القـــــارئ- خالد أبو الخير

تاريخ النشر: 18 سبتمبر 2018 - 09:20 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

• إلى الذيب عايد عمرو.. صديقي الأديب الذي رحل مبكراً

يقرأ.. ما دامت يده بكتاب مفتوح الى اقصى مداها، ما أتاح حتى لعابرين مهمومين، ان يسترقوا النظر الى بضعة سطور في مقتبل الفضول.

من الصعب إحصاء الأفكار التي تدور بين دفتي رزمة من ورق قاتم؛ لونه المطر، وشمس الصيف، وتعاقب الفصول.

لا احد يدري لماذا اختار هذا المكان المزدخم والزاخر بالناس، ولا ما المغزى من هذا المهرجان الغريب الذي اخرج العابرين من سورة العادية فتجمعوا حوله، محاولين استكتاه كنهه، وكنه كتابه، دون أن يصيبوا كثير نجاح.

رجل في حوله الاربعين، ذاهل القسمات كانكسار أشعة النجوم، يرتدي قبعة بدت غرائبية، ومعطفا جلديا شتاء.. وقميصا فضفاضا بنفس اللون كل صيف.. هل ذلك مجرد تخيل!؟ يقرأ في كتابه المفتوح، دون ان يرف له جفن.

لا احد يدري من أين يأتي، ومتى يغادر، كثيرون شكوا أنه يغادر اصلا!، لكن ذلك الشك لم يقم دليل عليه قط.

يمر به اناس في طريقهم الى اعمالهم، الى متاجرهم، الى الدوائر الحكومية لإنجاز معاملات، الى السوق للتبضع، الى الاطباء والمستشفيات لتلقي العلاج وما قد يعتريهم من شؤون.

يمرون به من كل الاعمار، فرحون، مغتبطون، حزينون ومتجهمون، يسترعي انتباههم بوقفته، فيتوقفون هنيهة قربه، تشرئب اعناقهم ليقرأوا ما تيسر من كتابه المفتوح، ثم بهدوء أو بصخب.. يغادرون.

مرة تطور الامر، فظنه العابرون متسولاً بشكل جديد، فقدموا له المال عن طيب خاطر، لكنهم حين لاحظوا ان المال كان يسقط من يسراه المفتوحة والبادية كمغرفة، ويكسو الارض ثم ينمو العفن والطحالب على الاوراق وقطع النقد، ويتسلق حتى رجليه، كفوا عن الاحسان اليه.. وتجاهلوه.

لكن هذا الموقف لم يدم، ما دام هو الدهشة. وشيئا فشيئا اعتادوا عليه، حتى غدا معلماً من معالم المدينة.. هل قلت المدينة؟ في كتابه وردت عبارة لم ازل اذكرها: «المدينة لا تنبت الازهار»!.

حين توالت الفصول.. وهو يقرأ في كتابه المفتوح. ويسترق الناس منه بضعة سطور، اشتهرت المدينة، بل دخلت كتب العجائب والغرائب، ودخل الرجل بقبعته الغرائبية ولحيته الكثة كتاب «جينيس»، باعتباره امضى اكثر فترة في قراءة كتاب. قرر المسؤولون عن المدينة تكريمه وتقديم هدايا ومكافآت مالية تبرع بها محسنون، تتيح له تحقيق كل ما يريد.

يوم الاحتفال، وبعد إلقاء الخطابات وعزف السلام الوطني، تقدم منه عمدة المدينة لينزع الكتاب من يده ويصافحه شاداً عليها، لحظة سقطت تلك اليد.. وانهار.. انهار.. التمثال.