برادة: التطبيع لا يتم على أيدي المثقفين..وإسرائيل لم تبرهن عمليا أنها تريد السلام

تاريخ النشر: 08 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

قال الناقد والروائي المغربي محمد برادة الذي شارك، بشكل فاعل، في تأسيس اتحاد الكتاب في المغرب، والمعروف جيدا في بلاد المشرق، إن التطبيع لا يمكن أن يتم على يد المثقفين، وحتى الآن لم تبرهن اسرائيل عمليا على أنها تريد السلام، والسلام مقدمة طبيعية للتفكير في علاقات جوار أو حوار. 

وأضاف:" إننا كمثقفين لا يكفي أن نرفض فقط فكرة التطبيع وننغلق في بيوتنا، بل لا بد أن نكون حاضرين بشكل أو بآخر، لأن الأنظمة العربية لها مواقف متقلبة، ومهمة المثقف العربي أن يعمق الدفاع عن حقوق فلسطين، وعن السلام الحقيقي حتى نتمكن من أن ننظر إلى المستقبل بنوع من التفاؤل". وأشار إلى أن المطلوب من المثقفين العرب ألاّ يجعلوا مسألة التطبيع نقلة لإعفاء أنفسهم من المواقف والمتابعة والتدخل في الحوار.  

وعن تأثير الثقل اليهودي في الاقتصاد المغربي على رؤية المثقفين المغاربة للتطبيع مع اسرائيل قال برادة:" كان عندنا 500 ألف يهودي، شوشت الدعوة الصهيونية عقولهم، حين اختلقت أخطارا حول وجودهم في المغرب، ودفعتهم للهجرة إلى اسرائيل في نهاية الخمسينات. وهم يعيشون هناك الآن في ظروف صعبة لكنهم دائما يحنون إلى المغرب ويزورونه، ويستمرون في الحديث باللغة العربية الدارجة". 

وأكد برادة أن يهودا مغاربة رفضوا اسرائيل وهاجموها بقوة، وعلى رأسهم الكاتب المبدع ادمون عمران المليخ الذي يرفض في رواياته وجود الصهيونية من الأساس، ويعتبر هجرة اليهود من المغرب إلى اسرائيل جريمة لأنها اجتثتهم من وطنهم وألقتهم في ضواحي مدن اسرائيل، ليعيشوا في شقاء. وأضاف:" إن في كتابة المليخ رفضا جذريا لا أظن أن عربيا كتب مثله وبهذه القوة" ، وأشار إلى أن المثقفين المغاربة يميزون بين اليهودية كدين انتمى معتنقوه إلى بلد عربي ما، وبين الذين التحقوا بإسرائيل، وأن التاريخ الثقافي والاجتماعي المغربي مكون من مساهمات متعددة. وأنه حتى الخمسينات كان يعرف مساهمات وبصمات العشيرة اليهودية. 

اللقاءات الثقافية  

وردا على سؤال لأورينت برس حول جدوى اللقاءات الثقافية بين مصر والمغرب وسائر الدول العربية قال بأن هذه اللقاءات تساهم في متابعات نقدية للإنتاج الروائي المتنامي في مصر والمغرب، وكذلك في سائر الدول العربية، وأنها من جهة ثانية توطد علاقات الصداقة والتفاهم والحوار بين المبدعين العرب ضمن لقاء أدبي وأساسي وهام لأنه ينبه القراء في البلدان العربية، إلى أن هناك نتاجا روائيا يستحق القراءة، وإلى أن هناك روايات تستطيع أن تعبر عن أشياء، لم تعبر عنها الخطابات الرسمية، ولا الخطابات الأيديولوجية.  

وأكد أننا بذلك ندافع ضمنيا عن فكرة القراءة وعن إيجاد علاقة ملموسة بين المبدع والقارىء، لأن الأدب العربي بصفة عامة، مثلما هي الحال في كل مكان بالعالم، أصبح مهددا بمنافسة وسائل نوعية أخرى كالتلفزيون والفيديو والكمبيوتر والانترنت، وأصبحت القراءة عملية صعبة تتطلب حضور الفكر والتفاعل، وأشار إلى أن القراءة تظل هي المجال الأساسي ليحقق القارىء حريته، لأنه يستطيع أن يدخل في حوار مع الكتاب وأن يتخيل ويتفاعل، وأن هذه العلاقة تختلف عن تلك التي يقيمها المتلقي مع الصورة. 

وأوضح أنه يمكن أن نستهلك آلاف الكيلومترات من الصور يوميا، ولا تكون الحصيلة على مستوى الشعور والوجدان والفكر جيدة وعميقة، مثلما يتحصل ذلك من المطالعة.  

وحول قلة الإنتاج الروائي في المغرب قال:" إن مجموع ما أنتجناه من روايات حتى الآن، لا يتعدى الـ 200 رواية، وسبب ذلك أن الأدب عندنا حديث وقد بدأ في الخمسينات،أما السبب الآخر فهو كون الكتّاب كما في بعض الدول العربية، لا يستطيعون أن يعيشوا من أقلامهم، وهم يكتبون في أوقات الفراغ على حساب أوقات راحتهم، وهذه، بشكل عام، شروط اجتماعية وثقافية لا تمكن المبدع والمفكر من احتلال مكانته الأساسية داخل المجتمع، وهو ما يستدعي التفكير وتغيير سياسة الثقافة لكي تصبح مجالات أساسية في تطوير المجتمع".  

وعن ارتباط تغيير الحكومات بتغيير الواقع الثقافي قال بأن تغيير الحكومات لا يؤدي إلى تغيير واقع ثقافي، وأن هذا يحتاج إلى وقت وإلى تغيير ثقافي وسياسي واسع. وأشار إلى أن السياسة الثقافية القديمة للحكومة المغربية شهدت تغييرا في الفترة الأخيرة، ومنها انضمام وزراء من المعارضة، مثل وزير الثقافة الجديد محمد الأشعري، وهو شاعر ورئيس اتحاد كتّاب المغرب سابقا. وأضاف:" لقد وجد الأشعري خواء في ما يتعلق بالإمكانيات التحتية للمكتبات ودور الثقافة وغيرها، لذلك شرع في تنفيذ بنية تحتية، وهو ما يتطلب منه بعض الوقت" وأكد إلى أن هناك منجزات لكنها جزئية، وأن الجميع يتطلع إلى المزيد، ولأن تصبح سياسة الثقافة في المغرب قادرة على استيعاب متطلبات الجمهور الواسع، والمواطنين، والطلاب وآمالهم، وقال:" بالنسبة لنا دائما نطالب بما هو أفضل". 

ضرورة الفصحى  

وحول ما يأخذه النقاد العرب على الأدباء المغاربة من استعمال ألفاظ لغوية صعبة وغير مفهومة قال:"  

نحن في جميع البلدان العربية من دون استثناء، نعيش واقع التعدد اللغوي وواقع التلاقح والتهجين، الذي قد تنتج عنه أشياء إيجابية، ومن الصعب أن ندافع عن صفاء اللغة وطهارتها. لأن هذا شيء لا يتماشى مع الواقع" وأكد أن اللغة يجب أن تتطور، وتلاحق الظاهرات المستجدة وتعبر عنها، وأنه لا يمكن للكاتب أن ينتظر المجمع اللغوي ليحدد له الجديد أو المعادل، وإنما يخترع ويحضر لنفسه لغة ما، ويستعير من لغة أجنبية. وأشار إلى أن هذه الاستعارات متجددة ومستمرة،" فالمهم أن نكتب، وأدبنا سهل في المغرب، وقد يجد غير المغربي صعوبة في قراءته، لكن هذه الصعوبة لا مناص منها". وقال أن تقارب اللغة يتم عبر وسائل متعددة مثل الصحافة والكتب والتلفزيون والسينما، وأن المطلوب نوع من الفصحى في التعبير. 

وعن البيان الأخير الذي أصدرته مجموعة من الكتّاب المغاربة بعنوان "الرافضون"، والذي يهاجمون فيه الحال الأدبي المغربي وواقعه قال:" إن مهمة الأدب هي تغيير اللغة، وهذا يتطلب مجهودا متواصلا،لكن الثورة تأخذ مجراها وتفرض وجودها عندما يستطيع أصحاب البيان إنتاج شيء جديد ومغاير، وبذلك يتم تلقيح الثقافة وتجديد الأدب في بعض جوانبه". 

السلطة والمثقف 

وعن العلاقة بين المثقف والسلطة في العالم العربي قال أن المجتمع المدني الذي أسهم في حفر الواقع بتضحيات جسيمة للاستقلال لم تتح له الدولة أن ينمو ويتسع ويعبر عن مواقفه ليحقق التوازن بينه وبين المجتمع السياسي. وأن السلطة اتجهت إلى قمع المواطن وإلى تقوية أجهزة التنصت، مما انعكس سلبيا على المواطن بصفة عامة قبل أن يكون مثقفا.  

وأضاف بأن المثقفين باعتبارهم نخبة وطليعة، عانوا كثيرا من هذا التسلط، والعلاقة بينهم وبين الدولة أصبحت علاقة توازن قوة، الدولة تطلب منهم أن يلتحقوا بركبها وخدماتها، من دون أن يمارسوا وظيفتهم الطبيعية، التي هي وظيفة النقد وطرح المشاكل الحقيقية بجرأة ولهذا ظلت هذه العلاقة مختلة. 

ورفض برادة فكرة تخوين المثقف العربي وقال:" لا أتفق مع الذين يقولون ان المثقف العربي خائن لأي سبب، هناك عينات وفئات عديدة من المثقفين منهم من يؤكد موقفه من حرية الفكر ويكافح من أجل ذلك، وبالطبع هناك فريق الببغاوات، لكل خياره". وأضاف :"في نظري، نحن أمام مأزق الخروج منه يستدعي الاتجاه نحو الديمقراطية وتنقية الصراع وعدم إلقاء التهم جزافا، والتوقف عن لغة العصا تجاه المثقفين وتجاه الأحزاب وتجاه التعبيرات في المجتمع المدني". 

الكتابة بالفرنسية  

وعن المثقفين المغاربة الذين يكتبون باللغة الفرنسية قال بأنه ينظر إلى المسألة بواقعية تاريخية. لأن المغاربة الذين كتبوا بالفرنسية هم جزء من المجتمع المغربي، كما أن ذاكرتهم ووجودهم مرتبطان به، غير أن الوضع الاستعماري لم يوفر لهم إمكانية التعبير باللغة العربية الفصحى. وأشار إلى ان ما كتب بالفرنسية في المغرب والجزائر وتونس له وظيفة وله إيجابية. 

وقال عن قرار وزير التعليم المغربي بتدريس اللغة البربرية في المدارس " أعتقد ان هذا قرار سليم، لكنه للأسف لم يطبق بعد" وأضاف:"إن تعليم البربرية لا يجعلني أشعر بأن هناك نقصا في مغربيتي. إذن يمكن تعليم البربرية إلى جانب العربية، والبربرية لا تمتلك الإمكانات لتصبح اللغة السائدة. فاللغة العربية أكثر تطورا وترسخا وهي لغة البلاد الأصلية، ولا تعارض بينهما"- -(البوابة)