المحادثات الاميركية- السعودية: تنجح في ''حلحلة'' الصراع في الاراضي الفلسطينية

تاريخ النشر: 29 أبريل 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان-بسام العنتري 

يتفق محللون سياسيون على ان المحادثات التي اجراها ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبد العزيز مع الرئيس الاميركي جورج بوش حول الوضع في الاراضي الفلسطينية، اسفرت عن بوادر تشير في مجملها الى "حلحلة" في بعض مفاصل الصراع المتأزم بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ولكنهم راوا انه من المبكر الحديث عن "حل" وشيك للصراع، وذلك في ظل ان هذه البوادر لم تتبلور بعد، ولم تتضح نتائجها. 

وكانت اقوى المؤشرات التي حملت على الاعتقاد باتجاه الامور الى "الحلحلة" التي تحدث عنها المحللون، قبول اسرائيل امس بمقترح بوش لفك الحصار عن عرفات، والذي وصفته وسائل الاعلام السعودية بانه كان أولى النتائج العملية لمباحثات ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز مع الرئيس الاميركي.  

وكان ولي العهد السعودي قد ادرج مسالة فك حصار عرفات ضمن مبادرة من ثمانية بنود قدمها للرئيس الاميركي، تمهيداً للانطلاق نحو أرضية تمكن من بحث مبادرة السلام العربية والحل الشامل في المنطقة. 

وقد اجمعت وسائل الاعلام الى جانب المصادر الدبلوماسية على ان السعودية قد وضعت كامل ثقلها للخروج من محادثاتها مع الاميركيين بنتائج تؤدي في المحصلة الى تحويل المبادرة ذات البنود الثمانية الى خطوات عملية على الارض، تقود في النهاية الى حل للصراع. 

ولكن الى أي مدى نجحت السعودية في هذه المحادثات في توجيه مسار الازمة الى الحل؟.  

المحلل السياسي الفلسطيني وديع ابو نصار يرى ان بالامكان القول "أن المحادثات الأميركية السعودية أسفرت عن بعض البوادر التي ستفسر عن حلحلة للأزمة الراهنة وليس حلاً لها".  

ويقول ابو نصار ان "ما يحدث الآن من بوادر من مثل رفع الحصار عن عرفات، ما هو الا حالة من رد الفعل الإسرائيلي الذي لا يعني في واقعه قبولا للمبادرة السعودية، بقدر ما هدف إلى خراج بوش من المأزق الذي وضعه فيه شارون برفضه دعواته المتكررة للانسحاب من الأراضي الفلسطينية".  

ويرى ابو نصار انه "وحتى في نطاق الحديث عن البوادر التي تشير إلى الحلحلة في الوضع، فإن خروج هذه البوادر إلى حيز التطبيق سيكون بطيئاً جداً، فمثلا، ستسعى إسرائيل المماطلة وقتاً طويلاً في رفع الحصار عن عرفات تحت مبرر بحث شكل ونطاق الحرية التي سيتم منحها إليه".  

ولكن هل سيكون عرفات قادرا على دفع الثمن المطلوب منه لقاء انهاء اسرائيل الحصار عنه، والثمن الذي تتحدث عنه اسرائيل هنا كما الولايات المتحدة، هو العمل لتقويض المنظمات الفلسطينية المسلحة؟.  

عن هذا يقول المحلل الفلسطيني، "ان الرئيس الفلسطيني وبرغم ما اكتسبه من شعبية عمقت رمزيته بالنسبة للشعبين الفلسطيني والعربي، إلا أن قدرته على التحرك باتجاه تنفيذ ما هو مطلوب منه باتت محدودة جدا قياساً بما كان عليه الحال قبل عام مثلا". 

ويضيف ان "عرفات لا يمتلك الشرعية المطلوبة لقيامه بعمليات اعتقال أو تدمير للبنى التحتية للمنظمات الفلسطينية في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل هذه العمليات، هذا الأمر سيكون مرفوضاً جماهيرياً في ظل تواصل الاعتداءات الإسرائيلية".  

ولكن إسرائيل تخشى ما هو قادم، وهي تدرك تماما الموقف الذي ال اليه عرفات، على حد ما يؤكده ابو نصار الذي قال "ان اسرائيل وفي ضوء ذلك تدرك تماماً أن المطلوب من عرفات مستقبلا هو منع عودة العمليات الفدائية التي ترى أنها ستجدد".  

وفي المحصلة، وفي الوقت الذي يقر فيه أبو نصار بان "الحلحلة الراهنة تعود للضغوط التي مارستها السعودية على الولايات المتحدة"، إلا أنه يؤكد أن الرياض "دفعت ثمناً في لقاء حصولها على موافقة الأميركين للتحرك، ولعل أبرز مقومات هذا الثمن هو اعلان السعودية انها ستستمر في فلك التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، برغم كافة الضغوطات الممارسة عليها باتجاه إنهاء هذه التحالف".  

ويتابع بالقول "أن ما تنازلت عنه السعودية كان استحقاق فرض إجراءات اقتصادية ضد الولايات المتحدة، لاجبارها على التوقف عن دعمها اللامحدود لاسرائيل، وهو الاستحقاق المطلوب عربياً، كما أن الشارع يضغط باتجاهه".  

ولا يمكن هنا إغفال أن السعودية ترتبط بعلاقات اقتصادية ذات حجم كبير مع الولايات المتحدة، وليس أدل على ذلك من أن قيمة المشتريات السعودية من أميركا تصل إلى 12 مليار دولار سنوياً، وهذه مسألة تكتسي أهمية في واشنطن ناهيك عن البترول السعودي والأرصدة المالية للسعوديين.  

وكل هذا، كما يؤكد ابو نصار "تعهدت السعودية بعدم استخدامه ضد الولايات المتحدة، متحملة بذلك مواجهة الضغوط العربية والشعبية".  

الى هنا، ويتفق الدكتور العليم محمد مسؤول برنامج الدراسات الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية على انه هناك "ثمة بوادر لحل في المنطقة، ولكنه يطرح تساؤلا في سياق تحليل هذه البوادر، ويقول ان "السؤال المطروح هو: هل ستلبي مجمل هذا البوادر متطلبات الجانب الفلسطيني، أم هل ستقف عند الحدود التي تريدها إسرائيل" وفي اعتقاده انه لا يمكن استباق الامور، وينبغي "ان ننتظر لنرى". 

ما من شك في أن هذا البوادر جاءت ثمرة مباشرة للمحادثات السعودية الأميركية، كما يؤكد الدكتور عبد العليم، الا انه يرى في المقابل ان "إسرائيل رات ان من مصلحتها التجاوب مع هذه البوادر" وبالتالي فقد "تفاعلت معها ايجابيا". 

ويوضح "ان شارون اكتشف أنه وقع في مأزق عندما حاصر عرفات وكنيسة المهد، بحيث وجد نفسه عالقا في هذا الحصار دون أن يكون لديه أدنى أفق لطريقة انهائه.. فهو اكتشف أن قتل عرفات أو طرده سيشكل كإرثه لإسرائيل، وبالتالي، فقد وجد في العرض الاميركي لانهاء حصاره مخرجا غير قابل للرفض، وحلا حفظ له ماء وجهه أمام الرأي العام للإسرائيلي".  

ويلخص الدكتور عبد العليم الحالة بالقول اننا "الآن في معرض حلحلة في الوضع ناجمة بالدرجة الأولى عن محاولة الآخرين -وهنا أعني إسرائيل وأميركا- اخراج بعضهم من المازق التي خلقوها بأنفسهم، فبوش يريد الخروج من مأزقه أمام الرأي العام الأميركي، وشارون يريد الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، وكلاهما يعمل لمصلحته من خلال مصلحة الاخر". 

أما من حيث موقف السلطة، وتحديدا عرفات في سياق الحلحلة الراهنة، فقد رأى "أن الرئيس الفلسطيني بات الآن في وضع يؤهله لأن يتخذ موقفاً أكثر صلابة في رفض الاملاءات الأميركية الإسرائيلية حيال التنظيمات الفلسطينية، التي يطلب منه مواصلة المهمة الاسرائيلية في القضاء عليها".  

ويقول "هنا لا يمكن إغفال أن إسرائيل قامت بما فيه الكفاية إزاء هذه المهمة ولم يبق لعرفات شيء يفعله، ولا يمكن لعاقل أن يطالبه بإنجاز مهمة انتهت بالفعل".  

ويوافق المحلل السياسي المصري على ان الحلحة الراهنة جاءت ثمرة للتحرك السعودي، ولكنه يختلف مع الاراء القائلة بان السعودية دفعت ثمنا في مقابل موافقة اميركا على التحرك للضغط على اسرائيل للتجاول مع بعض المطالب من مثل انهاء حصار عرفات وكنيسة المهد. 

ويقول ان "السعودية لم تدفع ثمناً للتحرك الأميركي، وإنما قدمت مقابلاً، وهو تعهدها بعدم استخدام سلاح النفط، وقد استقبلت الولايات المتحدة هذا التعهد بالثناء كما جاء على لسان بوش".  

ويضيف "وإذا أردنا التحدث عن ثمن فيمكن القول أن السعودية قدمت مسبقاً هذه الثمن عبر مبادرتها التي أعلنت فيها الاستعداد للتطبيع مع إسرائيل في مقابل انسحابها من الأراضي الفلسطينية، وهذا موقف له حجمه من دولة لها وزنها عربيا وإسلامياً". –(البوابة)