" النَّمِر النَبِيّل" -خالد أبو الخير

تاريخ النشر: 02 أغسطس 2010 - 02:59 GMT

   * اهداء:  الى دولة عبد الكريم الكباريتي "أبوعون".. حباً وورداً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

**

 

النَّمِر آَبَ في الدرب القديم إلى عرينه، يجر نفسه عبر السهوب والوديان والمنحدرات، مثخناً بالجراح والأشواك وشتات الأفكار والغبار.

 

جراحه المفتوحة، تَنِز دماً، وَتَلْتَهِب بِالْتِهَاب الهواء وملح المستنقعات، وفؤاده يعتصر حسرةً وآَهَات.

 

تذكَّر.. ضباعاً وأولاد آوى استباحَت ضعفه ، فهاجمته في الطريق ، ونسوراً مَنَّت نفوسها بجثته، وقروداً هَزَأَت به ورمته بِفَج الثمر.

 

استعاد.. وحزنه العميق يجري سخيناً، زئيره القديم، غداة كان سيداً للغابة، يعصف في أفئدة ساكنيها: خطاه وَثَّابَة ، أكْليّلَّه جبينه، وَهَيْبَتِه فَرَادَتِه وَنُسُكُه الْمُقِيْم.. وما آل إليه في غفلة منه، ودون توقع.

 

قبل سويعات ونيف، خاض صراعه الْمَهُول مع نَمِر آخر مرَّ في دغله. كان فتياً، فاتكاً، عاتياً، يريد كل شيء ويستهزيء بكل قيمة، فيما استسهلت أيامه الركون إلى هرم متأخر وشيخوخة مبكرة وتأمل ينحو لشسُوع.

 

أعلن النَّمِر الغريب نواياه دون أن يترك له مجالاً لكثير تمحيص: يريد السيطرة والأرض والفضاء.

 

مع هذا، بذل مساعيه لتفاهم، محاولاً جهده تجنب الصراع ، فبات حتمياً، حين قال: سأْكل أحشاءك وقلبك وأترك للنسور وأولاد آوى بقاياك.

 

نَهَشَه عميقاً، فلاح منه تقهقر، اتبعه بسخرية قاسية: أراك خالفت ما تَخَلَّقَت به النمور من أنَفَة وَكَرَامَة وَإبَاء.

 

أوجعته كلماته، واستفزته نظرة الاستعلاء والجهالة، فاستدار موقناً هلاكه، وهاجمه بقوة وَجَعُه وَكِبْرِيَائِه الْجَرِيْح.

 

انقض المارد الباسل القديم على عدوه، أنشب مخالبه في عنقه، وأوشك أن يطبِق فكيه على حنجرته، غير أن النَّمِر الفتي أفلت مرسلا أنيابه إلى صدره.. فأوغَر فيه.

 

يتذكر الآن ساح المعركة تحولت ركاماً: أشجار يافعة وأعشاب اشَرَأبَت أعناقها في الدغل القصي، قصفت عن بكرة أبيها، ورتل من المخلوقات فَرّ لا يلوي على شيء.

 

لاح النهار قرمزياً، داكنا.. لم يرَ مثله من قبل، صاخباً بالغضب وتقلبات المناخ والشجى.

 

أخيراً تمكن منه.. حين أودى به الغرور إلى الظن أن كفة الصراع تميل لصالحه، نَهَشَه في مقتل، وتركه يَئِن.. وتحمل الريح أنِينِه أنى هَبَّت.

 

 

لبث طويلاً مستشعراً رائحة الدم تعبق مِلْء كيانه، محاولا التقاط انفاسه واستجماع قواه، ووقف.. بالكاد يقدر ينتصب على قوائمه الأربع، رانياً إلى عدوه يلفظ أنفاسه الأخيرة، عَافَاً عنه.. وعن لحمه المشاع.

 

انسحب كما يَلِيْق بِنَمِر..

بسيد نبيل..

سيد الغابة النبيل.

 

تعثر وسار ، كبا ومضى.... واستبد به غثيان وضعف والآم لا طاقة له على احتمالها، فعض نّوَاجِذه على الْوَجَع.. إنما دون أنَيْن.

 

جُلّ ما أراده، ان يواصل السير ليبلغ عرينه في أقاصي الجبل.

 

بدا موقناً أن لا شيء يلي: لا صباحات ، لا شتاءات وأصياف ، لا مطر أو خيوط شمس.

لن يتذوق مجدداً طعم دم آَيِل رَيَّان ، أو يشم روائح خليط أزْهَار وأعشاب وتُرَاب بَعِيْد مطر، أويلهو كل مقبل ربيع بمطاردة الفراشات.

لن يرنو إلى فجر جديد، أو يسير مجددا ًعلى ثلج.. ويتابع بآسى أثَار خطاه.

 

بيد أن الطريق تََطُوْل.. والعمر يَنْقَصِف ، وكل الوحوش التي أقصاها زئيره القديم، تتابعه من بعيد، منتظرة على أحر من الجمر.. لحظة سقوطه الْمُدَوِّي.. الأخير.

 

اغتبط النَّمِر ، من أعماق قلبه الذي ما فتيء خافقاً بالحياة، بالحب والعنفوان، حينما أدرك أن فَرَائِص أعدائه هي التي تَرْتَعِد..

 

النَّمِر.. آَب الى عرينه..

آَب آَخيرَا..

 

 

• النص من كتاب سيصدر قريباً بعنوان "النَّمِر النَّبِيّل"

• لا يحتمل النص اي تأويل سياسي او غيره بسبب الاهداء لرجل أوده وأقدره.