البندقية – أحمد رأفت
قال ميلوس فورمان، رئيس مهرجان البندقية للسينما، وهو يسلم أرفع جائزة في المسابقة وهي جائزة الأسد الذهبي، للمخرج الإيراني الشاب جعفر بناهي عن فيلمه الثالث (الدائرة) : "لقد اخترنا هذا الفيلم لجماله، وفوق هذا لشجاعة مخرجه في معالجة الأحوال الاجتماعية للمرأة في بلده "
وفي الحقيقة، فإن جمال الفيلم وشجاعة المخرج كانا السببين في الفوز كما ذكرت منظمة اليونسكو، والاتحاد الدولي للنقاد، والمنظمة الدولية للنقاد الكاثوليك والذين أشادوا برائعة بناهي كأفضل فيلم عرض في البندقية لهذا العام.
يمكن القول: إن جعفر بناهي الذي يبلغ الخامسة والثلاثين من العمر معتاد على مثل هذا النوع من الثناء، فقد فاز بعشرات الجوائز عن أفلامه السابقة حيث فاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي لأفضل عرض عن فيلمه " المنطاد الأبيض" ،أما عمله الثاني " المرآة " فقد جلب له العديد من الجوائز الدولية.
يقول بناهي: إن " كل جائزة من شأنها أن تجعل المخرج سعيداً وخاصة إذا كانت جائزة مهمة كهذه"، " الأسد الذهبي". التي في يدي، وأضاف قائلا : " بالطبع هذا شرف لي أن أضيف هذا الأسد لمجموعة الجوائز التي فازت بها السينما الإيرانية لغاية الآن".
وفي الحقيقة فإن السينما الإيرانية تحتفل هذا العام بعيد ميلادها المئوي. وإنني أهدي هذا الأسد الذهبي إلى كافة أولئك الذين عملوا في السينما الإيرانية خلال القرن الماضي، وإلى كافة أولئك الناس الرائعين في بلدي. إن أكبر ارتياح أحققه هو عند آخر لقطة من المشهد الأخير في الفيلم. أما الجوائز، التي فزت بالكثير منها فهي فقط، تضيف اللمسات الأخيرة للسعادة التي يجلبها ابتكار شيء ما ".
ثلاثة أفلام كلها فائزة بجوائز، كيف تفسر نجاحك هذا ؟
- ينبغي عليك توجيه هذا السؤال للجنة التحكيم في المهرجان. يمكن أن يكون سبب ذلك هو أنه كان لدي حظ كاف لتقديم الأفلام للمهرجان التي كان فيها لجان تحكيم أحبت أعمالي. أنا أنتج الأفلام طبقاً لذوقي الخاص، وهي كما ترى أشياء عادية يحبها الجميع. وبكل صدق، أنا لا أعلم كيف أجيب على سؤالك، وكل ما يمكنني قوله بصورة جادة هو أنه عندما يدور فيلم حول شؤون الناس، حتى لو صور في أكثر الأماكن المهجورة في العالم، فإنه يصبح عالمياً، وينجح في كسب اهتمام الجمهور حيثما يعرض.
في البندقية ، منحت جائزة الأسد الذهبي، بينما استثني فيلمك " الدائرة" من مهرجان فجر السينما في طهران، الذي أقيم في شباط/ فبراير الماضي.
- تعود القيود التي تفرض في بلادي على مثل تلك الأعمال إلى سنين طويلة مضت فقبل الثورة الإسلامية بسبع وثلاثين سنة فرضت الرقابة على فيلم (البقرة) لمخرجه دار يوش مهرجوي مما اضطره لإرساله إلى البندقية سراً.
أما بالنسبة لي، فقد كنت محظوظاً حيث حصلت على تصريح بإخراج فيلمي من البلاد قبل ثلاثة أيام من سفري إلى البندقية، بالإضافة إلى تصريح لعرضه في إيران أيضا. نعيش نحن المخرجين أيضا في دوائر تكون ضيقة في أحوال كثيرة ويتعين علينا الكفاح من أجل تخفيف القيود من حولنا.
كيف لمخرج من الرجال أن يكرس الفيلم برمته من أجل النساء ومشاكلهن؟
- أنا لا انظر إلى الفيلم بهذه النظرة، فأنا لا أتحدث عن النساء، ولكن عن بني البشر. في هذا الفيلم، تحدثت عن النساء، ولكنني تحدثت عن الأطفال في فيلمي السابق ومن الممكن أن أتحدث عن الرجال في الفيلم القادم.
أنا أقوم باختيار الموضوع وبعد ذلك فقط، أبحث عن الشخصيات الرئيسية. ولذا يبقى الموضوع الرئيسي هو الإنسان ومشاكله.
توجد ثماني شخصيات نسائية في قصتك. ابنة غير مرغوب فيها ، وبعض السجينات السابقات، ونساء مهجورات وبائعة هوى: قصص مختلفة ولكنها كلها ذات مصير واحد : الطرد.
- إنهن ثمانية من البشر المحصورين في دائرة مغلقة لا يستطيعون الإفلات منها. فالسجينات السابقات، يجدن أنفسهن داخل سجن آخر. بعض شخصيات الفيلم تفر من السجن ليجدن أنفسهن في سجن أكبر حيث لا تضمن سلامتهن. جميعنا يعيش في دائرة وتعتمد حريتنا كلية على المدى الذي نستطيع الذهاب إليه ضمن هذه الدائرة، نحن نكافح من أجل تخفيف القيود، ومع ذلك نجد أنفسنا في دائرة أخرى أكثر تقييداً. إن حياة الإنسان عبارة عن كفاح طويل ضد الدائرة التي تحيط به حتى يصل إلى المحيط المثالي الذي يسمح له باستنشاق نسيم الحرية.
ولكن ، هل لدى نساء إيران حالياً الحرية للكفاح من أجل توسيع الدائرة من حولهن؟
- لا يستطيع الإنسان العيش دون أمل. نحن في حركة دائمة . نحو تحقيق حياة أفضل وبالطبع فإننا نحتاج في بعض الأحيان إلى الكثير من الشجاعة.
الشخصيات من الرجال في فيلمك وحتى " الرجال الجيدون" لديهم مواقف عدائية نحو النساء ..
- لا أستطيع القول إن ذلك يحدث فقط في إيران، بالرغم من أن فيلمي تحدث عن إيران فقط . إن هذا الموقف موجود في كافة أنحاء العالم. كم عدد النساء ممن هنا في السلطة في العالم؟!
هل استوحيت فيلمك من قصة حقيقية، أم أنه ثمرة تخيلاتك؟
- عندما كنت أقرأ إحدى الصحف ذات يوم، وعثرت على تقرير حول امرأة قامت بالانتحار بعد أن قتلت ابنتيها . وقد أثار هذا النبأ الذكريات لدي ومنها واحدة شخصية أدت بي إلى التفكير بموضوع هذا الفيلم.
هل لك أن تحدثنا عن هذه الواقعة الشخصية ؟
- قبل اثنتي عشرة سنة، عندما كانت زوجتي في حالة وضع بالمستشفى، كنت أقدم امتحاناَ شفوياً أناقش فيه رسالة الدكتوراه في الجامعة. وحالما انتهيت من الامتحان، ذهبت فوراً إلى المستشفى بصحبة والدتي التي قالت لي: "يا جعفر، لا تغضب لقد ولدت زوجتك طفلة صغيرة". أصبت بالصدمة من كلام والدتي، فقد كان لدي ولد ذكر وكنت سعيداً جداً أن تكون لي بنت. ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لوالدتي ولكثيرين غيرها . هذا ما وضعته في مشهد في البداية يدور حول بنت غير مرغوبة .
فيلمك في الأساس فيه الكثير من الشجن والتنديد. هل واجهت مشاكل في الحصول على تصريح له؟
- لقد واجه الفيلم العديد من المشاكل الصعبة قبل ظهوره. ولكنني كأي مخرج لا أحب التفكير في الماضي. بل أريد الاستمتاع بحاضر فيلمي ومستقبله.
حال انتشار نبأ فوزك بالجائزة في البندقية، قامت الصحف المحافظة في إيران بتحويل الأمر برمته إلى فضيحة. هل أنت خائف إزاء مستقبلك؟
- فيلمي هو فيلم حصلت على كافة التصاريح الضرورية قبل إخراجه، وليست لدي مخاوف من أي شيء.
* إنني آمل أن لا يحدث شيء وأن يعرض الفيلم في إيران. (دبليو – إن – إل)
