روبرت دو نيرو كان "سائق التاكسي" عام 1975 ونيكولاس كايج أصبح سائق سيارة الإسعاف سنة 2000.. ضائعان بين التعقل والجنون يسيران على غير هدى في طرقات تتقاطع عليها المصائر القاتلة ويبحثان عن خلاصهما وسط جنون المخرج العبقري مارتن سكورسيزي.
أجواء كئيبة وصور عنيفة ودماء على إسفلت وأرصفة شوارع نيويورك التي تتحول ليلا الى بيوت تركن إليها أجساد سكارى ومدمنين ومنتحرين ومقتولين، وصفارة سيارة إسعاف تنطلق على إيقاع موسيقى تعكس الاضطراب النفسي الذي يوتر الشخصيات ويضغط المشاهدين فكل ما في الفيلم مصمم بأسلوب سكورسيزي وكاتب السيناريو المفضل لديه بول شرايدر صاحب أفلام ("سائق التاكسي" و"ثور هائج" و"التجربة الأخيرة للمسيح") لجعل الجمهور في حالة تحفز مستمرة مع شعور بالانزعاج يخيّم طوال مدة فيلم "الكشف عن الموت".
صفارة الإسعاف وغرف الطوارئ في المستشفى الذي يغص بالمرضى والدماء والفوضى قد تعطينا انطباعاً بأننا داخل إحدى حلقات مسلسل "غرفة الطوارئ" لكن مع غياب الطرافة وجورج كلوني.
من جديد، يصوّر سكورسيزي فيلمه الجديد في شوارع نيويورك التي يعشقها وقد استمر التصوير75 ليلة لينتهي بساعتين جهنميتين ينطلق خلالهما سكورسيزي وراء محنة مسعف يائس يجوب الشوارع ليلاً بسيارة إسعاف لم تسعفه للشفاء من خيالاته المجنونة وعذاباته الوجودية.
فرانك (نيكولاس كايج) مسعف يجول بأحزانه بحثاً عن أرواح ينقذها وآلام يسكنها وجروح يداويها، وعن مدمنين وسكارى، مجانين ومشردين، منتحرين ومصابين برصاصة ما، ولكثرة ما شاهد من الويلات لم يعد قادراً على التفريق بين الحياة والموت والوهم والحقيقة والبشر والأشباح.
ضيق الناس يخنقه وعدم قدرته على مساعدتهم يمنحه شعوراً بالعجز. وهو على شفير الانهيار والجنون، يلتقي ماري (باتريسيا اركيت او السيدة كايج زوجة البطل في الحقيقة) ابنة أحد المصابين بنوبة قلبية فتنير ظلام حياته بضوء خافت، بين ملامح وجهها وملامح امرأة أخرى فشل في إنقاذها من الموت تتقاطع المصائر وتزيد الهلوسات في عالم قاس وقاتم. من خلال عينيه، نشاهد صوراً قاتمة ومجنونة ومهرولة بإيقاع يضغط على الأعصاب وموسيقى تناسب الشعور بالتوتر والانزعاج يؤديها ببراعة أخاذة نيكولاس كايج في دور يفجر هلوساته الداخلية وتخبطاته النفسية وبحثه اليائس عن الخلاص والتحرر، في شخصية تذكّر قليلاً بتلك التي قدمها روبرت دونيرو في "سائق التاكسي" وكثيراً بتلك التي قدمها هو نفسه في "الرحيل عن لاس فيغاس" الذي نال عنه أوسكار "افضل ممثل".
الفيلم مقتبس من قصة للكاتب الشاب جو كونلي الذي عمل بدوره مسعفاً مدة طويلة مكنته من إعداد قصته على نحو واقعي وصادم.
وبدوره قام كاتب السيناريو بول شرايدر بمرافقة المسعفين في إحدى الليالي ومن حظه ان ليلته كانت حافلة بالأحداث فمن مشرد مقتول قرب المترو، وولادة طفل، الى لحظات ممزوجة بالمأساة والسعادة تماماً مثل الحياة التي نقلها الى الورق فركز على العذاب والعجز أمام المأساة، والسعادة عند النجاح في مدّ يد العون، في سيناريو غني باستعارات دينية.
اما سكورسيزي فبرع طبعاً في رسم ذلك العالم الذهني الذي اختلط فيه حابل الجنة بنابل الجحيم، مع تصوير سريع ومتوتر ينقل شعور الانزعاج بسهولة تامة. وحدها باتريسيا اركيت كايج منحت الشريط قليلاً من الرقة وساهمت في إضفاء نوع من الشفافية على ذلك العالم القاسي، ولم يؤثر كونها زوجة كايج على مجريات الفيلم فلم يجمع بينهما أي لقاء عاطفي كعادة الأزواج في هوليوود._(البوابة)(مصادر متعددة)