بدأت باريس معركة دبلوماسية مع واشنطن، من اجل الفوز باصوات 3 دول افريقية تشغل مقاعد غير دائمة في مجلس الامن، الذي سيبدأ الثلاثاء التصويت على مشروع قرار يمهد لضرب العراق. وفيما حث محمد البرادعي بغداد على اتخاذ خطوات حاسمة لاظهار تعاونها مع المفتشين، فقد ذكر تقرير ان لندن وواشنطن تعتزمان الضغط على هانز بليكس لدفعه الى الإقرار بالعثور على "دليل مادي" يدين للعراق.
بدا وزير الخارجية الفرنسي، دومينيك دوفلبان الى انغولا اليوم الاثنين، وذلك في مستهل جولة تستغرق اربعة ايام، وتشمل الكاميرون وغويانا ايضا، وذلك في محاولة لاقناع هذه الدول، والتي تشغل مقاعد غير دائمة في مجلس الامن، بالتصويت ضد مشروع قرار اميركي-بريطاني-اسباني يمهد لحرب على العراق.
وتاتي جولة دوفلبان في خضم السباق المحتدم بينها والولايات المتحدة من اجل كسب الاصوات في مجلس الامن المقرر ان يبدأ غدا الثلاثاء عملية التصويت على مشروع القرار الذي يمهل العراق حتى 17 اذار/مارس الجاري لنزع اسلحته تحت طائل مواجهة الحرب.
ومن غير المرجح ان يمنع التصويت ضد مشروع القرار او استخدام فرنسا التي تحمل راية معارضته بدعم الماني روسي صيني، نشوب الحرب التي اكدت واشنطن انها مستعدة لخوضها حتى دون قرار من الامم المتحدة.
وتتمتع فرنسا بنفوذ كبير في كل من انغولا والكاميرون وغويانا، وذلك من واقع انها دول فرنكوفونية، وترتبط مع فرنسا بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية.
غير ان باريس القلقة من ان تؤثر المساعدات الاقتصادية الاميركية على موقف هذه الدول في مجلس الامن، قررت ايفاد دوفلبان لبحث السبل الكفيلة بضمان تصويتها الى جانب اللوبي المعارض لمشروع القرار الاميركي-البريطاني-الاسباني، والذي يواجههة لوبي لا يقل قوة في المجلس، تتزعمه فرنسا، وتؤيده المانيا وروسيا والصين.
وفي الوقت الذي كانت واشنطن تظهر نفسها في موقع المتقبل بروح رياضية، للمنافسة الفرنسية على الاصوات في مجلس الامن الى جانب تلويحها باستخدام الفيتو، الا ان هذه الروح قد اختفت على ما بدا، حيث ابدت الولايات المتحدة نفاد صبر على الجهود التي تقوم بها باريس وتزيد من تهديد فرص نجاح مشروع قرار الحرب.
وقد كشف وزير الخارجية الاميركي كولن باول عن حالة نفاد الصبر هذه عندما حذر فرنسا من ان العلاقات بينها والولايات المتحدة، التي كانت رغم الخلافات في بعض الأحيان من أسس الاستقرار في اوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ستتأثر بصورة خطيرة اذا استخدمت فرنسا الفيتو رغم ان البلدين سيظلان حليفين.
وقال باول لشبكة فوكس "اعتقد ان هذا الامر سيكون له تأثير خطير على العلاقات الثنائية".
واضاف "سيكون من المؤسف ان تقرر فرنسا منع صدور هذا القرار باستخدام الفيتو... ولن ينظر الى فرنسا نظرة ايجابية في الكثير من أنحاء العالم."
وفيما يعقد مجلس الأمن اجتماعا مساء الإثنين لبحث مشروع القرار، فقد اشار الوزير الاميركي إن أمام واشنطن فرصة قوية لكسب تسعة أو عشرة أصوات في مجلس الأمن لصالح هذا المشروع.
ويتطلب تمرير مشروع القرار موافقة تسع دول من إجمالي دول أعضاء مجلس البالغ 15 دولة، بشرط عدم استخدام حق النقض (فيتو) ضد مشروع القرار.
البرادعي يطلب خطوات عراقية "حاسمة"
في غضون ذلك، حث المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي العراق على اتخاذ خطى حاسمة لاظهار تعاونه مع مفتشي الاسلحة محذرا من ان الوقت اخذ في النفاد.
واعتبر البرادعي في مقابلة مع صحيفة "الحياة" نشرت اليوم الاثنين، ان بوسع الرئيس العراقي صدام حسين ان يأخذ زمام المبادرة في اظهار اصراره على التعاون مع المفتشين الذين يبحثون عن اسلحة دمار شامل محظورة تنفي بغداد امتلاكها.
وقال البرادعي ان "المطلوب هو تغيير دراماتيكي وجوهري في الروح والصميم اما كيف يقوم الرئيس (العراقي) صدام حسين والقيادة العراقية بهذا فلا نعلم".
واستطرد قائلا ان من امثال هذا التحول ان "يعلن الرئيس العراقي بنفسه في التلفزيون انه مستعد للتعاون الكامل وان يعطي التعليمات لكل المسؤولين العراقيين للتعاون الكامل وان يقدموا ما لديهم من وثائق او حتى اذا لديهم اسلحة وان يقوموا باظهارها."
وصرح البرادعي بانه طلب من وفد وزراء الخارجية العرب الذي سيتوجه الى العراق هذا الاسبوع ان يحث بغداد على اتخاذ "خطوات حاسمة."
واضاف قوله "ما زلت اشعر بان الحرب ليست حتمية لكننا نقترب منها بلا شك. الاسبوعان المقبلان سيكونان حاسمين والكرة ما زالت في ملعب العراق."
ضغوط اميركية بريطانية
في غضون ذلك، قالت صحيفة "التايمز" اللندنية ان بريطانيا والولايات المتحدة تعتزمان البدء اليوم الاثنين، بالضغط على رئيس فريق التفتيش على الاسلحة التابع للامم المتحدة، هانز بليكس من أجل الإقرار بأنه عثر علي "دليل مادي" مدين للعراق.
وأضافت الصحيفة ان السفيرين البريطاني والاميركي سيطالبان بأن يكشف بليكس المزيد من التفاصيل بشأن طائرة عراقية بدون طيار لم يكشف النقاب عنها من قبل ولم يرد لها ذكر غلا في الوثيقة السرية المؤلفة من ١٧٣ صفحة التي وزعها المفتشون يوم الجمعة.
وأفاد مقال الصحيفة ان الكشف عن هذه الطائرة التي يبلغ طول جناحها ٧.٤٥ متر سيجعل الأمر أكثر سهولة للدول المترددة في مجلس الأمن لتقبل وجهات النظر البريطانية الأمريكية بشأن عدم استجابة العراق لمطالب مجلس الأمن بنزع أسلحته.
وقالت ان بليكس لم يأت على ذكر الطائرة في تقريره الشفهي بشأن عمليات التفتيش في العراق أمام مجلس الامن يوم الجمعة.
ونقلت التايمز عن دبلوماسي بارز من الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن قوله "انه أمر مذهل."
واضاف "سيكون للتقرير تأثير محدد واضح على اولئك المترددين. انه أمر شديد الأهمية."
توقع الهجوم أواخر الشهر
في هذه الاثناء، عجت الحدود القريبة من العراق بقوات اميركية كافية لشن هجوم على بغداد بعد انتهاء مهلة السابع عشر من اذار/مارس، المنصوص عليها في مشروع القرار الاميركي-البريطاني- الاسباني الذي سيقدم الى مجلس الامن غدا الثلاثاء.
ولكن يبدو ان واشنطن ستنتظر بضعة أيام أخرى بعد هذا الموعد، بحسب محللين قالوا ان الجنرال تومي فرانكس، قائد القيادة المركزية الاميركية، ربما يحاول تأخير الموعد حتى اول نيسان/ابريل، لحل مشكلة اقتحام العراق من الشمال وبدء القصف الجوي في ليلة غير مقمرة.
وبوجود قوات حجمها نحو 200 الف من العسكريين الأمريكيين والبريطانيين وعشرات السفن الحربية والطائرات المقاتلة في منطقة الخليج فان الموعد رهن بقرار المهاجمين.
وقال لورن تومسون من معهد لكسينجتون بفيرجينيا "القوات أكملت الانتشار.. وهي كافية لاكتساح وهزيمة العسكريين العراقيين... تشير معلومات استخبارية الى ان كل القوات العراقية بما في ذلك الحرس الجمهوري سيئة التسليح والتدريب والقيادة.. يضاف الى هذا ان قوات المجندين النظامية خائفة ومعنوياتها هابطة."
وفي الكويت القاعدة الرئيسية للهجوم توجد مؤشرات الى وضع اللمسات الأخيرة على الخطط. وتنطلق قوافل من مركبات حربية أمريكية وبريطانية في الطريق السريع الى الحدود مع العراق ذهابا وايابا ليلا ونهارا.
وفي ظلام الليل تسطع الانوار من معسكرات في الصحراء خلف سواتر رملية.ومن المنتظر ان تقود غزو العراق الفرقة الامسركية الثالثة مشاة وقد غادر جنودها مخيماتهم بالصحراء في الايام القليلة الماضية وتجمعوا في نقاط أمامية لإفساح المكان لقوات جديدة.
وكثفت طائرات الحلفاء طلعاتها فوق منطقة حظر الطيران بشمال العراق الى اكثر من الضعف أي نحو 500 طلعة في اليوم.
ويقول مسؤولون استراتيجيون ان الهدف إرباك الدفاعات الجوية العراقية قبل الغزو كما انها أسقطت الاف المنشورات لاقناع القوات العراقية بعدم القتال.
وفي مؤشر آخر لاقتراب العمليات بدأ الجيش الاميركي استقبال صحفيين في وحدات عسكرية بالكويت. ولكن واشنطن لا تزال تفكر فيما اذا كانت ستسحب دبلوماسييها من المنطقة كما فعلت في حرب الخليج الاولى عام 1991.
وقالت روزماري هوليس من برنامج الشرق الاوسط بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن ان الولايات المتحدة لا تريد منح العراق مزيدا من الوقت بعد انتهاء مهلة 17 مارس.
واضافت "اعتقد ان الاميركيين لا يريدون منحهم مزيدا من الوقت. انهم يريدون عنصر المفاجأة." واضافت ان الحرب قد تبدأ نحو 25 مارس ولن تتأخر حتى ابريل.وربما لن يقع الهجوم حتى نهاية مارس لان كتيبة المدرعات الثالثة لن تصل قبل هذا الموعد. والأهم من هذا كيفية تأمين الجبهتين الشمالية والغربية بعد رفض تركيا السماح لأميريكا باستخدام قواعدها.
واذا صممت تركيا على الرفض فان البديل عبور قوات لقناة السويس والانتشار في الكويت وهذا يستغرق اسبوعا. وعندئذ يمكن استخدام قوات جوية بأسلحة خفيفة لتأمين آبار النفط العراقية.—(البوابة)—(مصادر متعددة)