المخرج العراقي سعد سلمان يتحدى النظام القضائي الفرنسي

تاريخ النشر: 23 أغسطس 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

ينتمي المخرج العراقي الشاب سعد سلمان إلى تيار السينما العالمية الرافضة، التي تعتمد في تفاصيلها على منطق القراءة المضادة للخطاب الرسمي المحكوم في العادة بحسابات العائد والفائدة، والمصالح، وإشكاليات الخيارات السياسية، والعقائدية، لحفنة من أصحاب رؤوس الأموال، أو زعماء الدول الغنية!! 

وأعمال سلمان بعيدة عن نوعية الأفلام التي لا تهدف لغير تخدير مشاعر البسطاء والكادحين عبر أساطير البطولات، أو صور الكمال الجسدي، أو التكنولوجي التي تصور الكاوبوي الأميركي بأنه الطرف الطيب ضد الهنود الحمر الأشرار! أو الرامبو الأميركي هو الطيب ضد كل أهل فيتنام الأشرار! بينما القائد العسكري الأميركي في قوات ثعلب الصحراء، هو الطيب ضد العراقي الشرير..!! 

فالهنود الحمر هم أصحاب الأرض والحق في أميركا، وأهل فيتنام هم من حقق أول انتصار تاريخي ضد التدخل الأميركي المتعجرف، أما العرب فهم أصحاب الحق في حل قضاياهم بمنطق ينتمي لهم ويخصهم وحدهم.. لكن ذلك ما لا تهتم بطرحه السينما الأميركية. ومن المعروف أن هذه السينما عندما تطرح فيلما لا بد وأن تضع أمام المشاهد صورة تقنعه من خلالها بصدق سياساتها التي تؤسس أن أميركا وحدها التي تعرف الأفضل لكل العالم. 

وهنا يأتي توجه تيار السينما العالمية الرافضة، والذي يحاول إظهار حقيقة الأشياء من الأبيض للأسود، أو الرمادي، كما في فيلم (الرقص مع الذئاب) الذي تبنى قضية الهنود الحمر، وأدى إلى قلب السينما الأميركية ذاتها.. 

إلى هذا التيار ينتمي المخرج العراقي سعد سلمان، الذي فاجأ العاصمة الفرنسية مؤخرا بإعادة قراءة الحدث، في محاولة لإظهار الوجه الحقيقي للديمقراطية الفرنسية التي تبدو مزيفة ، كما يقدمها في فيلمه السينمائي الأخير "المحاكمة K"، حيث نجده يؤسس لمفهوم رفض القيم الفنية، أو الرد المضاد لمنطق العنصرية، وانعدام العدالة وتفسخ الديمقراطية في بنية النظام القضائي الفرنسي. 

قدم سلمان في هذا الفيلم قضية البستاني المغربي عمر الرداد الذي اتهم، وحكم، وسجن، بتهمة القتل المتعمد، دون أن يكون هناك شيء يدينه، غير كونه العربي الأول الذي وضعت الشرطة الفرنسية يدها عليه! 

ولفهم طبيعة هذا العمل السينمائي ، والذي أثار حوله زوبعة إعلامية خرافية استطاعت ان تهز بنية القانون الفرنسي، وتدفعه لتعديل بعض قواعده، والذي كتبت حوله مختلف الصحف، والمجلات ووكالات الأخبار في العالم، لفهم ذلك لا بد من محاولة قراءة العمل مرة أخرى. 

لعل قضية جنائية لم تشغل البال، والشارع الفرنسي كما فعلت قضية عمر الرداد الذي وجد نفسه متهماً بجريمة قتل من الدرجة الأولى، بالاستناد الى عبارة كتبت بدم الضحية وهي السيدة جزلين مارشال التي كان عمر يشتغل عندها كبستاني لحديقتها، والتي تذهب لاتهامه بالقول: عمر هو من قتلني .  

ويفترض أن الضحية التي جرها القاتل حتى قبو البيت حيث قتلها وأغلق عليها الباب من الخارج، وباشر بسرقة محتويات دارها، وأنها أثناء ذلك نهضت وكتبت بإصبعها هذه العبارة مستخدمة دمها كحبر لإدانة المجرم، غير أن هذه العبارة الصغيرة كانت تحتوي علي خطأ إملائي فادح - في اللغة الفرنسية - والذي لا يمكن بحال لسيدة أرستقراطية متعلمة علي نحو راقٍ وأكاديمي أن تقع فيه، وهو الأمر الذي دفع لأول تساؤل فيما يتعلق بصحة الاتهام. بمعني أن القاتل ربما أراد أن يضع هذا البستاني المغربي في موقع الاتهام ليخفي حقيقة تورطه الشخصي في المسألة. 

من ناحية أخرى ذهبت بعض التحليلات النفسية إلى أن هذه العبارة غير صحيحة من الناحية السيكولوجية إذ ان الاعتراف بالموت شعور لا يمكن أن يمر به أي إنسان مهما كانت درجة إحساسه باقتراب موته، بل على العكس، يكون تشبثه بالحياة، والأمل في الخروج من المأزق القاتل أعنف ما يكون عندما يشعر بحق بأنه مهدد بمثل هذا الموت. وكان هذا الاتهام سيحمل نوعاً من المصداقية لو ان العبارة ذهبت للقول عمر هو من طعنني أو عمر هو من ضربني.. أو سجنني هنا.. اما القول بأنه هو من قتلني، فإنها العبارة التي توحي بأن الفاعل، الذي استخدم إصبع السيدة، وغمسه في دمها، وكتب به هذه العبارة، كان علي يقين بأنها قد ماتت وانتهي أمرها، وهو الأمر الذي يذهب للشهادة لصالح عمر الرداد وليس ضده. 

مع ذلك، ومنذ 24 حزيران 1991 يوم وقوع الجريمة وجد عمر نفسه المتهم الوحيد أمام التحقيق الجنائي التابع للشرطة الفرنسية العامة.  

وانتهي الأمر إلي الحكم عليه بالسجن لمدة ثمانية عشر عاماً كمجرم وقاتل لهذه السيدة رغم تدخل أهم وأشهر محامي دفاع عرفته فرنسا أو العالم، وهو المحامي الشهير جاك فيرجيس الذي سجل التاريخ الفرنسي وقوفه للدفاع عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد ضد الدولة الفرنسية، وزواجه بهذه المناضلة فيما بعد، وهو أيضا المحامي الذي تولى الدفاع عن " كارلوس " الذي كان المطلوب الأول في العالم ، لكل أجهزة الأمن الغربية قبل خطفه من السودان والحكم عليه بالسجن في فرنسا.  

ولم يسلم فيرجيس بقرار المحكمة الفرنسية ضد الرداد، وظل يساند موكله الذي لم يهدأ، ولم يتوقف عن المناداة ببراءته، وعدم ارتكابه لهذه الجريمة القذرة بحق السيدة التي ساعدته، وقدمت له فرصة العيش الشريف.. 

ويطالب فيرجيس بالحكم بالبراءة التي يؤيدها ويصدقها أكثر من 64% من الفرنسيين كما يدل مؤشر الاستفتاءات العامة التي تمت في إطار هذه القضية التي مازالت تهز الشارع الفرنسي.. وهنا يأتي المخرج العراقي سعد سلمان الذي يقول إن اختياره لهذا العمل بالذات مدفوع برغبته في أن ينتصر لمنطق الحق في المحاكمة العادلة. 

ويضيف "في البداية ما لفت نظري للمسألة هو كيف ان عاملاً مغربيا بسيطا لا يجيد اللغة الفرنسية إلا لماما يتهم ويحاكم وينتهي أمره". 

وقد استعان سعد سلمان، للتأكيد على حرفية عمله خلال البحث الأكاديمي والعلمي لمراجعة تتابع الأحداث، بالكاتبة الصحافية البارزة إيف لوفيه، والتي تخصصت بالذات في قضايا العالم العربي، وأسست في هذا الاتجاه لمدرسة جديدة للتعامل مع هذا المنحى الثقافي - السياسي المتميز والحافل برفضه وتحديه لمنطق العنصرية، والتحامل على العرب في الإعلام الغربي. 

وانطلقا معاً في رحلة طويلة وشائقة لا تخلو من متعة رغم صعوبة الموضوع وتعاسته - ورغم تعرض المخرج للاعتداء والضرب والسجن من قبل الشرطة الفرنسية التي شعرت في خطواته في هذا الاتجاه تهديدا لمصداقيتها بالدرجة الأولى.. انطلق سلمان ولوفيه لاستجواب مختلف الأطراف التي كان لها صلة بالقضية. 

ويذكر سلمان بهذا الخصوص، انه في البداية كان قد فكر في استخلاص قصة رواية يجعلها موضوعاً لفيلمه السينمائي، قد تقترب من الحقيقة دون ان تكون ملتزمة بالضرورة بكافة التفاصيل، الا انه صدم بعد معرفة تفاصيل هذه المحاكمة غير العادلة التي واجهها هذا العامل المغربي الكادح، ولما يحدث في فرنسا من خرق للعدالة!! 

واتهم سلمان بأنه في فيلمه انحاز لعمر لكونه عربيا فقط، وجاءت إجابة سلمان على ذلك بقوله:" أنا هنا، لم أحاول الانحياز لعمر، كعمر، بل لقضيته كعربي، مظلوم، تم الحكم عليه مسبقا، باعتباره عربياً! ولأنه عربي! أي أنني أردت ان أحاكم المحكمة وان أندد بالعنصرية، وخرق العدالة، فإذا كان هذا التوجه شكلا ما للانحياز، فإنني سأعتبر هذا الانحياز واقعة إيجابية، وليست سلبية بأي حال من الأحوال". 

وبعيدا عن القصة فان الفيلم يحمل بعدا سينمائيا فنيا هاما وهو التوثيق في تقديم العمل السينمائي، وبتقديمه نموذج فني رائد، للإخراج السينمائي._(البوابة)(مصادر متعددة)