الكاريكاتور يعرض في مقبرة .. وتخنقه الرقابة

تاريخ النشر: 29 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

جرش - غادة الكاتب 

كيف يمكن للناس أن يمارسوا الضحك أو الاستمتاع في مقبرة؟ 

سؤال طرحه فنان الكاريكاتور المصري جورج بهجوري، ووافقه في طرحه كل من الرسامين سعد حاجو من سوريا، وبهاء بخاري من فلسطين، وعماد حجاج وجلال الرفاعي من الأردن. وهم الذين يقدمون رسوماتهم الكاريكاتورية في معرض الكاريكاتور الذي تم افتتاحه في قبو زيوس في مهرجان جرش التاسع عشر للثقافة والفنون.  

هل الكاريكاتور بحاجة إلى تعليق ليصبح مفهوما، وهل الشخصية الرمز ضرورية لتوصيل فكرة الكاريكاتور للجمهور، ومن يحدد سقف الحرية في هذا النوع من الفن، وهل يختلف هذا السقف من بلد لآخر، ومن هو الرقيب وما دوره ، ومن الذي يروج الآخر الصحيفة أم الكاريكاتور، وأيهما أكثر رواجا الكاريكاتور السياسي أم الاجتماعي، وكيف هو الإقبال على معرض الكاريكاتور في مهرجان جرش؟ 

هذه الأسئلة طرحتها "البوابة" على الفنانين الخمسة، الذين اتفقوا حينا ، واختلفوا حينا آخر في الإجابة عليها حيث اعتبر بهجوري أن الحياة غامضة بطبيعتها والفنان محب للغموض، لذلك هو حين يرسم يترك مساحة من الغموض في أعماله ليكتشفها المشاهد، فيستمتع بها، لكن رؤساء تحرير الصحف يرفضون هذا المنطق، ويطلبون من الفنان أن يرفق تعليقا صغيرا برسمه مفترضين أن في ذلك مساعدة للفكرة على الوصول، ويتدخل بخاري ليضيف أن أصحاب الصحف يفترضون أن الشعب قاصر عن الفهم، وعن قراءة الكاريكاتور، لذلك يطالبون الفنان بالتبسيط ، وبالشرح، ويؤكد بخاري" أنا أعتقد أن القارئ أذكى مني، فهو بالضرورة يتمتع بدرجة من الثقافة والاطلاع تدفعه لشراء الصحيفة، وإذا التفت لقراءة الكاريكاتور فهو ذو ذكاء مضاعف. 

لغة سلسة لكنها خطيرة  

ويرى حجاج أن فن الكاريكاتور هو الأكثر شعبية وهو لغة سلسة لكنها خطيرة ، ومن نوع السهل الممتنع، لكن رؤساء التحرير يتدخلون ليقولوا أن هذا الرسم غير مفهوم، وهذا ضروري، وهذا ليس ضروريا، وهكذا.. ليجد رسام الكاريكاتور نفسه أمام محددات رقابية، هي من صنعهم فقط، ويضيف حجاج، بأن الفنان يضطر أحيانا للسير ضمن خطوطهم، ويؤكد"كلما عرفت الرقابة أكثر، كلما استطعت تخطيها، وللفنان قدرة على رفع سقفه ، لأنه حين يكون صادقا يكون ناجحا شعبيا، وهذه الشعبية تشكل ضغطا لصالح الفنان وضد السلطة الموجهة بأكثر من سبب إعلاني أو سياسي، أو إجتماعي. ويشير حجاج إلى أزمته التي حدثت مؤخرا مع صحيفة" الرأي" الأردنية قائلا:" في أزمتي استندت إدارة الصحيفة ورئيس التحرير إلى الجدار الأمني، والنفوذ المالي، أما أنا فجداري كان شعبيتي والناس، وهنا يعلق السوري حاجو:" ما يؤكد كلام حجاج هو أنه رغم كونه فنانا أردنيا اهتم بالشأن الأردني المحلي، إلا أن ثمة تعاطفا معه ومتابعة لأزمته حتى في بيروت". 

الرمز في الكاريكاتور 

وعن لزوم الشخصية الرمز في الكاريكاتور يقول بخاري:" لقد ابتدع ناجي العلي حنظله وأنا لدي أبو العبد، ولحجاج أبو محجوب، كل هذه الشخصيات استعملت وتستعمل في الوطن العربي لأن قضايانا بحاجة لهذه الرموز حتى تطرح من خلالها كعناوين للفكرة، فالشخصية أحيانا هي لسان حال المواطن وأحيانا أخرى هي تعليق الفنان، وأحيانا هي الفنان نفسه الذي يضع نفسه على رسمه كشاهد وكتوقيع ، مما يعني أننا نستعمل الرمز حين نكون بحاجة إلى وسيط". 

ويؤكد بهجوري على رأي بخاري ويقول "قبل حنظلة ناجي العلي، كان رمزي هو شخصيتي أنا التي أرسمها لأكون حاضرا من خلال الرمز والفكرة" لكن حجاج يتدخل ليعلق بأن"حنظلة كان أيضا مجرد مراقب وليس محركا للحدث في كاريكاتور العلي بل هو توقيع". 

أما السوري حاجو فيرى أن الرمز ضروري في الكاريكاتور الاجتماعي، لأنه يسهل على الفنان إيصال افكاره، بقالب جاهز يمثل كل شرائح المجتمع، وفي الكاريكاتور السياسي، تكون الحاجة للرمز أقل. 

كل الكاريكاتور سياسي 

وبرأي حجاج أن الكاريكاتور كله سياسي، حتى ولو لم يظهر ذلك في الرسم بشكل مباشر، فالحياة الاجتماعية هي بالضرورة من معطيات الحالة السياسية، ويوافقه حاجو ، بينما يعتقد الرفاعي وبخاري وبهجوري أن الذي يحكم رواج فكرة الكاريكاتور هو ارتباطها بالحدث، ودرجة مساس ما يطرح من خلالها للحدث سواء الاجتماعي أو السياسي. 

ويشير بهجوري الى أن الحياة ككل لا يمكن أن تسجل بدون ضحك، ولأن الكاريكاتور هو نوع من التسجيل للحدث، فهو يضحك أيضا، لكنه يستغرب من توافق وجود هذا الفن في قبو مثل قبو زيوس الذي يشبهه بالمقبرة.في حين وافقه الفانون جميعهم بأن ذلك إضافة إلى سوء الدعاية، والتفات الناس إلى ما يقدم على المدرجات الأخرى من فعاليات رئيسة كان له أثره في الإقبال الضعيف الذي يشهده معرض رسومهم، وانعدام الطلب على لوحاتهم وكتبهم المعروضة، إضافة إلى أنها المرة الأولى التي يفتتح فيها معرض من هذا النوع في مهرجان جرش، مما يشكل عاملا آخر في عدم ألفة الناس مع وجوده، لكن بهجوري يضيف سببا آخر وهو العامل الاقتصادي الذي لا يوافقه حجاج عليه مثيرا نقطة قدرة الناس على شراء تذاكر لفعاليات بقيمة عشرة دنانير، وعزوفهم عن شراء كتاب ثمنه أقل من ذلك بكثير. 

سقوف ورقابة متعددة  

وعن الرقيب وسقف الحرية يقول بخاري:" نحن في فلسطين نعيش مشروع تشكيل دولة، وانا شخصيا لم أصطدم حتى الآن مع أي نوع من الرقابة، ربما لأن الرقباء مشغولون بقضايا أكبر"،يعلق مازحا، ويضيف:" لم أصطدم حتى الآن إلا بالرقيب العسكري الإسرائيلي حين رسمت "أبو عرب" بقبعة اليهودي المتدين السوداء، عندها لمست أن لليهود حساسية خاصة ضد هذا النوع من الكاريكاتور، رغم أنهم يبدون متسامحين في اي نوع آخر ليس فيه مساس بالمتطرفين". 

بينما يشير بهجوري إلى أن علاقته مع الرقيب ظهرت في الستينات، وتجاوزها حين عقد واصدقاؤه الفنانين صداقة مع ذلك الموظف"الرقيب" واستطاعوا تقليبه على دوره الرقابي، ويضيف بهجوري إلى أن تجربته في عهد مبارك كانت مع الرقابة الموجهة، التي تأتي بفنانين من الصفوف الخلفية، وتعمل على تلميعهم، وبلورتهم، مستبعدين الفنانين ذوي الموروث الفني والباع الطويل. وهنا يتدخل حاجو مازحا ليقول بذكاء:" إن ثمة رقيبا أول ووكيلا وملازما ونقيبا، إلى آخر هذه التدرجات الرقابية" مكتفيا بهذه المقولة الكاريكاتورية كإجابة. 

وعلق حجاج" أما أنا فلدي أكثر من رقيب فالمعلن رقيب، ورئيس التحرير رقيب، والأمن رقيب إلى آخر هذه السلسلة من الرقباء". 

ويختم حاجو بأن العامل الاقتصادي هو سيد الرقابة، لأن الفنان حين يكون مستقلا اقتصاديا، يأخذ حريته من خلال استقلاليته، ولا يرضخ لأي معطيات رقابية سوى مستوى الفكرة". ويوافقه بهجوري بمقولة لدومنييه بأن الديموقراطية والحرية تسلب ولا تعطى، لذا على الفنان أن يأخذ حريته دون انتظار من يعطيه إياها. 

أما عن تاريخ الكاريكاتور فيقول بهجوري بأنه عرف منذ أيام الفراعنة الذين وجد في نقوشهم ورسوماتهم هذا النوع من الفن، لكن حجاج يلفت النظر إلى أن الإغريق والرومان عرفوا هذا الفن أيضا، فكان الرومان يرسمون زعماءهم بكروش ورؤوس كبيرة، ويوافقه حاجو على أن الكاريكاتور قديم قدم الإغريق والرومان ومن ثم الفراعنة- - (البوابة)