بدأت الولايات المتحدة الأميركية تظهر مؤشرات جدية على اقتراب موعد هجومها المحتمل على العراق والذي باتت بغداد تتوقعه في ايار/مايو المقبل.
وأعلنت الولايات المتحدة امس أنها قررت تقديم خمسة ملايين دولار لتمويل عقد اجتماع للمعارضة العراقية يضع البنى الأساسية لحكم العراق إذا ما أزيح الرئيس صدام حسين عن السلطة.
ويندرج مشروع اجتماع المعارضة العراقية في إطار النتائج التي اسفرت عنها جولة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في عشر دول معظمها في الشرق الأوسط تمحورت حول جس نبض حلفاء واشنطن بشان تدخل أميركي محتمل ضد النظام العراقي.
وقال مسؤول في الخارجية طلب عدم الكشف عن هويته "نتوقع ان يشارك في هذا المؤتمر عراقيون وخبراء دوليون لمناقشة تنظيم تحرك يمكن الاتفاق عليه منذ الان والمراحل الضرورية بعد إقامة حكومة جديدة في بغداد".
وتأتي فكرة استبدال نظام جديد بنظام صدام حسين بعد تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش الذي وضع العراق ضمن "محور الشر" الذي يضم أيضا كلا من ايران وكوريا الشمالية وبعد رفض بغداد عودة المفتشين الدوليين من دون تحديد برنامج زمني لعملهم والاماكن التي يريدون تفتيشها.
وابلغت وزارة الخارجية الاميركية الكونغرس الاسبوع الماضي انها تعتزم تقديم خمسة ملايين دولار الى معهد الشرق الاوسط وهو مجموعة تشاورية تتخذ من واشنطن مقرا لها وهي التي ستنظم المؤتمر.
ولم يتحدد بعد مكان وزمان هذا المؤتمر لكنه لن يعقد بالتأكيد في الولايات المتحدة كما قال مسؤولون اخرون. وطرح احدهم لاهاي او مدينة اوروبية اخرى مكانا محتملا.
وسبق لاحد مسؤولي حركة الوفاق الوطني وهي مجموعة عراقية معارضة في المنفى، صلاح الشيخلي، ان اعلن الاحد الماضي ان الاجتماع قد يعقد بداية ايار/مايو او حزيران/يونيو في المانيا او سويسرا او ستراسبورغ (فرنسا).
واوضح مسؤولون اميركيون ان التمويل الاميركي سيكون مفيدا لتنظيم الاجتماع نفسه ولما "ينجم عنه من مشاريع حيث تواصل مجموعات العمل عملها بعد الاجتماع".
وقال مسؤول اميركي ان طابع الاجتماع سيكون "تقنيا سياسيا مع تقديم الجانب التقني" باعتبار ان الاهتمام سينصب على تحديد ما يجب عمله بعد مرحلة صدام حسين.
واشار الشيخلي في هذا الاطار الى ان "محور المناقشات سيتحول بعد الان من سؤال من سيخلف صدام حسين الى سؤال ما يجب ان يفعله هذا الخلف كائنا من كان".
واكدت الخارجية الاميركية هذا التوجه مشيرة الى ان الاجتماع سيعنى بوضع نظام قضائي وخطة صحية وتربوية او التخلص من الفساد ودور العسكريين واعادة بناء الاقتصاد.
كما يتطرق المؤتمرون ايضا وفق المسؤولين الاميركيين الى مسائل اخرى بينها "عودة العائلات العراقية التى اجبرت على مغادرة موطنها بفعل التطهير العرقي الذي اقدم عليه النظام اضافة الى التحقيق في ما سرقه صدام حسين وابناؤه من العراقيين".
وسيشارك في الاجتماع وفق الشيخلي نفسه: المؤتمر الوطني العراقي والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بالاضافة الى شخصيات مستقلة معارضة.
واضافة الى الاهتمام الاميركي بالمعارضة وحثها على عقد المؤتمر فان الايام الاخيرة شهدت ايضا مؤشرات اخرى نقلتها صحيفة "النهار" اللبنانية، تدلل على "مدى جدية" الولايات المتحدة في المضي قدما بمخطط ضرب العراق.
وقد سجل في الايام الماضية تعليق عشرات العقود التي ابرمها العراق في اطار برنامج "النفط مقابل الغذاء" وبقيمة مليارات الدولارات، بعد اعتراض المندوبين الاميركي والبريطاني في لجنة الـ 661 على هذه العقود بحجة أنها تفتقر الى التفاصيل التقنية اللازمة. هذا يعني ان البرنامج الذي لم يكن يغطي حتى الآن سوى 15 في المئة من حاجات العراق الفعلية، يواجه مزيداً من التعثر، وان التشدد الاميركي - البريطاني يتزايد مع اقتراب موعد المفاوضات الجديدة، رداً على اعلان بغداد رفضها المبدئي استقبال المفتشين. وتجميد العقود يعني عملياً وقف العمل بالتجهيزات الأساسية الخاصة بالنقل والمواصلات وشبكات المياه والمجاري والمستشفيات والمختبرات فضلاً عن برامج التموين الغذائي، وهي مشاريع تتجاوز كلفتها 8 مليارات دولار.
وتتزامن هذه التطورات مع انتهاء جولة ديك تشيني في المنطقة التي تعتبر مؤشرا في حد ذاتها، هذه الجولة التي استهدفت في الاساس التحضير لضرب العراق.
وفي تقرير لها من بغداد تقول "النهار" ان المعلومات التي تجمعت لدى القيادة العراقية تؤكد ان شيئاً لم يتبدل في "الروزنامة" الاميركية في أعقاب هذه الجولة رغم تحفظات القادة العرب، وتحفظات الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي.
وقد أعلن الرئيس الاميركي نفسه بعد عودة نائبه انه "يقدر النصائح التي سمعها لكنه سيواصل العمل بما يريده..."، على قاعدة ان ما تراه الولايات المتحدة هو الصحيح وما يراه الآخرون، أياً كان الآخرون، ليس بالضرورة صحيحاً.
- المؤشر الثالث يمكن التعرف اليه خلال اثارة وزارة الخارجية الاميركية، وفي صورة مفاجئة، موضوع الطيار مايكل سبايكر الذي اسقطت طائرته يوم 7/1/1991 واعتبرته وزارة الدفاع الاميركية يومذاك متوفياً. في وقت لاحق صادقت البحرية الاميركية على هذه الوفاة في ضوء تقرير تقني عن الحادث. اثر هذه المصادقة طلبت الادارة الاميركية عام 1995 تعاون العراق في التقصي عن مصير الطيار، ووصل فريق اميركي من 11 شخصاً الى بغداد يوم 9/12/،1995 واطلع على مكان سقوط الطائرة واستنتج استناداً الى البحث والمسح التقني، ان الطيار التهمته الذئاب. والمفارقة ان "البنتاغون" تذكر فجأة انه لم يستعد سبايكر بعد، وقرّر اعتباره مفقوداً لا متوفياً، وبدأ حملة اعلامية واسعة (تشبه في بعض جوانبها الحملة الاسرائيلية في شأن رون آراد) الغاية منها التمهيد للضربة الجديدة، في تشويش واضح يتجاهل الحقائق المسجلة في وثائق الصليب الاحمر الدولي.
- المؤشر الرابع يتجاوز التهيئة الديبلوماسية والاعلامية الى التحضيرات الميدانية للضربة. في هذا الاطار يمكن التوقف عند معلومات تقول ان المناورات الجوية المشتركة في نيسان 2002 بين الولايات المتحدة وتركيا واسرائيل تحت اسم "نسر الاناضول" تهدف الى تمكين تركيا من لعب دور باكستان في الهجوم الجديد مقابل وعد بتمكينها من الانضمام الى الاتحاد الاوروبي. في المعلومات أيضاً ان رؤساء الأركان الاميركيين يراقبون عمل القوات الاميركية في الخليج استعداداً لتوسيع مهماتها، وقد زارت اكثر من بعثة اميركية المنطقة الشمالية الكردية في محاولة لاقناع بعض الزعماء الاكراد بالتعاون لقاء وعد بدولة كردية مستقلة. محاولات مماثلة جرت في جنوب العراق من أجل استمالة الشيعة العراقيين والتحضير لمشروع انفصالي آخر، كل هذا وسط حديث يتزايد عن عقود وقعت لاستئجار قواعد بحرية وبرية وجوية في منطقة آسيا الوسطى لاستعمالها ضد العراق اذا امتنعت الدول العربية المتاخمة عن تقديم التسهيلات اللوجستية المطلوبة.
- ذروة التحرك الاميركي، مع اقتراب حرب افغانستان من نهايتها، يتمثل في اعادة تركيز مناخ عربي ودولي يدعم الخطط الجديدة، عبر احتواء "الانتفاضة" وتعويم عملية السلام، وفك الارتباط بين الملفين العراقي والفلسطيني واستئناف مسيرة مدريد واستكمال الحرب على الارهاب، وهنا مصدر القلق العراقي الحقيقي، وهو قلق يملي على بغداد الكثير من الحذر في هذه المرحلة. ومن هنا الحديث المتزايد عن "صيغة توافقية" بين العراق والكويت سوف تعرض على الملوك والرؤساء في قمة بيروت، تفاديا لعزل الملف العراقي عن الملف الفلسطيني الذي يحظى باجماع عربي في البيان الختامي.
هذه المؤشرات مجتمعة تتلاقى مع اقتناعات عراقية باتت واضحة مفادها ان الجدل الذي كان قائما قبل 11 ايلول بين "الشرعية الاميركية" و"الشرعية الدولية" قد حسم لمصلحة الاحادية الاميركية بعد نسف برجي نيويورك. الامم المتحدة اليوم مجرد "مستعمرة" سابقة تعود بكل آلياتها الى مرحلة سابقة، وما تراه الولايات المتحدة صحيحا هو الصحيح. في ضوء هذا الاقنناع يلاحظ العراقيون ان الذين ينادون اليوم بتطبيق قرارات الشرعية الدولية ويدعون العراق الى التزام هذه القرارات، ليسوا قريبين من الموقف الاميركي وليسوا متوافقين معه، وان الامم المتحدة تمر في اسوأ مرحلة من تاريخها في حمى "الامركة" المفروضة على العالم كله. اما الاعتراضات الصينية والروسية والاوروبية (احيانا) على الاحادية التي تمارس في صنع القرار الدولي فانها لم تصل بعد الى درجة تكريس قيام قطبية ثنائية بديلة، وسوف يمضي وقت طويل قبل ان تبلغ هذه المرحلة.
المناخ السائد في العراق اليوم هو ان الضربة لن تتأخر، والولايات المتحدة التي لم تترك، منذ احد عشر عاما حتى اليوم، فرصة الا استعملت فيها القوة ضد العراق، لن تتأخر في استعمال هذه القوة مرة اخرى في الاسابيع التي تعقب مفاوضات نيسان، وفي هذه الحال سوف يكون على العراقيين ان يقاوموا بأسلحة اشتروها في مطلع الثمانينات - ولم يتبق منها الكثير - الآلة العسكرية الاميركية المدمرة. والرواية الاكثر شيوعا هذه الايام في الاوساط العراقية المسؤولة، تقول ان الاصرار الاميركي على عودة المفتشين يعود الى اسباب تقنية تتصل بعمل الاقمار الصناعية التي ترصد كل حركة على ارض العراق منذ بدأت الحملة العسكرية الاميركية. ويبدو ان هذه الاقمار تحتاج الى ادلة على الارض كي تكون اكثر فعالية في الرصد والتصوير، والمفتشون الجدد يفترض ان يؤمنوا هذه المهمة—(البوابة)—(مصادر متعددة)