عمان – نزيه أبو نضال
قال الدكتور أحمد ماضي أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية:" إن نقطة انطلاق الحضارة الأوروبية الحديثة قد بدأت مع القطع المعرفي الذي قام به دعاة عصر التنوير الأوروبي مع ثقافة العصور الوسيطة، بما في ذلك فكر الكنيسة، وهذا ما لم يحدث في عصر النهضة العربية".
وكان د. ماضي قد قدم مساء أمس بحثا عن المفكر اللبناني مهدي عامل والنهضة، في إطار الورشة الفكرية حول قضايا النهضة والتنوير، في رابطة الكتاب الأردنيين، إلى جانب المفكرين العراقيين د. رسول محمد رسول و د. ضياء خضير، وأدارت الجلسة د. سلوى العمد.
لاحظ د. ماضي أن عامل لم يعن كثيراً بعصر النهضة قياساً بمفكرين علمانيين آخرين مثل سلامة موسى و د. ماجد فخري و د. عيسى خفاجة، ولكنه رغم ذلك صاحب رأي متفرد في هذا المجال؛ إذ يرى أن النهضة لم تحدث في الوطن العربي حتى الآن، ذلك أن القوى البرجوازية الطبقية المرشحة للعب هذا الدور لم تكن مؤهلة لذلك، ومفتاح فهم الأمر إنما يكمن كما يقول ماضي في موضوعة نمط الإنتاج الكولنيالي التي طرحها مهدي عامل، ورأى من خلالها أن البرجوازية العربية في ظل نمط الإنتاج هذا هي قوى طبقية تابعة لمراكز الغرب الاستعماري (المتروبول)، ولم تقم بعملية القطع المعرفية مع الأفكار والمفاهيم والقوى الطبقية التي كانت سائدة آنذاك، بل كانت في واقع الحال متصالحة مع هذه القوى والمفاهيم ومتناسلة منها على عكس البرجوازيات الأوروبية التي قامت بالثورة ضد الإقطاع وبالقطع المعرفي مع ثقافته ومفاهيمه.
ونقل عن "عامل" إن البرجوازية العربية التي فشلت في إنجاز مهمات التنوير والنهضة ستنشل لاحقاً كذلك. وإن القوى المؤهلة هي الطبقة العاملة النقيضة، شرط أن تعي هذه الطبقة ومن يمثلها فكرياً وسياسياً الدور المنوط بها.
د. رسول أحمد رسول: المثقفون وإرادة التنوير
الباحث العراقي د. رسول أحمد رسول قدم ورقة بعنوان "المثقفون والتنوير... رؤية نقدية" غير أنه نبه منذ البداية أن البحث لا ينصرف كما يشير العنوان إلى علاقة المثقف العربي بالتنوير، ولكنه يسعى لتقديم رؤية إلى المستقبل في العلاقة بين المثقفين كفئة اجتماعية وسياسية وفكرية وبين التنوير كونه إرادة تاريخية عامة تظهر في مكان ما، وزمان محدد. ونبه د. رسول إلى "أن مأساة التنويريين العرب أنهم رفعوا شعارات الحرية والتسامح والعقلانية والموضوعية ولكنهم أغفلوا أن لهذه المفاهيم استخدامات معينة وحدودا لا تتعداها، وتفسيرات تناسب الظروف التي نشأ فيها التنوير في الغرب، ولا تناسبنا نحن".. أي ان التنويريين العرب أخذوا هذه المفاهيم كمطلقات ونادوا بها كمطلقات فبقيت خارج الفعل وخارج الواقع. ورأى رسول أن أي فعل تنويري قادم لا بد أن يبدأ اولاً بالحرية والعقل، وأن تأصيل هذين الشرطين هو مسؤولية المثقفين قبل غيرهم لأنهم يمتلكون حساً تاريخياً لوجودهم الثقافي والحضاري.
ويضيف بأن أولئك هم الأقدر على "الحوار مع التاريخ في إرادته العميقة التي تمنح وجودهم ديمومته وتواصله" وهذه الإرادة هي غير إرادة التحديثيين ورجال السياسة الذين لا يشكل العقل والحرية بالنسبة لهم الهاجس المركزي لفعل التنوير.
د. ضياء خضير: الوردي ومهزلة العقل
البحث الثالث قدمه المفكر العراقي ضياء خضير في الجلسة الأولى، وتناول المفكر العراقي علي الوردي في علاقته بالأدب وبالحوارات العنيفة التي أثارها صدور كتابه "مهزلة العقل البشري"، عام 1956. ولعل بعض هذا الجدل الذي أثير يؤكد مهزلة العقل أكثر مما ورد في كتاب الوردي نفسه . يقول د. خضير: "لقد كان بعض هؤلاء يجادل، مثلاً، في نظرية (توينبي) في طبيعة الحضارة البشرية من دون أن يعرف شيئاً كثيراً عن هذه النظرية، ولعله لم يسمع بها قبل أن يقرأ عنها شيئاً في كتاب الدكتور (علي الوردي)؛ ولكنه كان، مع ذلك، يصول ويجول في نقد النظرية ويشتمها ويشتم الدكتور معها. ويذكر الوردي أنه قال لأحد هؤلاء النقاد حينذاك: "لا بأس أن ينتقد الكاتب موضوعاً ليس من اختصاصه على شرط أن يعلم عنه شيئاً يخوله ذلك فلا يلقي الكلام فيه جزافاً". فأجابه ذلك الأديب، الذي لا يذكر الوردي لنا اسمه، قائلاً بأن "الأدب العربي شديد الصلة بمختلف جوانب المعرفة منذ عصور بعيدة، وكان الأديب العربي مضطراً لأن يلم بطرف من كل شيء، وليس الأدب اليوم بأقل صلة بجوانب المعرفة من الأدب بالأمس، وليس الأديب المحدث بأضيق أفقاً ولا أشح ثقافة من الأديب فيما مضى".
ويضيف د. ضياء خضير: "وبعد حوالي عام من هذا التاريخ وجد الوردي نفسه مشتبكاً في جدال آخر أكثر عنفاً وشدةً مع الأدباء. وكان موضوع الجدال هذه المرة يتصل بآراء للوردي في الأدب واللغة نشرها في الصحف المحلية ثم جمعها في كتابه المعروف (أسطورة الأدب الرفيع) فهب الأدباء وغير الأدباء في وجهه هبة واحدة يقولون له:
- لماذا تتدخل فيما لا يعنيك وتخوض في موضوع لست مختصاً فيه..؟!"
ويؤكد د. خضير رداً على هؤلاء أن اهتمام الوردي بالأدب واللغة هو في صلب اهتماماته كعالم اجتماع بالأصل؛ إذ لا يمكن الفصل بين الطرفين والاهتمامين.
ثم يعرض د. خضير لآراء الوردي من ابن خلدون، ثم من طه حسين وكتابه" في الشعر الجاهلي"ورأى على عكس طه حسين الذي قال: "إن الشعر الجاهلي منحول وهو من صناعة الرواة " بأن "هذا الشعر موجود تاريخياً ولكن ما وصلنا منه لا يمثل البيئة الاجتماعية لعصره". والوردي هنا يوظف ثقافته كعالم اجتماع في فهم مضامين الشعر ومدى انتسابه لعصره ومجتمعه.
ويرى الوردي على عكس طه حسين أن الشعر الأموي والعباسي هو الابن الشرعي للشعر الجاهلي.
وفي مجمل كتابات الوردي فإنه كما يشير د. خضير إنما يؤسس لعقلانية تنويرية في مجابهة زمن التخلف "ومهزلة العقل".
الشيّاب وأسئلة النهضة المعلقة
في الجلسة الثانية التي أدارها الشاعر الأردني زهير أبو شايب والخاصة بقضايا النهضة والتنوير قدم الباحث الأردني الدكتور محمد الشياب بحثاً بعنوان "عصر النهضة العربية والأسئلة المعلقة" حاول فيه استقراء آليات تطور عصر النهضة في ظل السلطة العثمانية أولاً ثم لاحقاً مع تصدع البنى القديمة، ولكن دون أن تتشكل في الواقع بنى اجتماعية وفكرية بديلة يمكن أن تنهض بأجوبة المرحلة الجديدة مما ترك أسئلة النهضة معلقة.
واستعرض الباحث بعض المحطات التي شهدتها المنطقة منذ أواخر القرن الماضي ممثلة بجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده كممثلين للاتجاه الإصلاحي ثم الاتجاه السلفي المحافظ ممثلاً برشيد رضى وحسن البنا وسيد قطب، وصولاً إلى الخطاب التحديثي (سلامة موسى وشبلي شميل وأنطون الجميل) ثم القومي (زكي الأرسوزي وساطع الحصري) وصولاً إلى التيار الماركسي كأحمد رفعت في مصر ثم حسين مروة ومهدي عامل في لبنان.
ورأى د. شياب أن هذه التيارات قد وصلت في نهاية المطاف إلى عصر العولمة الأميركية، مما أعاد طرح الأسئلة الكبرى التي حاول المفكرون العرب الإجابة عليها في أوائل القرن. وهذا العصر الأميركي كما يقول شياب "يطرح أمام العرب وجميع شعوب العالم الثالث تحديات كبيرة، وإذا ما عجز العرب عن كسر حلقة التبعية والاستلاب للنظام العالمي الجديد وكيانه الصهيوني فقدوا هويتهم القومية، واستقلالهم السياسي، وذابت حدودهم المعترف بها دولياً في النظام العالمي الجديد وتبخرت مواردهم ومدخراتهم النفطية وغير النفطية"
محمد مبارك والجابري
الورقة الأخيرة مساء أمس كانت للباحث العراقي محمد مبارك وموضوعها الرد على أطروحات المفكر العربي محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي"، وكان عنوان البحث: "الجابري واضطرابه بين طروحات لالاند وجان بياجيه"..
وفي تكثيف شديد لرده المطول على الجابري يخلص محمد مبارك إلى القول "فتداخل الأزمنة الثقافية والنفسية والبيولوجية إذًا، سمة عامة تسم كل لا شعور نفسي معرفي، وما هو بخاصة للاشعور المعرفي العربي، ليفسر لنا ما أشار إليه الدكتور من ظواهر مزعومة في سلوك الفرد العربي، اليوم، وبخاصة ما يدعوه بـ "المثقفين الرحل".
ويضيف مبارك "وأظن أن هذا الخلط والتخليط في فهم المصطلح وإجرائه.. وذلك الاضطراب الذي لا يجدر بمثل الدكتور الجابري عمقاً وشمولاً بين المنهج التاريخي الاجتماعي التطوري عند لالاند في فهمه لظاهرة العقل البشري وبين النزعة البنيوية السكونية الراكدة عند بياجيه في فرضية اللاشعور المعرفي الذي يراه بنية مغلقة خارج إطار التاريخ والزمان والمكان والمجتمع، ترجع الى استبعاد الدكتور المجتمع والتشكيل الاجتماعي في قراءة الظواهر الذهنية –العقلية والانفعالية والنفسية التي تتشكـل منها شخصيـة الفرد وصورة المجتمع في هذه المرحلة أو تلك من مراحل صيرورته- -(البوابة)