اتهمت المعارضة اليمينية الإسرائيلية والمستوطنون اليوم الخميس رئيس الوزراء الإسرائيلي بالمبالغة في تقديم التنازلات للجانب الفلسطيني وحثوه على إنهاء مفاوضات كامب ديفيد.
ويسعى اليمين بذلك إلى إثبات أن باراك على الرغم من الأزمة التي كادت تنتهي بفشل القمة وعودته إلى إسرائيل، لا يملك الحزم الكافي لمواجهة الفلسطينيين.
وكان الرئيس الأميركي بيل كلينتون الذي توجه اليوم للمشاركة في قمة مجموعة الثماني في اليابان، أعلن امس أن باراك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سيبقيان في كامب ديفيد لمواصلة المفاوضات في غيابه تحت أشراف وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت.
واعلن زعيم حزب الليكود، ابرز أحزاب المعارضة اليمينية أن عرفات "افضل" من باراك في مفاوضات السلام وانه سجل نقاطا عدة لصالحه.
وقال شارون للإذاعة الرسمية بعد الإعلان عن مواصلة المباحثات في كامب ديفيد أن "عرفات افضل من أعضاء الوفد الإسرائيلي بقيادة ايهود باراك الذي لم يتوقف عن تقديم التنازلات المؤلمة في القمة، وانه يقود المباحثات بعقلية هاو".
وزاد من حماس شارون، ارتفاع شعبية اليمين بعد خسارة باراك الغالبية النيابية في أعقاب انسحاب ثلاثة أحزاب من الائتلاف الحكومي.
وانسحبت تلك الأحزاب في التاسع من تموز/يوليو احتجاجا على انعقاد القمة.
واضاف شارون أن "ايهود باراك وضعنا في موقع خطير لانه وافق على تنازلات حول القدس وحول وادي الأردن وحول حق عودة (اللاجئين الفلسطينيين)، وخلق بذلك سابقة خطيرة نظرا لتحديده نقاط انطلاق مستحيلة للمفاوضات المقبلة".
وتابع شارون يقول "ينبغي إزالة خطوط الانسحاب التي رسمها باراك على خرائط كامب ديفيد"، متهما رئيس الوزراء بأنه يرغب في "تقسيم القدس".
وكان شارون يلمح إلى معلومات نشرتها الصحافة ومفادها أن باراك على استعداد لنقل السيطرة على الأحياء العربية في القدس الشرقية، الجزء العربي من المدينة المقدسة الذي ضمته إسرائيل في 1967، الى الفلسطينيين.
من جهة اخرى، رفض شارون إمكان تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع ما بين حزب العمل بقيادة باراك والليكود.
وقال أيضا أن "التنازلات التي وافق عليها باراك مهمة إلى حد انه بات علينا أجراء انتخابات مبكرة في أسرع وقت ممكن من اجل تشكيل حكومة وطنية تتمكن من التوصل الى سلام حقيقي مع الاحتفاظ بالقدس، وهو أمر ممكن".
من جهته دعا مجلس مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، أعلى هيئة للمستوطنين، رئيس الوزراء إلى العودة "فورا إلى إسرائيل لتحضير الجيش لمواجهات عنيفة مع الفلسطينيين".
واضاف المجلس في بيان أن "فشل كامب ديفيد برهن للجميع أن ياسر عرفات ليس شريكا حقيقيا للسلام، وحتى إذا ما تم التوصل في نهاية المطاف إلى إبرام اتفاق سلام، فانه لا يمكن إلا أن يكون ناتجا عن تنازلات إسرائيلية دون اي شيء في المقابل".
من جهة اخرى، اعلن رئيس الكتلة اليسارية في الكنيست اوفير بينيس باز انه يأمل في أن يعود باراك "بعد توصله إلى اتفاق سلام شامل أو جزئي من كامب ديفيد".
ولدى سؤاله عما يمكن أن يحصل في حال فشل القمة، أشار باز إلى انه لا يستبعد تشكيل حكومة وحدة وطنية مع الليكود
كامب ديفيد بين الفشل والمحاولة
أعلن البيت الأبيض فشل قمة كامب ديفيد وحزم الرئيس الأميركي بيل كلينتون حقائبه لكن لم يحسب أحد حسابا لتصميم رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات اللذين يترددان في العودة خاليي الوفاض ومواجهة غضب شعبيهما.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جو لوكهارت الذي أبدى اندفاعا في الكلام لم يظهره خلال الأيام التسعة للقمة "لقد تم حزم الحقائب وانتظم الموكب أمام الجناح الخاص بالرئيس وارتدى الجميع البزات وربطات العنق باستثنائي. ولحظة صعودنا إلى السيارات أدركنا وجود أسباب جيدة للبقاء ومواصلة العمل".
مع ذلك، وقبل اقل من ساعتين، اي في حوالي الساعة 00،23 بالتوقيت المحلي، أذاع لوكهارت بيانا مقتضبا عبر الهاتف كعادته يعلن فيه انتهاء القمة بالفشل.
وقبل ذلك بأربع وعشرين ساعة، وفي منتصف الليل، أعلن كلينتون بواسطة المتحدث باسمه انه سيرجئ رحلته إلى اليابان مدة 24 ساعة تأكيدا منه على عدم إهمال اي جهد ممكن لوضع حد نهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ ما يزيد على نصف قرن.
وخلافا لليلة السابقة التي أمضاها محاولا إقناع المفاوضين من الطرفين بقبول تسوية حول الملفات الأربع الكبرى (الحدود واللاجئين والمستوطنات والقدس)، خلد كلينتون إلى النوم في وقت باكر نسبيا، عند الواحدة صباحا، تاركا العمل لمعاونيه.
وفي الصباح، كان مزاج المستشارين مكتئبا عند الساعة التاسعة لكن الطقس لم يكن السبب رغم ان المطر كان يواصل هطوله منذ الفجر وحتى منتصف النهار.
وفي إسرائيل، كررت الإذاعة منذ الصباح الباكر أن باراك سيحزم حقائبه استعدادا للعودة بمواجهة تعنت عرفات. واكد البرلماني اوفير بينيس باز المقرب من رئيس الوزراء هذا النبأ. وبعد قليل، أعلن المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء الإسرائيلي ديفيد زيزو أن باراك ينوي العودة إلى القدس.
إلا أن لوكهارت المتأهب دائما نفى الخبر بحلول الظهيرة. واقر أحد مساعديه بعد ساعتين أن باراك بعث برسالة إلى كلينتون لكنه رفض الكشف عن فحواها. واتهم مسؤولون إسرائيليون عرفات بنسف عملية السلام.
وبدورهم، اتهم مسؤولون فلسطينيون إسرائيل بإفشال القمة بعد أن أدلوا بأحاديث للصحافة طالبين عدم ذكر أسمائهم.
وبعد الظهر، أكد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس "ابو مازن" لدى مغادرته كامب ديفيد عائدا الى الضفة الغربية لحضور زفاف نجله وجود "ازمة" في المفاوضات، اثناء وجوده في مطار واشنطن.
وفي كامب ديفيد، بدت الأجواء مضطربة ومتشائمة. وعقد كلينتون العديد من الاجتماعات مع باراك وعرفات. وللمرة الأولى منذ تسعة أيام، أجرى اتصالات هاتفية مع عدد من قادة دول الشرق الأوسط لاطلاعهم على سير المفاوضات.
وفي غضون ذلك، أشار لوكهارت خلال المؤتمر الصحافي اليومي وللمرة الأولى إلى احتمال الفشل. واوضح في هذا الصدد "ينوي الرئيس استكشاف جميع السبل الآيلة إلى تحقيق اتفاق قبل أن يقرر نهائيا أن ذلك غير ممكن".
ووصلت أولى الشائعات حول حصول انقلاب في الوضع إلى مركز الصحافة في ثورمونت حوالي منتصف الليل.
واستقبلت الشائعات بالريبة والشك ولم يبدأ الصحافيون في تصديقها إلا بعد وقت قليل عندما ابلغوا بان كلينتون سيدلي بتصريح للصحافة في ثورمونت وليس في البيت الأبيض.
ولدى وصول الرئيس عند الساعة 45،00 بالتوقيت المحلي بدا التعب ظاهرا على محياه لكن في القوت ذاته مرتاحا لهذا الانقلاب في الأوضاع. وقال إن الطرفين سيبقيان في كامب ديفيد لمواصلة المحادثات برعاية وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت بانتظار عودته من اليابان حيث يشارك في قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني. واستغرق تلاوة تصريحه ثلاث دقائق فقط—(أ.ف.ب)