مقرب آخر منه: «كان لا بد أن يسير البلد في قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية، لأنه يهدد السلوك الكلي للمجتمع والاقتصاد وتحقيق الإرادة بتحرير السوق والاعتماد على الذات».
التاريخ بالمناسبة سيذكره كوزير مالية قوي، ضحى بمنصبه في سبيل مبادئه، سواء آمن الناس بها أو رفضوها.
مالك الكباريتي: حامل الشعلة الذي آن أوانه
قفز إلى دائرة الضوء مع «هبة» بدائل الطاقة، التي باتت حاجة موضوعية في ظل اشتعال أسعار النفط عالمياً وانعكاساته السلبية على بلد يفتقر إلى الطاقة الأحفورية. ورغم أنه تنبأ بالأزمة قبلاً، الا أن صوته «الصارخ في البرية» لم يلق دائما آذاناً صاغية لدى الحكومات المتعاقبة.
لعشرين عاماً ونيف بقي المهندس مالك الكباريتي، رئيس المركز الوطني لبحوث الطاقة، يذرع الطرقات، على طريقة الفيلسوف الإغريقي «ديوجين» حاملاً مصباحاً، يستمد ضوءه الشحيح من طاقة لا تنضب.. فيما ركنت الحكومات إلى شهور عسل منح النفط، التي لم تلبث أن ذهبت أدراج الرياح.
«عقباوي» ألقى والده المرساة في عمان، حيث رأى النور في كانون الثاني/ ديسمبر 1953، تلقى تعليمه في الكلية العلمية الإسلامية، بعدها.. شد الرحال إلى الولايات المتحدة الأميركية، والتحق بجامعة تكساس.
عن سني شبابه الباكر، يذكر أنه تأثر بهزيمة 1967، أما الدرس الذي تعلمه منها، فكان «أن نكون دائماً صادقين مع أنفسنا، ونقدم المعلومة الصحيحة، ونعرف مقدار أنفسنا».
بدأ ولعه مع بدائل الطاقة غداة حضوره مؤتمراً عنها أثناء دراسته الجامعية في تكساس عام 1974، إثر انقطاع إمدادات النفط في أعقاب حرب 1973، ورفع دول «أوبك» لسعره.وشارك في أول مشروع تم بناؤه في مجال استخدام الطاقة الشمسية في التدفئة والتبريد، وصار مسؤولاً عن أول منزل شمسي بني في تلك الولاية عام 1976.
بعد نيله البكالوريوس في مجاله، انتقل إلى جامعة فرجينيا، حيث نال الماجستير.
..أمان عراض عن وطن يستعيض عن النفط بالطاقة المتجددة «شمس ورياح وغيرها» كانت زاد رحلة العودة إلى الوطن. وبالنسبة له، يكمن خلاص الأردن في الطاقة البديلة. التحق بالعمل بعيد عودته في الجمعية العلمية الملكية،وفيها تدرج من مهندس الى رئيس قسم فمدير، عنها يقول إنها «كانت تجربة ثرية، العاملون تلقوا دعماً كبيراً من المسؤولين، وخصوصاً من رئيس مجلس الإدارة الأمير حسن، الذي تميز باهتماماته المتنوعة في مجالات الطاقة والبيئة والمياه».
حين بدأت بوادر انحسار «شهور عسل» الطاقة، بدأ التفكير بشكل متواتر في البحث عن بدائل، وأنشىء المركز الوطني لبحوث للطاقة عام 2000، الذي أوكلت له رئاسته.
يعد المركز الوطني لبحوث الطاقة الذراع الفني للدولة فيما يتعلق بإمكانية استغلال بدائل الطاقة وترشيد استهلاك الطاقة وتنويع مصادرها، عبر أجراء الدراسات العلمية والتعامل مع المؤسسات الشبيهة في المنطقة والعالم، ونقل أحدث التكنولوجيا المستخدمة، وتدريب الكوادر الفنية في هذا المجال.
زادت غبطته عندما انتبهت السلطات العليا، بالأخص الملك عبد الله الثاني، إلى مسائل الطاقة البديلة وترشيد استهلاك الطاقة، ويعتقد «أننا إذا سرنا في هذه الطريق من الممكن جداً أن نصل إلى نتيجة جيدة خلال الـ 25 سنة القادمة».
يعمل بصمت، بعيداً عن الأضواء، ويغبط نفسه أنه يعمل في مجال يحبه، ويعتبر أن «عمله هو هوايته». ولا يرى غرابة في أن أحداً لم يكرمه. «المهم الحب والانتماء للوطن، والأردن قدم الكثير لأبنائه، وأنا واحد منهم، والآن وقت رد الجميل».
يدهشك بمساحة الصراحة في تقييمه للآخرين، سلباً أو ايجاباً. لا يتورع في انتقاد مسؤول حد التعرية أو مدح آخر حد المغالاة.
أبرز سلبياته: عصبيته غير المبررة. فيما يشتكي مرؤوسيه من أنه عجول، يريد أن ينتهي كل شيء بسرعة، وأمس قبل اليوم.
تتردد على لسانه عبارة «ما بخاف غير الله سبحانه وتعالى»، غير أن خصومه يرون أنه يخاف أكثر!. ويدللون بحرصه الزائد، وخشيته الدائمة من أن ينقل شيء غير الشيء الذي قصده على لسانه».
لعقود مضت، بقي المسؤولون «غائبي فيلة»، لا يرون ما يراه، من أزمات قد تعصف بسبب انقطاع إمدادات المنح النفطية، من السعودية في الستينات والسبعنيات، ومن ثم العراق في عقدي الثمانينات والتسعينات، لتليها المنحة الإماراتية والكويتية، دون أن تستغل هذه الفترات من العسل النفطي في البحث عن بدائل للطاقة في بلد يفتقر إلى النفط. ومن المثير أنه تنبأ في وقت مبكر، مطلع التسعينات من القرن الماضي، بتخطي سعر برميل النفط المائة دولار، دون أن تلقى نبؤته آذاناً صاغية.
الآن، وحين تفجرت الأزمة، تنبه الجميع للكباريتي ومركزه، وانهالت عليه طلبات دراسات الطاقة البديلة، وترشيد استخدامها. وفي مسعى للحاق بالركب تنبهت الجامعات أيضاً، وتسعى حالياً لإقامة مركز وطني للطاقة، غافلة عن أن المركز قائم منذ سنوات.
على خلاف كثير من المسؤولين، يجاهر الكباريتي بأن لامناص من تحرير أسعار المحروقات، حتى لو احتاج الأمر إلى إجراء «عملية جراحية»، مؤكداً أن المسألة الاجتماعية يمكن معالجتها بطرق غير دعم المحروقات، ويقر بأن القرار يحتاج إلى شجاعة، خصوصاً وأن «القرارات المسكنة» على غرار الأدوية المسكنة، لم تفلح إلا في ترحيل المشكلة، بدلاً من معالجتها بشكل جذري.
«على الأردن أن يتجه إلى بدائل الطاقة وترشيدها، على الرغم من ارتفاع أسعارها، إلا أنها على المدى الطويل ستكون أرخص بكثير». بعبارة أخرى يرى الكباريتي أن ثمة طاقة أمل، ربما ينيرها بذات المصباح.
* عن صحيفة "السجل" الاردنية