محمد عمر
لا يوجد بين القادة الغربيين من يتمتع بصراحة رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برليسكوني أو ربما بضعف خبرته في الحكم، بالعكس فأغلبهم يتمتع بدراية كبيرة بمشاكل بلادهم والعالم، ما يجعلهم قادرين على تنظيم أكبر حملة "علاقات عامة"، أو بمعنى آخر حملة "نفاق دولية" يصدق فيها الاستنتاج الذي توصلت إليه إذاعة مونت كارلو حين ختمت تقريرا لها بالقول "إنهم يقولون ما لا يصدقون".
فظيع أمر ما جرى في واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من الشهر الجاري، ولكن أفظع منه ما يجري الآن، حملة نفاق دولية كبيرة، يشترك بها وعلى نفس المستوى الدول والجماعات والأفراد.
يريد الغرب أن نصدقه حين يقول إنه يفرق بين الإسلام والإرهاب، وإنه يشجب تصريحات برليسكوني، وأن الحضارة الغربية ليست أكثر رقيا من الحضارة الإسلامية.
ويريد المسلمون منا أن نصدقهم أيضا حين يقولون إنهم أبرياء وأن نصدقهم حين يقولون إن الإسلام يساوي بين المسلمين وغير المسلمين، وإنهم قوم متسامحون وإن تاريخهم وأفكارهم لا تنطوي على ما يشجع العنف ورفض الآخر.
ويريد بعض العرب أن نصدقهم حين يقولون إنهم مع التحالف الدولي ضد الإرهاب وإنهم يفرقون بينه وبين المقاومة طلما لا يكتون بنيرانها، وإنهم قوم رحماء..!
وتريد إسرائيل منا أن نصدقها حين تتباكى ليل نهار على ضحايا الإرهاب.
وتريد الجماعات والمنظمات الإرهابية منا أن نصدقها حين تشجب الأعمال التي يذهب ضحيتها الأبرياء وحين تتنصل من فعلتها.
الغرب يتهم متطرفين عربا ومسلمين في صناعة كارثة "الثلاثاء الدامي"، ويحاول المسلمون والعرب رد التهمة وتوجيه أصابع الاتهام إلى: الموساد، المافيا، القوى المناهضة للعولمة، الميليشيات اليمينية الأميركية المتطرفة.
الغرب يريد مشجبا لتعليق خطاياه، وأجهزته الأمنية تريد التغطية على فشلها، وبن لادن أفضل هذه المشاجب وأقربها إلى التصديق، حتى دون عناء البحث عن "دليل قاطع".
العرب يجدونها فرصة لمقايضة التحالف الدولي بحل القضية الفلسطينية.
إسرائيل تريد التخلص من الانتفاضة الفلسطينية فتقارن بين عرفات وبن لادن، وبين العمليات الانتحارية وما جرى يوم "الثلاثاء الأسود"، وتريد التخلص من حزب الله فتزج باسمه في المعمعة، وتريد التخلص من العراق فتلمح أجهزتها الأمنية إلى دور ما للعراق في الكارثة.
الكارثة التي ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء أصبحت فرصة، الجميع يتراكض فيها لترتيب أجندته الخاصة، الهند تلمح لدور باكستان في رعاية الإرهاب، ولبنانيون في الخارج يتهمون بلادهم بأنها مأوى للإرهاب ولبنانيون آخرون يجدونها فرصة للتخلص من هيمنة سوريا، إيران تجدها فرصة للتخلص من حكم طالبان السني، والباكستان تخشى من سقوط النظام الأفغاني الموالي لها، روسيا تجدها فرصة للتخلص من الشيشان، تركيا للتخلص من حزب العمال الكردستاني، والسودان للتخلص من قرنق وتهمة الإرهاب، ومصر للتخلص من معارضيها المتواجدين في الدول الغربية، والجزائر باتت محط أنظار "محاربي الإرهاب"، والأردن يريد أن يثبت أنه من بين أكثر الدول مكافحة للإرهاب وهي فرصة للمطالبة بـ"أبي قتادة" من لندن، وتسارع الإمارات إلى قطع علاقاتها بالطالبان، وكذلك تفعل السعودية.
"مولد ساير داير" على حد تعبير المصريين، الجميع ضد الإرهاب والجميع ضحايا للإرهاب، والجميع يريد أن يخرج سالما غانما معافى من اللازمة.
لم يكن ينقص هذا العالم، ولم يكن ينقصنا نحن ضحايا القمع والفقر والهيمنة والعولمة والحروب والإرهاب المسلح والإرهاب الفكري سوى حملة نفاق دولية، لن يخرج فيها منتصر سوى زعماء العلماء بـ"حكمتهم وراجحة عقلهم وحرصهم على انتصار الخير على الشر..!"، يستوي في ذلك جورج بوش كما الملا محمد عمر.
كل ما هو مطلوب حركة تنوير عربية : ضد الحرب والارهاب.