واشنطن - منير ناصر
يبذل مرشحو الرئاسة الأميركية جهوداً محمومة في سعي أخير للفوز بأصوات الولايات في رهان يهدف إلى جمع 270 صوتاً انتخابياً ضرورياً للفوز.
ومع بقاء يومين على الانتخابات، تظهر استطلاعات الرأي تقدم جورج بوش الابن بفارق بسيط. ومع ذلك يصر آل غور على أن الأرقام ستكون لصالحه عند عد الأصوات. وهو يركز، في حملته الأخيرة، على الميادين الرئيسية في بنسلفانيا، وميتشغان، وويسكونسن. في حين يبذل بوش مساعيه الأخيرة لمنع ولاية فلوريدا بالغة الأهمية من السقوط في يد منافسه وإمكانية تحول الانتخابات لصالح غور.
وقد أظهر استطلاع جديد لمحطة "إن بي سي نيوز" – وول ستريت جورنال، أن السباق ما زال متقارباً، حيث حصل بوش على 47 بالمائة وغور على 44 بالمائة ومرشح حزب الخضر رالف نادر على 4 بالمائة.
وتعتمد نتيجة انتخابات الرئاسة بين غور وبوش على بعض ولايات منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، ويحتاج غور إلى الفوز بثلاثة أرباع الأصوات الانتخابية في تلك الولايات للفوز يوم الثلاثاء. ويبدو أن بوش وآل غور يتجهان لخوض سباق شديد على التجمعات الانتخابية هو الأشد منذ العام 1976، وأصوات الناخبين هي الأشد تقارباً منذ العام 1968 .
ويتفق المحللون في واشنطن على أمر واحد وهو أن الانتخابات الرئاسية هذه هي الأقرب من حيث توقعات ما سيحصل عليه كل مرشح من أصوات خلال أربعين عاماً، بحيث يصعب على استطلاعات الرأي التنبؤ بالفائز. وثمة عوامل عدة قد تحول الأصوات لصالح غور أو بوش. وقد تعقدت مهمة غور بترشيح حزب الخضر لرالف نادر، القادر على سحب ما يكفي من الأصوات من ولايات مثل واشنطن، وأوريغون، وويسكونسن، ومينيسوتا وتقديمها لبوش. وتشمل العوامل الأخرى، الأميركيين السود، الذين كانوا يصوتون عادة لصالح الحزب الديمقراطي، والمسلمين الأميركيين الذي أيدوا بوش في الأسبوع الماضي والذين قد يصوتون ككتلة واحدة.
وقد أدت قنبلة سياسية فجرت قبل أيام من الانتخابات إلى إفقاد بوش توازنه، حين أكد التقارير القائلة بأنه اعتقل عام 1976 في ولاية مين أثناء قيادته السيارة تحت تأثير الكحول. وقال إنه يأسف للحادث الذي تعلم منه درساً. وقال إنه لم يجهر بالحديث عنه في وقت سابق لأنه يريد "حماية" أولاده المراهقين. لكنه شكك في توقيت الكشف عن هذا الحادث قبل 5 أيام من الانتخابات. إلا أن المحللين يعتقدون أنه لن يكون لهذا الحادث تأثير كبير بحيث يحمل مؤيديه على تغيير الجهة التي سيصوتون لها.
القضايا الداخلية تحسم النتيجة
ويتفق المحللون على أن هذه الانتخابات ستحسمها القضايا الداخلية، ومن غير المتوقع أن تلعب القضايا الخارجية، بما في ذلك قضية الشرق الأوسط، دوراً مهماً في تقرير نتيجة الانتخابات. علماً بأن مواقف بوش وغور من الشرق الأوسط تكاد تكون متطابقة.
البيان الحزبي للديمقراطيين يدافع عن سياسة الرئيس كلينتون الشرق أوسطية بالقول، " إن بيل كلينتون وآل غور عملا بجد لتحقيق حل سلمي للنزاعات في جميع أنحاء العالم، وكان على استعداد لفعل المزيد من أجل المفاوضين الساعين إلى السلام.
آل غور والحزب الديمقراطي ملتزمون بشكل أساسي بأمن حليفتنا إسرائيل، وإيجاد سلام دائم وعادل وشامل بين إسرائيل وجاراتها، علاقاتنا الخاصة مع إسرائيل تقوم على أسس متينة من القيم المشتركة والالتزام المتبادل بالديمقراطية، وسوف نضمن ذلك في جميع الظروف، وأن تحتفظ إسرائيل بتفوقها العسكري النوعي للحفاظ على أمنها القومي".
كما يتخذ البيان الانتخابي الديمقراطي موقفاً متشدداً من القدس، ويطلق عليها " عاصمة إسرائيل، ويجب أن تبقى مدينة موحدة مفتوحة للناس من مختلف الأديان".
أما البيان الانتخابي الجمهوري حول الشرق الأوسط فيؤكد على أهمية الولايات المتحدة " في دعم إسرائيل وتكريمها، بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وسوف نضمن احتفاظ إسرائيل بتفوقها النوعي في التكنولوجيا الدفاعية ضد أي عدو محتمل. لن نساعد أي طرف ضد الآخر في الانتخابات الإسرائيلية. ولدى الولايات المتحدة واجب أخلاقي وقانوني في الاحتفاظ بسفارة وسفير في القدس. وبعد تولي الرئيس الجمهوري المقبل لمنصبه مباشرة، سوف نباشر بعملية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى عاصمة إسرائيل، القدس".
أما بالنسبة للعملية السلمية، فيدعو البيان الانتخابي الجمهوري الولايات المتحدة إلى السعي لتحقيق سلام شامل ودائم في الشرق الأوسط. "لن نفرض وجهة نظرنا أو جدولا زمنيا مصطنعا. إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد سيكون بمثابة انتهاك لهذا الالتزام. الإدارة الجمهورية الجديدة ستعارض أي إعلان من هذا النوع وفي حين أن لدينا آمالنا بالعملية السلمية، فإن التزامنا بأمن إسرائيل هو اهتمام أخلاقي واستراتيجي حاسم".
رالف نادر
يشكل مرشح حزب الخضر لانتخابات الرئاسة، رالف نادر، في رأي الكثير من المراقبين تهديداً محتملاً للقاعدة الانتخابية لنائب الرئيس آل غور. وقد طالب في الأسبوع الحالي بوقف المساعدات الأميركية إلى إسرائيل، وألقى باللوم على الدولة العبرية في أعمال العنف الحالية في الشرق الأوسط.
واتهم نادر نائب الرئيس غور "بالجبن" في بيانه المؤيد لإسرائيل، وانتقد كلاً من غور وبوش لانحيازهما لإسرائيل في نزاع الشرق الأوسط.
نادر، هو ابن مهاجر لبناني يقال إنه يتكلم العربية بطلاقة، ويشتهر بدفاعه عن المستهلك. ولم تكن وجهات نظره عن الشرق الأوسط معروفة إلا بعد سلسلة من المقابلات واللقاءات التي ظهر فيها مؤخراً.
ويقول نادر، إنه إذا أرادت الولايات المتحدة أن تكون " وسيطاً نزيهاً في الشرق الأوسط، فليس في وسعنا الانحياز لأي طرف". وهذا يعني حسب قوله، " إذا كنا سنصبح أصدقاء لإسرائيل، فإن علينا أن نكون أصدقاء للفلسطينيين أيضا.. وإذا أردنا الحفاظ على أمن إسرائيل، فلا بد من وضع أسس العدالة للفلسطينيين".
وقد نقل عن نادر قوله في مقابلة حديثة " إن فكرة استخدام أسلحة قاتلة ضد أشخاص صغار السن يرشقون الحجارة لهو أمر لا يمكن هضمه. ولا أعتقد أن في وسع أي شخص أن يبرر هذا النوع من حمامات الدم حين يكون لأحد الطرفين هذا التفوق العسكري الهائل على الطرف الآخر".
وقد أدان بيان لحزب الخضر "الاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين" في النزاع الحالي، وألقى " بالجزء الأعظم من المسؤولية على إسرائيل سواء في الأزمة الحالية أو في عدم انصياعها المستمر للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة". ودعا البيان إلى وقف أية مساعدات أخرى إلى الدولة اليهودية إلى أن توافق على الانسحاب من الأراضي التي تحتلها منذ عام 1967 وتحول القدس إلى "مدينة مشتركة"، وأن تعترف "بحق الفلسطينيين الذي لا يمكن التنازل عنه في العودة إلى ديارهم".
وفي معرض انتقاده للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق، قال نادر " إنها سياسة خارجية مفلسة" التي تؤثر على الأطفال والبالغين الأبرياء وأعطت صدام حسين المزيد من السلطات القمعية".
استطلاعات الرأي أعطت نادر 11% من الأصوات في عدد من الولايات الرئيسية مسبباً القلق للديمقراطيين الذين يخشون من سحب الأصوات من آل غور. وتعتبر ولايات واشنطن، وأوريغون، ومينيسوتا، وميتشيغان مراكز لنشاط نادر، علاوة على كونها ولايات لا تميل كفتها بشكل واضح لأي من المرشحين الرئيسيين.
ويقل نادر إنه يخوض السباق " من أجل بناء حركة إصلاح سياسي بعيدة المدى" في الولايات المتحدة، وقال في مؤتمر صحفي في واشنطن هذا الأسبوع إن هذه هي "أولويته الأولى" لأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، " قد باعا حكومتنا للمصالح الخاصة للشركات الكبرى، وإنهما يجردان الشعب من حقوقه في الدفاع عن مصالحه الخاصة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية".
ليبرمان وشيني
لا يتفق المرشحان لمنصب نائب الرئيس، وهما السيناتور عن ولاية كونيكتيكت جو ليبرمان، ووزير الدفاع السابق ديك شيني في جملة من القضايا. وخلال الحوار الذي دار بينهما مؤخراً في إطار حملة الرئاسة اتهم ديك شيني إدارة كلينتون – غور "بثماني سنوات من الكلام من دون فعل". ووصف خطط آل غور الصحية والتعليمية بأنها " طريقة قديمة في الحكم" مع " بيروقراطية تزداد تدخلاً في شؤون الناس".
ورد ليبرمان بأن اقتراحات بوش " إجراء تخفيضات على ضرائب الأغنياء". وخصخصة جزء من نظام الضمان الاجتماعي سيؤدي إلى إطلاق التضخم من عقاله في الولايات المتحدة.
وعند سؤاله عن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قال ليبرمان، إنه يأمل ويصلي ألا تخلف الاضطرابات الحالية "ذلك النوع من الندوب التي تجعل من الصعب" على الإسرائيليين والفلسطينيين العودة إلى مائدة السلام بمساعدة أميركية" وقال إنه وغور ملتزمان "بتحقيق السلام في هذه المنطقة المقدسة من العالم".
أما شيني فقال إنه يعتقد بأن على الإدارة المقبلة أن تتعامل بفاعلية مع الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط. وقال إن الولايات المتحدة بحاجة إلى رئيس لديه "سجل يحتذى في التعامل بصدق مع الشعب، وفي الالتزام بكلمته بحيث يحترمه الحلفاء والأصدقاء ويخشاه الأعداء".
وقال شيني، من "سوء الحظ" أن صورة الولايات المتحدة تجاه العراق تبدو الآن أضعف مما كانت عند نهاية حرب الخليج، ونحن لا نعرف بالضبط ما يجري داخل العراق. وأضاف شيني "إذا كان صدام حسين يقوم بإعادة بناء قدرته النووية أو أسلحة الدمار الشامل، فإن عليك أن تفكر جدياً في القيام بعمل عسكري لوقف ذلك النشاط".
أصوات السود
من المحتمل أن تكون أصوات الأميركيين من أصل إفريقي أكثر تأثيراً في هذه الانتخابات إذا ما قورنت بتأثيرها في الانتخابات السابقة. ويقول المحللون إن هناك عاملين رئيسيين وراء احتمال أن تكون أصوات السود ذات تأثير أكبر في هذه الانتخابات، السبب الأول يكمن في الدافع الممول جيداً لزيادة معدل مشاركة الأميركيين من أصل إفريقي في الانتخابات.
أما السبب الرئيسي الثاني فيعود إلى النتائج المتقاربة وإلى كون السكان السود متواجدين بصورة أساسية في 22 ولاية أميركية معظمها ساحات تنافس لا يتفوق فيها أحد المرشحين الرئيسيين على الآخر، ويمكن لأصوات السود أن تكون حاسمة في هذه الولايات.
وقد جرت العادة أن تذهب أصوات الأميركيين من أصل إفريقي للديمقراطيين بشكل ساحق. فالسود سوف لن يقوموا بانتخاب جمهوري لأنهم لا يثقون في الحزب الجمهوري بسبب عدم ثقتهم التاريخية بالحزب الجمهوري التي تعود لكفاحهم من أجل إقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق الانتخاب لعام 1965.
أما بالنسبة لغور، فإن السود يحبونه بسبب إدارة كلينتون - غور التي سجلت رقماً قياسياً في خفض البطالة بين السود وتحقيق معدل نمو في الدخل أعلى مما هو عليه بين البيض وانخفاضاً في معدلات الجريمة والحمل بين المراهقات وزيادة الانخراط في التعليم الجامعي بين السود وبالإضافة إلى ذلك، فإن غور – يجني جزءاً من الثقة التي أولاها السود لكلينتون بسبب توظيفه الأعداد الكبيرة من السود وتركيز أنظار الرئيس نحو إفريقيا. إن كلينتون هو أول رئيس أميركي يجعل إفريقيا محط تركيز مهم للسياسة الخارجية الأميركية.
أصوات المسلمين والعرب الأميركيين
يعد اللقاء الذي تم بين مجموعة من الأميركيين العرب وبين المرشح الديمقراطي آل غور الأسبوع الماضي في ميتشغان إشارة على النفوذ المتعاظم لأصوات الأميركيين العرب. وقد تعهد غور خلال لقاء خاص في فندق ديربورن أن يقوم هو وليبرمان باتباع سياسة متزنة حيال الشرق الأوسط. وقال أيضا إن القرار الخاص بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس سيكون فقط جزءاً من العملية السلمية.
وتقوم جماعات المسلمين الأميركيين بحث أعضائها على توجيه أصواتهم بشكل يجعل صوت الجالية مسموعاً وخاصة في القضايا التي تتعلق بالتعليم والرعاية الصحية والهجمات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين والأماكن المقدسة. وطلب المجلس الخاص بالعلاقات الأميركية الإسلامية من الأئمة في جميع أنحاء الولايات المتحدة القيام بتشجيع كافة الناخبين المسلمين في خطبهم بالاشتراك في الاقتراع.
ويشجع زعماء الجالية الإسلامية على إيجاد كتلة انتخابية إسلامية تستطيع تقرير نتائج الانتخابات في عدد من الولايات، فقد أعلنت لجنة العمل السياسي التابعة لمجلس الأميركيين المسلمين للتنسيق السياسي في الثالث والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر تأييدها لجورج بوش كرئيس مستشهدة باتصاله بالجالية الإسلامية وموقفه من قضية الدليل السري.
ووفقاً للمدير التنفيذي للجنة، نهاد عوض فإن "من المحتمل أن يكون للناخبين الأميركيين المسلمين تأثير كبير في هذه الانتخابات". فقد تفوق بوش ونادر في استطلاع أجرته اللجنة مؤخراً بين الناخبين المسلمين، وقد أظهر الاستطلاع الذي أجري في أيلول / سبتمبر أن 40% من الناخبين المسلمين قالوا بأنهم سينتخبون بوش وأن 25% منهم كانوا يفضلون نادر، أما غور فلم يؤيده سوى 24% منهم.
