بعد استشهاد رهام داخل صفّها وبين زميلاتها.. من يعيد الأمان إلى ''مدرسة الإبراهيمين'' في جنين؟!

تاريخ النشر: 26 أكتوبر 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

صورة شخصية، وباقة زهور، ومقعد فارغ، وذكريات مجزرة في أذهان زميلاتها ومعلماتها.. هذا كل ما تبقّى للشهيدة رهام نبيل الورد (10 سنوات) في "مدرسة الإبراهيمين الأساسية" في مدينة جنين، التي نفذت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرةً دمويةً، الخميس قبل الماضي (18/10). 

ويعمل في المدرسة الآن طاقم إرشاد نفسي من ثمانية أفراد، بهدف معالجة الآثار النفسية القاسية التي خلّفها العدوان الإسرائيلي على المدرسة بعد استهداف التلميذات والمعلمات داخل الغرف الصفّية، واستشهاد رهام، وإصابة ست تلميذات ومدرّسة برصاص الغزاة المحتلين. 

ويضطر طاقم الإرشاد إلى زيارة بعض تلميذات المدرسة في بيوتهن، بعد رفضهن العودة إلى المدرسة، خوفاً من تكرار ما جرى من قتل وإرهاب أمام أعينهن. 

وفي حديث لوكالة الانباء الفلسطينية "وفا"، وصفت السيدة وفاء حمدان، مديرة المدرسة، ما جرى في ذلك الخميس الدامي، بأنه مجزرة لن تنسى، ولن تمحوها الأيام من ذاكرة التلميذات والمعلمات على حدّ سواء، حيث اختلطت الدفاتر والكتب والحقائب المدرسية بالدماء، وصبغت الجدران والمقاعد باللون الأحمر. 

وأوضحت السيدة حمدان أنه ليس من السهل إعادة الأوضاع النفسية للتلميذات إلى سابق عهدها، لأن ما جرى كان فظيعاً للغاية. 

وأضافت أنه، حين طلب الطاقم الإرشادي من التلميذات رسم ما يجول بخاطرهن، أو التعبير عنه بالكتابة، تركّزت الرسومات والتعابير حول الدبابات وهي تطلق القذائف والرصاص، وكذلك صورة رهام وهي غارقة في بركة من الدماء، فضلاً عن حقائب وكتب صبغت بالأحمر القاني، وتلميذات ومعلمات يزحفن أرضاً لتجنب الرصاص، ثم مشهد إخلاء التلميذات من المدرسة، وغير ذلك من الرسومات التي تتمحور حول المجزرة. 

وقالت السيدة حمدان: إن أكثر من 25% من الطالبات التزمن منازلهن، ويرفضن العودة إلى المدرسة، بسبب الرعب والهلع الذي أصابهن لدى مشاهدتهن الدبابات تشنّ عدوانها على المدرسة، التي تضمّ (592) تلميذة و(28) معلمة. 

وأعادتنا مديرة المدرسة معها أسبوعاً إلى الوراء وهي تروي لنا تفاصيل ذلك اليوم، الذي حقّق فيه جيش الغزاة "نصراً" على زهرات "مدرسة الإبراهيمين" الواقعة في الحيّ الشرقي من مدينة جنين.. قالت: " كنا ثماني معلمات في المدرسة، وكانت عشرات التلميذات قد بدأن في الوصول من الأحياء المجاورة، حين بدأت دبابات الاحتلال بقصف المدرسة، على السابعة والنصف من صباح ذلك اليوم، بالقذائف والرشاشات الثقيلة، مما أصاب التلميذات بحالة من الرعب والهلع الشديدين. فحاولنا قدر الإمكان إدخالهن إلى صفوف الطابق الأرضي من المدرسة". 

وأضافت: "خلال عملية إدخال البنات إلى الصفوف، كان الرصاص ينهمر بغزارة على الجدران وداخل الصفوف، فأصيبت الطفلة تحرير مناصرة إصابةً بالغةً في رأسها.  

وحين أسرعت المرحومة رهام لمساعدة زميلتها، كان رصاص الاحتلال لها بالمرصاد وأصابها في مقتل".  

وبعد إشارتها إلى أن المدرسة عاشت نصف ساعة متصلة تحت الرصاص الغزير، أصيب خلالها كل من تواجد في المدرسة من تلميذات ومعلمات، وأطفال تصادف وجودهم في المكان، بحالة انهيار وهلع.. أكدت مديرة المدرسة أن كافة الإصابات وقعت داخل الغرف الصفية. 

واستطردت قائلةً: "هرع لمساعدتنا بعض الشبان من المنازل المجاورة، وساعدونا في إبعاد التلميذات إلى زاوية المدرسة، ومن ثم تسلّق سور المدرسة والنزول إلى الجهة الأخرى".  

وأوضحت أن سيارات الإسعاف وجدت صعوبةً بالغةً في الوصول إلى المدرسة، بسبب غزارة النيران الإسرائيلية.. واضطرت لسلوك طرق خلفية للوصول إلى المدرسة، ومن ثم نقلت الجريحات.. ولكن رهام كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة. 

وتأمل مديرة المدرسة بالتغلب على الآثار النفسية السلبية التي انتابت التلميذات. وهي تواجه صعوبةً بالغةً في هذا المجال، مشيرةً إلى أن بعض التلميذات اللواتي يأتين إلى المدرسة يرفضن الدخول إلى الغرف الصفّية، وخاصة إلى الصفّين الأول والثاني الأساسيين، مما يضطرها إلى إبقائهن مع أخوات لهن أكبر سناً في المدرسة ذاتها. 

وبعد مرور أسبوع على استشهاد رهام، أصرّت طالبات المدرسة على القيام بمسيرة ظهر أمس، انطلقت من المدرسة إلى بيت الشهيدة، وحملن خلالها أكاليل زهور ولافتات، أكدن فيها أن رهام ستبقى خالدةً في أفئدتهن الصغيرة، وأن رصاص الغدر الإسرائيلي لن ينتزعها من وجدان أي واحدة منهن.