اليمين المسيحي في مواجهة الاسلام

تاريخ النشر: 13 أكتوبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

هل كان شتم القس الاميركي المتشدد جيري فالويل للرسول عليه الصلاة والسلام، محض زلة لسان على حين حمية اخذته وهو يخطب على شاشة شبكة "سي بي اس" التليفزيونية؟. 

يبدو ان الدلائل تشير الى غير ذلك، فبرغم ان هذا القس سارع الى الاعتذار عن وصفه النبي بانه "ارهابي"، اثر موجة السخط في العالمين العربي والاسلامي، الا ان اعتذاره لم يمس بالتاكيد معتقدات كنيسته الانجيلية اليمينية القائمة على معاداة الدين الاسلامي ونبيه، من منطلق انهما يتضادان مع، ويعاديان اليهود. 

ومعاداة الدين الاسلامي ونبيه في معتقد كنيسة فالويل ليس تهمة تلقى اليه جزافا، فهو صاحب شعار "من يعادي اليهود يعادي الله". 

وتكمن خطورة المواقف التي لم يعد فالويل يكتفي بالتصريح عنها في محافله المغلقة، بل خرج بها اخيرا الى الملأ، في ان القاعدة التي يتكئ اليها والبالغة اكثر من 70 مليونا من الاتباع في الولايات المتحدة وحدها، باتت ترسم وبشكل مباشر سياسات البيت الابيض حيال الشرق الاوسط، والصراع العربي الاسرائيلي تحديدا. 

وللتدليل على ذلك تكفي الاشارة الى ان غالبية افراد اسرة الرئيس الاميركي جورج بوش، هم من اتباع هذه الكنيسة!. 

وفي الاونة الاخيرة، وبعد ان تبوأت هذه الكنيسة الاقرب في مضمونها الى المعتقد اليهودي، موقع الصدارة في رسم السياسات الاميركية بفضل وجود مناصريها في البيت الابيض، وعلى راسهم الرئيس نفسه، فقد كرست جهدها لخدمة معتقدها القائل بضرورة دعم قيام اسرائيل الكبرى، بما يهيئ لوقوع (هارمجدون) المعركة الفاصلة بينها واعداءها المسلمين والتي بدورها ستوطئ للنزول الثاني للمسيح. 

وقد تلمست القوى الاسلامية في الولايات المتحدة وفي العديد من الدول الاوروبية خطورة هذه الدعوات مبكرا، ولاحقا جاء العالم العربي والاسلامي ليفيق عليها مع اعلان الرئيس الاميركي جورج بوش عقب هجمات 11 ايلول/سبتمبر ان بلاده ستخوض حملة صليبية جديدة ترد فيها على منفذي الهجمات ومن يقفون وراءهم! 

هذا التصريح، وان كان استتبعه بوش باعتذارات لفظية وعملية تمثلت بزيارات الى المساجد في الولايات المتحدة، الا انه كشف حقيقة تجذر هذا الفكر المسيحي المتشدد في راس هرمية السياسة الاميركية، وهو ما اثار مخاوف من انتقاله الى بعد اكثر عمقا، تعود معه الدنيا للحديث عن الحروب الدينية مجددا. 

ولم يخف العديد من علماء وقادة الراي العام الاسلامي عربيا ودوليا مخاوفهم الحقيقية من العودة الى مثل هذه االحروب، خاصة مع البعد الذي تتخذه حاليا حملة الولايات المتحدة ضد ما تسميه "الارهاب" وترحب دوما بتخصيص هذا اللقب وتجييره للجماعات الاسلامية. 

ارهاصات بزوغ نجم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة 

كيف دخل هذا المعتقد وتوحد مع المسيحية حتى باتت تتبناه؟، عن هذا تقول الكاتبة الاميركية غريس هاليس ان "الكنيسة باتت مخترقة بحالة يهودية، تكاد تقوّض الاعتقاد المسيحي وتُحل عبادة إسرائيل محل العمل بتعاليم السيد المسيح"..الكاتبة الأميركية "غريس هالسيل". 

وهذا التوصيف ليس ناتجاً عن العقدين الأخيرين اللذين شهدا تحولات دراماتيكية في موقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهود والكيان الصهيوني، وإنما تعود جذوره الى امد بعيد نسبيا، وترتبط بالاختراق اليهودي للمسيحية، في آونة ما يعرف بالإصلاح البروتستانتي، وما سبقه ورافقه وتبعه من حركات، كان هدفها الأساسي، ضخ اليهودية في المسيحية، لصالح إعادة إنتاج مسيحية، هي اقرب إلى اليهودية.  

وقد اُختير لتحقيق هذه الأهداف، العمل على شق الكنيسة، وبات بحكم الثابت اليوم أن اليهود ساهموا وشجعوا على الانقسامات في الكنيسة، عبر تاسيس حركات دينية مسيحية كانت ابرزها الحركة البوريتانية، التي يعتبر اتباعها أن "الله يمنح البركة لأمريكا، فقط، بفضل رعايتها لإسرائيل". 

وقد لعب العنصر اليهودي، دوراً خاصاً في تعبئة الفكر الإنجليزي البيوريتاني، والذي أصبح يُنظر لاحقا إلى فلسطين كوطن لليهود، وصار استيطانها بواسطة اليهود شرطاً لوقوع (الارماجدون) او المعركة الفاصلة التي ستهئ للمجيء الثاني للسيد المسيح.  

والفكرة هنا ببساطة ان المسيح سيعود اذا ما نشبت حرب الارماجدون التي ورد ذكرها في الانجيل وهذه الحرب لن تنشب الا بسيطرة اليهود على ارض إسرائيل الكبرى وتوحيدهم للقدس واعادة بناء هيكل سليمان، حين ذلك سيقوم خصومهم (العرب والمسلمون) بشن الحرب عليهم ويعود المسيح لتبدأ نهاية العالم فيذهب اتباعه الى الجنة ويذهب الآخرون الى النار. 

وذلك في ترجمة حقيقية لـ "الإيمان المسيحي" المؤسس أصلاً على وعي "العهد القديم" و"الألفية السعيدة" التي لن تتحقق إلا بوجود "إسرائيل" كي تكون عودة المسيح مضمونة. 

تجذر الاصولية المسيحية  

هذه التعبئة الفكرية، وبتاكيد العديد من الباحثين والمراقبين، هي التي تشكل الان رؤية الأصولية المسيحية البروتستانتية للعلاقة بـ "اليهود" و"إسرائيل"، وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية اليوم المعقل الرئيسي لها، حيث يملك اتباع هذه الحركة قوة تأثير هائلة .  

وهؤلاء يعتمدون أسلوب "التبشير" عبر التلفزيون، وثمة خطأ شائع عن أنهم مجرد جماعات أصولية مليئة بالعداء للمسيحية والإسلام، والحقيقة، أنهم يشكلون اليوم غالبية "الإيمان المسيحي" في الولايات المتحدة، ويوصلون إلى رأس السلطة فيها، الأشخاص الأكثر قناعة بمعتقداتهم.  

فمثلا، كان الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغان (جمهوري) مؤمناً بأن معركة "هارمجدون" سوف تحدث على أرض فلسطين، فتبنى برنامج حرب النجوم، وزيادة تسليح "إسرائيل" بأسلحة التدمير الشامل، على هذا الأساس. 

وعندما جاء بيل كلينتون (الديمقراطي) إلى فلسطين المحتلة، فإنه لم يزر أي كنيسة في فلسطين، بل زار كنساً، ووقف في الكنيست ليقول إن راعي كنيسته ذكر له وهو على فراش الموت "إذا تخليت عن إسرائيل فلن يغفر لك الله أبداً".  

أما الرئيس الحالي "بوش الابن" (جمهوري) فإنه مؤمن حد العظم، بأن "إسرائيل" مركز العالم والتاريخ، وهو، على ما يعترف، لم يقرأ في حياته سوى كتاباً واحداً لمبشر أصولي بروتستانتي، يدور حول أهمية ترجمة الإيمان بالدعم المطلق لـ "إسرائيل" وينتمي معظم أفراد إدارته إلى هذه "الرؤية". 

بزوغ نجم فالويل 

وفي غمرة هذا الصعود القوي وغير المسبوق لهذا التيار الديني، بزغ نجم احد المبشرين بها، وهو "جيري فالويل"، والذي "يتحدث عن إسرائيل أكثر مما يتحدث عن المسيح. ويختلق الفرص العديدة ليخبر الأمريكيين بأن ازدهار وسقوط الأمة منوط بموقفها من إسرائيل.  

ومع تتبع تصريحات العديد من المسؤولين الأمريكيين وأعضاء الكونغرس، سنجد تشابهاً كبيراً بين ما يقوله "فالويل" وما يقوله هؤلاء المسؤولون حتى ليشعر المرء أنهم جميعاً، مجرد "مبشرين توراتيين". 

ولاعطاء صورة اوضح لمدى نفوذ هذا الرجل، وسبب اكتسابه هذا النفوذ، فلا مناص من سرد تاريخي مقتضب للتناقضات السياسية التي افرزته. 

فبعد رحيل ريغان عن البيت الأبيض، وضع الرئيس الجديد (جورج بوش الاب) اجندة تختلف جزئيا عن اجندة المحافظين الجدد، ففيما كان هؤلاء يدافعون بصورة عمياء عن إسرائيل وعن ضرورة مواجهة الاتحاد السوفيتي فان سيد البيت الابيض الجديد دافع عن المصالح الاستراتيجية الأمريكية فحسب كما يراها حتى وان تصادمت مع إسرائيل  

كان الاتحاد السوفيتي قد ذهب وظن بوش الأب ان بوسعه أن يمضي قدما دون الاعتماد على المحافظين الجدد، وربما كان بوسعه ان يفعل ذلك حقا، ولكن الركود الاقتصادي الأميركي آنذاك ادى الى ان يكتسب انصراف المحافظين الجدد عن دعمه وزنا اكبر واخفق بوش الأب في انتخاباته الثانية. 

خلال ذلك كان الموساد قد درس بعمق نتائج تجربته مع المحافظين الجدد وقرر بسبب نجاحها الكبير تكرارها على الجبهة الدينية، فعمل على دعم الكنيسة الايفانجليكية، ووثق علاقته بأبرز قادة هذه الكنيسة وعلى رأسهم جيري فالويل، ثم حث المنظمات اليهودية الأمريكية على تقديم دعم مالي كبير الى هذه الكنيسة. 

مدى التاثير  

الرئيس بوش يعلم جيدا ان عليه ان يخدم مصالح الولايات المتحدة وليس ثمة مشكلة في ذلك اذا كانت هذه المصالح تتطابق مع مصالح إسرائيل في لحظة معينة ولكن حين تتباين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية فان الرئيس يواجه موقفا صعبا وهو موقف يشبه بالضبط ما يواجهه الان. 

ويبدو ان جورج بوش يحاول حل هذا التناقض بصورة توفيقية أي ليس عن طريق السلام لان هذا الصدام سيكلفه ثمنا سياسيا قد يتردد في دفعه. 

وكاحد الامثلة على ذلك، فحين طلب بوش قبل بضعة أشهر من إسرائيل سحب قواتها من المدن الفلسطينية التي أعادت احتلالها، وجه إليه القس رسالة احتجاج شخصية وتلقى البيت الأبيض على موقعه على الإنترنت عشرات آلاف رسائل الاحتجاج من اليمين المسيحي. 

وعشية توجه وزير الخارجية الأميركي كولن باول الى الشرق الأوسط في نيسان/ابريل الماضي تقدمت مجموعة من قادة "المسيحيين الانجيليين" برئاسة جيري فالويل برسالة الى الإدارة الأميركية يطالبون بوقف الضغط على شارون للانسحاب من الضفة الغربية .  

وقد تدفقت المكالمات والمراسلات الالكترونية على البيت الأبيض بعد أن ناشد فالويل مؤيديه القيام بذلك. وبعد ذلك بيوم واحد قالت مصادر ان كبار مساعدي بوش اتصلوا بفالويل مؤكدين له وقوف بوش خلف شارون .  

وقد قام اليهود المحافظون مع الجناح المسيحي بمهاجمة إدارة بوش حتى على الانتقادات الخجولة التي اطلقتها ضد الهجوم الاسرائيلي محذرين بوش من فقدانه "الشفافية الأخلاقية" في حربه ضد "الارهاب" .  

ويقول فالويل : بالنسة للانجيليين المسيحيين المحافظين فإن أمن اسرائيل والاجهاض أمران يفوقان في أهميتهما كل التحالفات الإنسانية والصداقات. –(البوابة)