النص الكامل لخطاب الرئيس الفلسطيني أمام المجلس التشريعي

تاريخ النشر: 10 مارس 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

ألقى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اليوم السبت خطابا هاما، شكل برنامجا للسلطة الفلسطينية على صعيد المفاوضات مع اسرائيل، كما على الصعيد الداخلي. وفيما يلي النص الكامل للخطاب: 

بسم الله الرحمن الرحيم 

(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم  

أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض) 

صدق الله العظيم 

الأخ رئيس المجلس، 

الأخوات والاخوة الأعضاء، 

الاخوة الضيوف، 

باسم الله، وباسم الشعب الفلسطيني، وباسم الأكرمين منا جميعاً، شهداء درب الثورة، درب الحرية والاستقلال، وباسم أبطالنا الجرحى والمعتقلين، باسم الأمهات الصابرات، أفتتح الدورة السادسة للمجلس التشريعي. 

وبهذه المناسبة الوطنية، أسجل بكل الاعتزاز، لهذا المجلس المنتخب، محاولاته الدؤوبة لمواصلة عمله، رغم كل التحديات والمعوقات، لتكريس خيارنا الديمقراطي في بناء دولتنا وكياننا الوطني المستقل، ولتجسيد حرص الشعب الفلسطيني ونوابه المنتخبين، على استمرار عمل المؤسسة، كإطار عصري لمجتمعنا، ونظامنا السياسي. 

وإنني لأنظر بثقة، لكل ما حققه المجلس في مسيرته المكتظة بالتحديات، ويحضرني في هذا المجال، رزمة القوانين، التي أنجزها المجلس، والتي تشكل ذخراً لشعبنا وأجيالنا، تلك القوانين الوطنية التي نضعها، ونصدرها باسم شعبنا، شعب الجبارين، إلى جانب كون المجلس عنواناً بارزاً من عناويننا الوطنية، اعتمده العالم وتعامل معه بكل احترام، وأسجل كذلك، ذلك الانخراط الكفاحي لأعضاء المجلس ونعم ذلك الانخراط الكفاحي لأعضاء المجلس في تلك الفعاليات النضالية، التي تمتلئ بها ساحاتنا، ويخوضها شعبنا الأبي المعطاء. 

الأخ رئيس المجلس، 

الأخوات والاخوة الأعضاء، 

الاخوة الضيوف، 

إننا نعيش الآن، كشعب فلسطيني، وكمنظمة تحرير فلسطينية، وكسلطة وطنية، وقوى وطنية وإسلامية، في حالة اتحاد عضوي، لمواجهة جولة من أخطر الجولات وأعنفها جولات المواجهة الشاملة، من العدوان الإسرائيلي المتصاعد ضد شعبنا ومؤسساتنا، وإذا كانت هذه الجولة، قد واصلتها الحكومة الإسرائيلية السابقة حتى الآن لما يقارب الستة أشهر، فإنها جاءت وجسَّدت على مرأى من العالم كله، إرادة الشعب الفلسطيني وعنفوانه، واستعداده المتجدد، لتقديم التضحيات في الوطن وفي الشتات، من أجل نيل حقوقه الوطنية، والحفاظ على مقدساته المسيحية والإسلامية، وحقه في العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. 

إن تزامن هذه الجولة الطويلة والعنيفة، مع فصل من فصول عملية السلام، ومع جهود جدية وحثيثة بذلت لتحقيق الأهداف الوطنية عبر الجهد السياسي والمفاوضات، ليبرهن للعالم أجمع على أن خيار السلام الذي اتخذه الشعب الفلسطيني، عبر مؤسساته الوطنية، هو خيار استراتيجي مدعَّم بإرادة قوية ورؤية واضحة، إنه سلام الشجعان، سلام الحق والعدل، سلام الشرعية الدولية، سلام يوفر الأمن والاستقرار لمنطقتنا وشعوبنا. 

وفي كل المحاولات التي بذلت، من مدريد إلى أوسلو وواشنطن والقاهرة وباريس، وشرم الشيخ، وطابا، وما بينهم، كان الموقف الفلسطيني كما تعرفون واضحاً أمام الجميع، وصادقاً مع الجميع، ولقد ظهر ذلك خلال لقاءاتي المتعددة مع الرئيس الأميركي السابق الرئيس بيل كلينتون، قبل وبعد أي جهد كان يقوم به باتجاه تسوية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. 

وبذات القدر من الوضوح، عرضنا موقفنا على الإدارة الجديدة، عبر الاتصالات المباشرة مع الرئيس جورج بوش الابن، واللقاءات مع الوزير كولن باول. 

وهنا، أود الحديث عن مسألة جوهرية، تهم شعبنا الفلسطيني في المقام الأول، وهي فرص السلام، هل سنحت فرصة جدية وضاعت أم أن الأمر كان غير ذلك؟ بل كان محاولة للالتفاف عليها. 

إنني ومن ناحية مبدئية، ومعي اخوتي في القيادة الفلسطينية، لم نألُ جهداً لخلق فرص حقيقية لإحلال السلام والاستفادة من أي إمكانية تظهر في سياق الجهد المضني والمعقد والطويل نحو تحقيق السلام، غير أننا كنا على الدوام، نواجه بطروحات لا يمكن قبولها، فلسطينياً وعربياً ومسيحياً وإسلامياً كما يعرف العالم اجمع كل هذه الأشياء، نعم طروحات تبتعد في الجوهر عن نصوص وروح قرارات الشرعية الدولية، وتتجاوز على نحو شديد من الوضوح المرجعيات والجداول الزمنية لعملية السلام على مسارها الفلسطيني، وهنا لا أود التوسع في سرد الوقائع والقرائن سواء حول اتفاقات وتفاهمات المرحلة الانتقالية، أو حول مفاوضات الوضع الدائم، فكلكم تابعتم عن كثب مجريات هذه المفاوضات، وتابعتم كذلك سلسلة التراجعات الإسرائيلية عن معظم ما كان يتم الاتفاق عليه، حتى ما كان برعاية أميركية وروسية، ومصرية، وأردنية، وأوروبية، ودولية، لذا أقول لكم بكل ثقة: لم تكن هنالك فرصة جرى إهدارها، بل كانت هنالك محاولات لم تكتمل المفاوضات بها عن إصرار وتعمد من الطرف الإسرائيلي، بما في ذلك أفكار الرئيس كلينتون، وجهوده قبل ذلك في كامب ديفيد، بجانب اتفاقيات شرم الشيخ وطابا وغيرها. 

الأخ رئيس المجلس، 

الأخوات والاخوة الأعضاء، 

الاخوة الضيوف، 

وهنا، ومن على هذا المنبر منبر المجلس التشريعي، ومن عمق الصمود النضالي والجهاد العظيم لشعبنا، شعب الجبارين، في أرض الرباط المقدس، مع هبة الأقصى، هبة الحرية والاستقلال، أجدد الإعلان لشعبنا وللعالم أجمع، بأن خيارنا الاستراتيجي نحو سلام الشجعان، السلام الدائم والعادل والشامل، الذي بدأناه في مؤتمر مدريد للسلام على أساس الأرض مقابل السلام وطبقاً للقرارات الدولية، وعلى كافة المسارات العربية، لم ولن يتغير، وأن سلام الشجعان الذي دعوت جميع القادة الإسرائيليين على اختلاف ألوانهم، المضي قدماً على سبيله من أجل أبنائنا وأبنائهم، ومن أجل مستقبلنا ومستقبلهم، يمكن أن يتحقق، ويمكن أن يكون البديل الفعلي لحالة القتل اليومي المفروضة علينا، وحالة انعدام الأمان، سلام الشجعان الذي يأخذ فيه كل طرف ما أقرته له الشرعية الدولية، عبر القرارات 242، و338، و425، و194، ويلتزم فيه الجميع بمبدأ الأرض مقابل السلام، مبدأ الانسحاب من جميع الأراضي العربية والفلسطينية التي احتلت في العام 1967، بما فيها القدس الشريف؛ وإنهاء ظاهرة الاستيطان المدمر، التي لا يعترف أحد في العالم كله بشرعيتها، فضلاً عن ثبوت مخاطرها على كافة الصعد والمستويات. 

إن من يريد سلاماً يدوم لأجيال، ولا تزعزعه الأحداث والتحديات لا بد وأن يضع كل ما تقدم كأساس حيوي لتحقيقه ولترسيخه؛ وهنا ينبغي على راعيي عملية السلام أمريكا وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والاخوة العرب، والمجتمع الدولي، عمل كل الجهد مع الجانب الإسرائيلي، وخاصة بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، نعم بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، ليتخذ الخطوات السريعة للتعاطي مع متطلبات السلام، وأول هذه الخطوات احترام المرجعيات والاتفاقات، وقرارات الشرعية الدولية، ووقف التصعيد العسكري الذي بدأته الحكومة السابقة ضد شعبنا، والحصار لمدننا وقرانا ومخيماتنا، وإغلاق حدودنا مع مصر والأردن، وعدم الدخول في دوامة المرجعيات والحرب التي صعدها جنرالاتهم وجرائم المستوطنين وكذلك ضد شعبنا، فالاتفاقات حين تبرم تصبح اتفاقات ملزمة لكل الحكومات ليس حكومة نعم وحكومة لا، فضلاً عن أنها في الأساس اتفاقات دولية، وإنني من على هذا المنبر، أتوجه للشعب الإسرائيلي، وحكومته المنتخبة مؤكداً أننا نتفهم حاجتهم للأمن والأمان، وعليهم أن يتفهموا بالمقابل حاجاتنا وحقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية، واحترام مقدساتنا المسيحية والإسلامية، وحين نتطرق إلى مسألة حيوية كهذه، فإننا وبحكم التجربة الطويلة لا يمكننا أن نعزل مسألة الأمن عن المقدسات وعن السياسة، والمسائل السياسية عن الحقوق، ومسائل الحقوق عن المرجعيات القانونية، والقرارات الدولية ذات الصلة، والاتفاقات المبرمة، فليتوقف الحصار فليتوقف الإغلاق فليتوقف الاستيلاء على الأموال والممتلكات التي مارستها الحكومة السابقة، والتي أجمع العالم كله على اعتبارها عقوبات جماعية محرمة دولياً، ولتتوقف الإجراءات الاستثنائية والتصعيد العسكري والاستعمال للأسلحة المحرمة دولياً، وسياسة التهديد والحصار والتجويع، ونحن نقول المحرمة دولياً أمريكا لليوم تشتكي من ايام حرب الخليج من الجنود الذين استخدموا اليورانيوم المستنفذ فما بال مش الذي استعمل اليورانيوم المستنفذ إنما إلي بيتعمل ضده اليورانيوم المستنفذ، إيش خسائرنا نحن أنا أقول هذا الكلام للعام أجمع وللأمم المتحدة والتي طالت كل نواحي حياة الإنسان الفلسطيني أينما وجد على أرض وطنه، والتي لن تؤدي إلا إلى تأجيج المشاعر وحقن النفوس بالغضب، ليتوقف كل هذا، وليجري الحديث والمفاوضات مع الشعب الفلسطيني وقيادته بكل الاحترام كشعب شريك في مشروع تاريخي سياسي للسلام، وكشعب جدير بالحياة الحرة الكريمة، وجدير بالسيادة الكاملة على أراضيه ودولته، مثل باقي الشعوب الحرة المستقلة في عالمنا المعاصر، وطبقاً لقرارات الشرعية الدولية؛ وليجري تطبيق كافة الاستحقاقات التي أنجزت تفاوضياً، ولتستأنف مفاوضات الوضع الدائم من النقاط التي بلغتها التفاهمات الهامة التي أحرزناها في كامب ديفيد وشرم الشيخ وطابا. 

إن هذا هو السبيل الوحيد والمنطقي والفعّال لبلوغ صيغة أمنية راسخة، وأساس سياسي متين لاتفاقات قادمة، وهذا الذي أقول، هو حصيلة لإجماع عربي، ظهر في قرارات قمة القاهرة، وسيتأكد في قرارات قمة عمان، وهو كذلك حصيلة إجماع إسلامي ظهر في اجتماعات لجنة القدس بالمغرب، وقرارات القمة الإسلامية في الدوحة، والتي شارك فيها ممثلو بطاركة القدس وممثلو الطوائف المسيحية، كما ظهر جلياً في قرارات هامة للاتحاد الأوروبي، والصين، واليابان، والوحدة الإفريقية، ودول عدم الانحياز، والأمم المتحدة بكافة هيئاتها ومؤسساتها. إن أحداً لا يستطيع تجاهل حقيقة التوافق الدولي الشامل، حول ما نراه أساساً لسلام الشجعان، الذي وقعناه مع شريكي الراحل الجنرال رابين؛ وهنا لا بد من المحاولة مرة ثانية في الأمم المتحدة لتواجد قوات دولية أو مراقبين دوليين للإشراف على وقف التدهور والتصعيد العسكري وتنفيذ الاتفاقات والمساعدة في إقرار سلام الشجعان. 

الأخ الرئيس ، 

الأخوات والاخوة الأعضاء، 

الاخوة الضيوف، 

ستة أشهر طويلة، تعرض فيها شعبنا الفلسطيني إلى أشرس عدوان عسكري مباشر، أودى بحياة حوالي خمسمائة شهيد، وأكثر من اثنين وعشرين ألف جريح، جلهم من زهراتنا وأشبالنا، وجميعهم أغلى وأعز من الأبناء والآباء والأمهات، حتى الأشجار والمزروعات لم تسلم من الاقتلاع والجرف والإبادة، بجانب تدمير البيوت والمستشفيات وبعض المساجد والكنائس والكنس حتى في نابلس النار ضربوا الكنيس اليهودي والمتاجر والمدارس، والملاجئ ومؤسسات رعاية المكفوفين والمعاقين، وضرب سيارات الإسعاف وهي تحمل جرحانا والاغتيال المنظم لكوادرنا؛ إنه العدوان الأخطر والأشمل، والذي استخدمت فيه كذلك أقسى أنواع العقوبات الجماعية المحرمة دولياً، وغير الموجودة في القرن الحادي والعشرين إلا ضد شعبنا الفلسطيني، من إغلاقات محكمة، واستيلاء على الأرض والممتلكات، وقتل عشوائي، واستيلاء على الأموال الخاصة بنا من الضرائب وغيرها، ووصلت خسائر شعبنا فيها أكثر من ثلاثة آلاف مليون دولار، وهناك اختلاف بيني وبين بعض الاخوة المسؤولين انا اقول اكثر من ثلاثة آلاف فليكن أنا اقول اكثر من ثلاثة آلاف وعندي اثباتات على ذلك سأقدمها للمجلس التشريعي، كل ذلك حدث وما يزال يحدث ويتصاعد؛ ونحن باسم الشعب الفلسطيني نشكر جميع الدول الشقيقة والصديقة التي تبرعت لمساعدتنا في مواجهة هذا الحصار، ولا زالت تساعدنا؛ وفي مواجهة ذلك وقف العالم بإجلال وإكبار، أمام قوة الإيمان لشعبنا، وصلابة الصمود الوطني لجماهيرنا، وقوة تصميمها الوطني على مواصلة الصمود حتى نيل الحقوق، ولو لم تكن جبهتنا الداخلية حصينة ومنسجمة ومتكاملة الأداء والعطاء، لما رأى العالم كله هذه الصور البطولية المميزة، وكل هذه الطاقة على التحدي والتجدد النضالي. 

بسم الله الرحمن الرحيم 

(واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) 

صدق الله العظيم 

إن هذا الصمود المجيد، الذي بهر العالم، وحيّر المراهنين على القوة العسكرية وتصعيدها ضد جماهيرنا، يتطلب منا جميعاً العمل لحماية جبهتنا الداخلية، من كل محاولات بث الوهن أو اليأس وترديد العبارات الطنانة المشوشة إلى داخلها، ويتطلب منا كذلك اتخاذ كافة الإجراءات والترتيبات لمواجهتها ولتعزيز جبهتنا، وتفعيل ومضاعفة مردودها، والعمل المتراص والجماعي هو أساس عملنا الذي لا بد وأن يتواصل ويتطور، لترتيب بيتنا الفلسطيني من جميع جوانبه. 

وما في احد الا سيدنا المسيح ومن كان منكم بلا خطيئة فليرميها بحجر ورغم ذلك محدش رجمها مش هيك ولا لاء يا أبو علي ورغم هذا فنحن يشرف علينا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يشرف على كل صغيرة وكبيرة ونحن نحترم هذا الاشراف وكل واحد يريد ان يتبرع ويحب ان يرسل مشرفين لشعبنا أهلاً وسهلاً به. 

ورغم الجهود المبذولة لمواجهة العدوان، وتوفير إمكانيات ومستلزمات الصمود الشعبي والمؤسساتي، إلا أننا عاقدون العزم على الاستمرار بعملية الإصلاح والتطوير الداخلي لمؤسساتنا الوطنية، وأجهزتنا على مختلف اختصاصاتها ومهامها، وأعلن من على هذا المنبر، أن سلطتنا الوطنية، وأنا شخصياً، أضع منذ اليوم، مسألة القوانين وإصلاح وتطوير القضاء على رأس أولوياتنا، بما فيها قانون استقلال القضاء المقدم من المجلس التشريعي وخاصة بعد ان قرئ ثلاث مرات وكذلك قانون تنظيم المحاكم، مع منح الأولوية لكافة القوانين المتصلة بالقضاء والمحاكم. وكذلك تشكيل المجلس القضائي الفلسطيني الأعلى ان شاء الله سنكمله أنا وأخوكم خلال سويعات قليلة وليس ساعات، المنوط به العمل في المجال القضائي، متمتعاً بكافة الصلاحيات والحصانات والإمكانات التي توفر له أفضل مناخات الأداء الفعال لمهامه، ولقد طلبت من الأخ قاضي القضاة للعمل مع مجلس القضاء الأعلى، وللبدء فوراً بملء شواغر القضاة والموظفين في المحاكم، وتقديم خطة محددة لتطوير كفاءات القضاة، وتعزيز مكانتهم؛ وأود أن أؤكد هنا أنه لا أحد في هذا الوطن فوق القانون، ولا أحد يملك حق التطاول على أحكام القضاء، أو التدخل في شؤونه، ليكن هذا واضحاً للجميع، وملزماً للجميع. 

إن سيادة القانون، واستقلال القضاء، هما العنوان الحضاري لمجتمعنا ولدولتنا بإذن الله انطلاقاً من التزامنا بمبدأ الفصل بين السلطات، وتمكين كافة مؤسساتنا من العمل في ظل سيادة القانون، وحين يُعطي القضاء والقانون الأولوية القصوى في الإصلاح والتطوير، فإننا بذلك ندخل من الأبواب الصحيحة والمأمونة لتطوير مجتمعنا، ووضع الركائز المتينة لبنيان دولتنا العتيدة. 

الأخ الرئيس ، 

الاخوة الأعضاء، 

الاخوة الضيوف، 

وفي إطار سعينا لترتيب بيتنا الداخلي، فقد قررت القيادة ـ ومنذ عدة أشهر خلت الشروع في الإعداد للانتخابات للمجالس المحلية، البلدية والقروية، وكذلك الغرف التجارية، بجانب الاتحادات الشعبية، يعني نرجو أن نقدر، نحن ذاك اليوم اخوتنا المحامين لم نقدر أن نجيب لهم موافقة واسألوا لم نقدر أن نجيب لهم موافقات ولكن نرجو في الحكومة الجديدة أن نستطيع أن نجمعهم مثلما جمعنا معظم المجلس التشريعي وأن نجمع كذلك كل القوى الأخرى ولقد حالت سياسة الإغلاق الإسرائيلية المترافقة مع تصعيد العدوان العسكري، دون إكمال هذا الجهد، الذي هو مطلب شعبي عادل، إضافة إلى كونه أحد عناوين الديمقراطية الفلسطينية، وأحد ركائز المجتمع المدني؛ إن انتخابات المجالس البلدية والقروية ستتم بإذن الله حين تتوفر الظروف الموضوعية المساعدة على ذلك. 

الأخ رئيس المجلس، 

الأخوات والاخوة الأعضاء، 

الاخوة الضيوف، 

لقد كانت الشهور الستة الماضية، بما حفلت به من أحداث جسام، وتحديات خطيرة، وتصعيد عسكري، بمثابة اختبار جدي لقدرات شعبنا، وكفاءة أداء وزاراتنا، وأجهزتنا، ومؤسساتنا، رغم كل الصعوبات التي واجهتنا وتواجهنا. 

والآن فـإن مـن واجـبـنــا تـجـاه شـعـبـنـا المعطـاء أن نـتـوقـف بـتـقـديـر أمــام نتـائـج هــذا الاخـتـبـار الـصـعــب، لـعـمـالـنـا الـصـابـريـن الصامديـن، رغـم أن البطالـة وصلـت إلـى أكثـر مـن 365.000 عاطـل عـن العمـل، بمـا فيهـم صيادينـا الممنوعيـن مـن الصيــد في البحر، هل حصل ذلك في العالم أجمع، أقول هذا الكلام لقادة العالم اجمع هل حصل ذلك في العالم أجمع؟ وتأثيـر ذلـك عليهــم وعـلى أسـرهم الـمـؤمـنـة الصـابــرة، ولضرب اقتصادنا ومؤسساتنا الصناعية والسياحية وغيرها، لنرى أين كانت الثغرات وكيف يمكن تجاوزها والتغلب عليها، وأين هي الجوانب الإيجابية حتى يجري تكريسها وتطويرها؛ وهنا لا يملك المرء إلا الوقوف بإجلال أمام أداء شعبنا البطل وجماهيرنا المجاهدة بكل قواها، بما فيها قوات الأمن الوطني بكافة تشكيلاتها، وكذلك مؤسساتنا التموينية والإنتاجية والصحية والتعليمية، وغيرها من المؤسسات الأخرى الرسمية والأهلية مع موظفينا في مواجهة الظروف الصعبة والتحديات الخطيرة تحت هذه الظروف الصعبة هذه نعمل وننحني لهم إجلالاً ، لنؤكد صلابة وقوة وإيمان شعب الجبارين، الذين هم في رباط إلى يوم الدين. 

كما نقف بإجلال، أمام الأداء المميز لأبنائنا وكوادرنا وموظفينا، في لوحة عمل وطني، وبإيمان عميق، مما ساعدنا في توفير الصمود لهذا المجتمع الحي، وتحمل أقسى أشكال التصعيد العسكري والحصار والتجويع والقتل بما فيهم اخوة قادة من شعبنا. 

إنني أدعوكم جميعاً إلى رؤية تجربتنا الصعبة والمميزة من كل جوانبها، وأن لا نسمح للوهن ولا للشلل ولا للإشاعات المغرضة والتي يحركها أعداء شعبنا بالتسرب إلى النفوس. نعم، لو لم يكن لدينا خميرة صالحة، نعم لما كان كل هذا الصمود الأسطوري والشموخ والصلابة والإيمان في كل أنحاء الوطن، وعلى مستوى جميع شرائح الشعب، رغم المصاعب والتحديات والمواجهات ومحاولات الإعاقة والقوى المضادة بكل إمكانياتها ووسائلها. 

بسم الله الرحمن الرحيم 

(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) 

صدق الله العظيم 

إنني أيها الاخوة الأعزاء، أدعوكم، كسلطة تشريعية منتخبة، وكجزء لا يتجزأ من مجلسنا الوطني، ومن منظمة التحرير الفلسطينية، إلى مزيد من التنسيق والتعاون مع السلطة التنفيذية، اسمحوا اخواني مع احترامي العميق لديمقراطيتكم الرائعة ومزيد من العمل لدعم السلطة القضائية المستقلة، لنبرهن للعالم أجمع عن جدارتنا بدولتنا المنشودة التي سترفع علمها فوق القدس الشريف بإذن الله. 

وأجدد العهد باسمكم جميعاً وباسم شعبنا لشهدائنا الأبرار، الأكرمين منا جميعاً، ولجرحانا ولمعتقلينا، بالوفاء لهم وللرسالة التي نحملها جميعاً في وجداننا. 

وأخيراً، أتوجه الى الشعب الإسرائيلي وقيادته الجديدة، لأعلن من هنا من على منبر المجلس التشريعي الفلسطيني، مدعوماً بإرادة شعبنا المناضل، أن قلوبنا مفتوحة ويدنا ممدودة لتحقيق سلام الشجعان، والتزامنا بالتنفيذ الدقيق لجميع الاتفاقات المبرمة، وأعلن كذلك أننا على استعداد للمضي قدماً في المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية، وإذا أرادت فنحن على استعداد للشروع فوراً لاستكمال المفاوضات التي بدأناها مع الحكومات الإسرائيلية السابقة، وحتى آخر اللقاءات التي تمت في شرم الشيخ، وطابا تحت رعاية الرئيس محمد حسني مبارك، والرئيس كلينتون، وجلالة الملك عبد الله، والسيد كوفي عنان، والسيد خافيير سولانا. 

ومن هنا أتطلع إلى المجتمع الدولي، وإلى جميع محبي السلام في إسرائيل وفي العالم، وإلى سيادة الرئيس الأمريكي بوش، والاتحاد الروسي، والاتحاد الأوروبي، والاخوة القادة العرب، والصين واليابان، ودول عدم الانحياز، وإلى الأمم المتحدة وأمينها العام، لأقول لهم جميعاً وبقلب مفتوح أن السلام في منطقة الشرق الأوسط مسؤوليتكم جميعاً، فلا تتركوا الفرصة تفلت من أيدينا جميعاً، وإن شعبنا الذي عانى طويلاً وما زال يعاني بحاجة على دعمكم ومساعدتكم من أجل تحقيق سلام الشجعان. 

أجدد العهد لشعبنا العظيم، ولأمتنا العربية المجيدة على المضي قدماً على درب الحرية والاستقلال، حتى يرفع شبلُ من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق أسوار القدس وكنائس القدس ومآذن القدس. 

بسم الله الرحمن الرحيم 

(وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة) 

(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) 

صدق الله العظيم 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

وفور وصول السيد الرئيس إلى مركز رشاد الشوا الثقافي، عزفت الموسيقى السلام الوطني الفلسطيني واستعرض سيادته ثلة من حرس الشرف، وعندما دخل قاعة المركز استقبله النواب بالترحاب والتصفيق الحار ولوح لهم بشارة النصر برفقة رئيس المجلس التشريعي. 

وكان السيد أحمد قريع "أبو علاء"رئيس المجلس ألقى كلمة استعرض فيها تجربة وانجازات المجلس خلال الدورات السابقة فيما يلي نصها:  

الاخوة أعضاء اللجنة التنفيذية 

الاخوة الوزراء 

الأخوات والاخوة أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني 

أصحاب السعادة قناصل وممثلي الدول الشقيقة 

السيدات والسادة، الضيوف الكرام 

يسعدني أن أقف معكم اليوم، لنطوي عاماً آخر من عمر مجلسنا التشريعي الفلسطيني، وننهي معاً أعمال الدورة الخامسة للمجلس، مهيأين للشروع في أعمال الدورة الجديدة في ظروف قاسية وشروط بالغة الدقة والصعوبة والتعقيد، يحدونا أمل لا يخبو وعزيمة لا تلين، مستمدة من تفاؤل الإرادة التي أتقنها شعبنا، بتجاوز كل الصعاب والوصول إلى تحقيق أهدافنا .. المتمثلة بدحر الاحتلال عن أرضنا وبلوغ آفاق الاستقلال والتحرر الوطني. 

وكنا نأمل ونعمل على أن تكون مسيرة التسوية قد بلغت نهاية المرحلة الانتقالية التي طال أمدها بسبب تعنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، تنكرها للالتزام بالاتفاقات المبرمة وتنفيذها، لنشرع بعدها في انتخاب برلمان دولتنا الفلسطينية المستقلة، وإنجاز مهمة بناء مؤسساتنا الوطنية، الرسمية والأهلية، وتعزيز أسس البناء الديمقراطي وسيادة القانون. 

رغم كل الصعوبات التي واجهتنا خلال العام المنصرم، ورغم كل أساليب القمع والقهر والحصار الوحشي الظالم. رغم كل العوائق والقيود التي دأبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على اختلاقها لمحاصرة شعبنا ومؤسساتنا الوطنية، فقد تمكن المجلس التشريعي الفلسطيني من تثبيت وتعزيز مكانته، محلياً وعربياً ودولياً، وواصل دوره الريادي كأول برلمان فلسطيني منتخب على الأرض الفلسطينية، مستمداً قوته الدافعة من عزيمة شعب أراد الحياة، ومن تصميمه وإرادته التي لا تلين على انتزاع حقه في الحرية والاستقلال. 

لقد كان على مجلسنا أن يواصل عمله بهدف تكريس استقلاليته كمؤسسة تشريعية تستجيب لمتطلبات التحول في المجتمع الفلسطيني. مؤسسة تعمل بلا كلل لتأكيد مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، وإرساء مبادئ الشفافية والمساءلة، وبناء المجتمع المدني القائم على أسس سيادة القانون واحترام الحريات العامة وحرية الرأي والتعددية السياسية. والمساهمة في الوقت نفسه، جنباً إلى جنب مع جماهير شعبنا الفلسطيني ومؤسسات السلطة الوطنية، و م.ت.ف في الكفاح الوطني الهادف إلى كنس الاحتلال إلى الابد، وانجاز الاستقلال الوطني الشامل. 

وقد حدد المجلس التشريعي لنفسه خمس مهام رئيسة، كان لها الأولوية في جداول أعماله، وهي التي تشكل معيار التقدم في عملنا وإنجازاتنا وإخفاقاتنا: 

الأولى: في مجال التشريع: 

حقق المجلس إنجازات يعتد بها في مجال التشريع، تمثلت في إقرار آليات وإجراءات برلمانية عصرية في سن القوانين والتشريعات، نص عليها نظامه الداخلي. وقد أنجز المجلس حصيلة تشريعية هامة، نكتفي هنا بالتحدث عنها بالأرقام. 

ففي حين بلغ مجموع القوانين المدرجة على جدول أعماله 81 مشروع قانون، وجميعها قوانين أساسية أقر المجلس 42 قانوناً أساسياً، صادق السيد الرئيس على 29 قانوناً منها، ومازال هناك 13 قانوناً تنتظر مصادقة السيد الرئيس عليها. وقد تناولت هذه القوانين مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والقضائية والإدارية، إضافة إلى مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقد احتوتها جميعاً المجلدات الخاصة الصادرة عن المجلس. 

الثانية: في مجالي الرقابة والمساءلة: 

كرس المجلس التشريعي تقاليده البرلمانية العصرية في المساءلة والشفافية، والتي راعت، وبحرص شديد، خصوصية الوضع الفلسطيني والمرحلة الانتقالية التي نمر بها والصعوبات التي تواجهنا، مما فرض منح الأولوية في جهود المجلس لرصد الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية ومواجهتها، وتوجيه جهود السلطة الوطنية الفلسطينية للتصدي لها، إضافة إلى مهام المجلس الأساسية في الرقابة على أعمال الحكومة ومؤسساتها، ومساءلة الوزراء بشكل ديمقراطي ومفتوح. 

الثالثة: في مجال تعزيز الديمقراطية: 

أولى المجلس التشريعي أهمية خاصة لعملية البناء الديمقراطي، بهدف تطويرها وتعزيز الوعي بها وبسبل ممارساتها في كافة مناحي الحياة، باعتبارها هدفاً وطنياً لا يقل أهمية عن الأهداف السياسية المباشرة، وكونها تضمن حماية الحريات العامة، وتحترم سيادة القانون. 

لقد بدأت العملية الديمقراطية المؤسسية في فلسطين خطواتها الأولى بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي شكلت الخطوة الأهم في إقامة الحياة السياسية على أسس اكثر رسوخاً وعلى قاعدة من التعددية واحترام حقوق الإنسان. وانطلاقاً من هذا الفهم، انصبت جهود المجلس، عبر قيامه بوظيفتيه، التشريعية والرقابية، على ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتكريس العمل وفق سيادة القانون، واحترام التعددية وحرية الرأي. وقد ترجم ذلك بعدد وافر من التشريعات والقرارات التي تم اتخاذها في هذا المجال، حيث اتخذ المجلس 80 قراراً عالجت استقلالية القضاء، وإجراء الانتخابات المحلية، وحماية الحريات العامة. وفي هذا السياق، جاء قرار المجلس بتسمية يوم السابع من آذار من كل عام، يوماً للديمقراطية في فلسطين. 

الرابعة: على الصعيد السياسي: 

كرس المجلس التشريعي مساحة واسعة من عمله للوضع السياسي والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودعم جهود منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية من اجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، مؤكداً على قضية عودة اللاجئين إلى ديارهم استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية .. وفي مقدمتها القرار 194. 

وقد توقف المجلس أمام مجمل القضايا الوطنية والإقليمية، وناقش باستفاضة واهتمام، وبروح من المسؤولية الوطنية العالية، مسار العملية السلمية، والمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، واستحقاقات المرحلة الانتقالية. وشكلت اللجان المتخصصة لمتابعة قضايا الحل النهائي القدس واللاجئين والأرض والحدود، وأصبحت بنوداً دائمة وثابتة على جدول أعمال المجلس التشريعي، الذي خصص لها العديد من جلساته، واتخذ بشأنها 187 قراراً. 

الخامسة: في مجال العلاقات الدولية: 

عمل المجلس على حشد أوسع دعم وإسناد وتضامن عربي ودولي للمواقف السياسية الفلسطينية والأهداف الوطنية، وقام بحملة دبلوماسية برلمانية واسعة، ساهمت في بناء الروابط والعلاقات المباشرة مع جميع برلمانات العالم. حيث زار المجلس اكثر من 250 وفداً برلمانياً وحكومياً أجنبياً، وكان من بين هذه الوفود رؤساء دول وحكومات ورؤساء برلمانات ووزراء خارجية، كما قام اكثر من 160 وفداً من المجلس التشريعي بزيارات إلى برلمانات العالم تلبية لدعوات من برلمانات العالم، وتم تشكيل اثنتين وعشرين لجنة صداقة برلمانية فلسطينية مع عدد مهم من برلمانات العالم. 

لقد كان لمثل هذه الجهود الدبلوماسية البرلمانية نتائج إيجابية هامة، تمثلت بخلق فهم اعمق للمسألة الفلسطينية وللظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وعملت في الوقت نفسه، على تأسيس علاقات برلمانية قوية ثابتة مع عدد كبير وهام من برلمانات العالم، وأسهمت في إغناء التجربة البرلمانية الفلسطينية الفتية. 

وفي مجال أعمال لجانه وجمعيته العامة، عقد المجلس 155 جلسة للجمعية العامة وللمجلس، و1292 اجتماعاً للجانه الدائمة الإحدى عشرة، قدم خلالها 445 تقريراً، واتخذ المجلس بشأنها 505 قرارات غطت المجالات التشريعية والرقابية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة، إلى جانب قرارات تتعلق بالحياة الداخلية للمجلس، وسبل تحسين أدائه. 

وفي التقرير السنوي الشامل الذي أصدرته رئاسة المجلس، وتم توزيعه على الأعضاء، ثمة تفاصيل اشمل حول كل هذه المسائل. 

الأخوات والاخوة  

اسمحوا لي ان أتوقف اليوم، وبشكل خاص، عند الدورة الخامسة التي انتهت يوم السابع من آذار 2001، لنبدأ بالإشارة إلى الصعوبات التي خلقها الحصار الإسرائيلي الجائر والعدوان الوحشي ضد شعبنا ومؤسساتنا، الذي شكل يوم الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي نقطة تحولية ونوعية في أشكاله ودرجة عنفه، واجهها شعبنا بأجساد أبنائه وأرواحهم .. التي نذروها لمجد الانتفاضة ولأهدافها في التحرر الكامل والاستقلال الوطني. 

لقد كان للبطش الإسرائيلي آثاره على جميع مناحي الحياة الفلسطينية، وكان للمجلس التشريعي نصيبه من ذلك. فانعكست آثار القمع والحصار على أساليب عملنا المعهودة، لتصيب العديد من أنشطتنا وفعالياتنا بحالة هي اقرب إلى الشلل. 

فقد مُنع نواب الشعب المنتخبين من التنقل والحركة بين مواقع إقامتهم والمقرين المؤقتين للمجلس التشريعي في رام الله وغزة. وتضرر عمل المجلس التشريعي خلال الدورة الخامسة بصورة فادحة جراء هذا الحصار، وتحديداً في الفترة الثانية منها، والتي تزامن افتتاحها مع بدء العدوان الإسرائيلي على شعبنا أواخر الصيف الماضي. 

ففي حين عقد المجلس 17 جلسة في الفترة الأولى من الدورة الخامسة، وانتظمت أعمال لجانه التي صدر عنها 32 تقريراً في مختلف المجالات، فانه لم يتمكن من عقد سوى أربع جلسات في الفترة الثانية، التأم فيها في ظل ظروف بالغة الصعوبة، وتوزعت تلك الجلسات على رام الله وغزة والمحافظات في آن معاً، وتم تنسيق العمل خلالها عبر الهاتف والفاكس. 

لقد عملت رئاسة المجلس في سبيل تجاوز هذا الوضع الاستثنائي الشاذ وغير المسبوق في أية بقعة من بقاع الأرض، وبذلت جهوداً حثيثة على ثلاثة مستويات: 

الأول: عبر محاولة ملاءمة جلسات المجلس وعمل لجانه الدائمة مع الوضع الراهن قدر الإمكان. 

الثاني: عبر مطالبة الدول المانحة بمساعدة المجلس لربط جلساته ولجانه بنظام الـ "video-conference" وهو ما يجري العمل من اجله الآن. 

أما المستوى الثالث: فقد تمثل في حملة سياسية ودبلوماسية شاملة هدفت إلى فضح هذه السياسة العدوانية الإسرائيلية على شعبنا ومؤسساتنا، عبر إرسال المذكرات الاحتجاجية للبرلمانات العالمية، ومن خلال الاتصالات المباشرة، وذلك بتحريك علاقات المجلس الدولية، وإرسال الوفود، والاتصال بقناصل وممثلي الدول للضغط على حكومة إسرائيل لوقف عدوانها وإنهاء حصارها المفروض على شعبنا، وعلى مؤسساتنا الوطنية، ورفع الحظر المفروض على تحركات نواب الشعب الفلسطيني ومنعهم من مزاولة مهامهم. 

ومن هنا، من على هذا المنبر، نتوجه بالمناشدة مجدداً إلى كافة برلمانات العالم، وكافة القوى المحبة للسلام، والى قناصل الدول الشقيقة والصديقة والحريصة على إشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان، العمل من اجل إلزام الحكومة الإسرائيلية على وقف عدوانها وإنهاء حصارها الجائر، ووقف جميع إجراءاتها القمعية ضد شعبنا ومؤسساتنا، ومطالبتها برفع اليد ورفع الحظر المفروض على حرية تنقل أبناء شعبنا ونوابه المنتخبين، واحترام الاتفاقات المبرمة وتطبيقها، والطلب إلى حكوماتها تأمين الحماية الدولية لشعبنا من القتل اليومي والحصار اللاإنساني الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي. 

الأخوات والاخوة 

نلتقي اليوم، ونحن نمر في ظروف بالغة الدقة والحساسية. فشعبنا يواجه بصلابة وإصرار، عبر انتفاضته المجيدة التي دخلت بكل ثبات وشموخ وإرادة على النصر شهرها السادس، عدواناً إسرائيلياً ظالماً غير مسبوق، قصفاً وقتلاً وحصاراً جسدياً واقتصادياً ومالياً، ترافقه عمليات الاغتيال السياسي لمناضلي شعبنا، التي لا يمكن رؤيتها والنظر إليها إلا كنوع من إرهاب الدولة. 

لقد اعتقدت إسرائيل ان بإمكانها، من خلال تصعيد أشكال عدوانها هذا تحطيم إرادتنا الوطنية الصلبة وإضعاف تمسكنا الراسخ بحقوقنا الوطنية المشروعة، لانتزاع تنازلات من شعبنا بالعنف والقوة العسكرية، وهي التنازلات التي كانت قد فشلت تماماً في انتزاعها على طاولة المفاوضات. 

من هنا، نعيد التأكيد مجدداً، على تمسك شعبنا وقيدته الوطنية بأهدافنا الوطنية وانتزاع حقوقنا المشروعة المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية 181 و194، 242 و338، وفي مقدمتها حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وحق تقرير المصير .. وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. 

إن المطالبة بوقف العنف، يجب أن تتوجه إلى مكانها الصحيح، إلى حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي لم تكف يوماً عن عدوانها وحصارها على شعبنا، والتي لا تزال تحتل الجزء الأكبر من أرضنا وتمعن في إقامة المستوطنات اللاشرعية عليها. وإذا كان شعبنا قد أكد أن السلام خياره الاستراتيجي، فان احترام إسرائيل الاتفاقات المبرمة والتقيد بها تقيداً تاماً وإنهاء احتلالها لأرضنا، تبقى الشرط الأساسي لتحقيق السلام العادل والدائم. 

لقد أكدت أحداث الشهور الخمسة الأخيرة التي شهدت تفجر الانتفاضة المباركة من جديد، ان القضية الفلسطينية كانت ومازالت وستظل لب الصراع الإقليمي وجوهره، وفيها يكمن مفتاح الحرب ومفتاح السلام في المنطقة، وان التوصل إلى حل عادل قائم على الحق وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية، هو الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع شعوب منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي، فان المحاولات العبثية، واليائسة لتهميشها وإبعادها عن دائرة الضوء الأولى، لن يكتب لها النجاح، إن لم تدفع بالمنطقة برمتها إلى أتون التوترات والعنف والحرب والدمار. 

الأخوات والاخوة  

في الختام، اسمحوا لي أن اوجه باسمكم تحية إجلال وإكبار وتقدير إلى شهدائنا الأبرار، شهداء انتفاضة الأقصى المجيدة وجميع شهداء شعبنا وشهداء امتنا العربية المجيدة، والتحية والتقدير والاحترام إلى جرحانا البواسل، متمنين لهم الشفاء العاجل, وكل التحية والتقدير إلى أسرانا الأبطال الصامدين في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وكل التحية والتقدير إلى جماهير شعبنا البطل، الذي أكد بوحدته المعمدة بالدم، وبتضحياته الجسام، على الحق الفلسطيني الراسخ، وعلى قيم الحرية والاستقلال، وقيم العدالة والديمقراطية والتحرر. 

الأخوات والاخوة  

يدخل مجلسنا اليوم عامه السادس بعزيمة وإصرار كبيرين على المضي قدماً بثبات، في بناء وتطوير تجربتنا الديمقراطية البرلمانية، وتعميق وجودها في وعي مجتمعنا الفلسطيني وممارسته اليومية، جنباً إلى جنب مع إسهامه الفاعل في العمل من اجل تحقيق أهدافنا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها الأبدية القدس الشريف. 

وليكن يوم تنصيب أول مجلس تشريعي فلسطيني منتخب في التاريخ الفلسطيني يوماً مكرساً للديمقراطية في فلسطين .. يوماً للحوار الوطني والوحدة الوطنية .. ولتعزيز وتطوير وتأصيل التجربة المفتوحة على أفق الحرية والمسؤولية. 

يوم الديمقراطية في فلسطين هو يوم للخلق والإبداع، للمبادرة، لحرية الرأي، وهو يوم للتعبير عن أحلام وطن مفتوح على خطاب العصر .. الذي تمثل الديمقراطية ركناً أساسياً من أركانه. 

فوطن المستقبل الفلسطيني، لا يمكن إلا أن يكون حراً متحرراً بالكامل، سيداً كامل السيادة، وديمقراطياً .. ينبذ العنف والقهر والاستبداد والاحتلال. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته