أقامت الجامعة الأميركية في القاهرة مؤخرا، ندوة موسعة حول ترجمة الأدب العربي الى اللغات الأخرى، افتتحها الناقد والمترجم د· مرسي سعد الدين عضو المجالس القومية المتخصصة، الذي قال بأن الترجمة إلى لغات العالم بدأت عام 1491، من خلال معهد العالم العربي في لندن، وأن أول ما ترجمه هذا المعهد هو مختارات من القصة القصيرة.
وحسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية اليوم الثلاثاء، فقد أشار سعد الدين إلى مساهمة المجلس الأعلى للفنون والآداب، في مجال هذه الترجمة من خلال مشروع، ترجم فيه أعمالا لطه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم وغيرهم، من خلال مترجمين كبار، وأضاف بأن هذه الأعمال حين أرسلت إلى لندن لإصدارها، رفضتها دور النشر هناك، واعتبرتها مفروضة عليها، مشيرة إلى عدم معرفة القارئ الإنجليزي بهؤلاء الكتاب.
وانتقل سعد الدين إلى مناقشة أهمية ترجمة الأدب العربي في اللحظة الراهنة، خصوصا في ترجمة كلاسيكيات الأدب العربي التي لا يقبل عليها المترجم الحديث، مؤكدا على أن الترجمة يجب أن تكون جزءا من السياسة العامة للدولة.
وقال د· مرسي سعد الدين بأن من المعوقات التي تواجه ترجمة الأدب العربي الافتقار الى خطة مدروسة، والاعتماد على المزاج الشخصي الذي تحكمه - في الغالب- العلاقات والمجاملات، ويقف حائلا دون ترجمة العديد من الأعمال الهامة ، كما أن العديد من ترجمات الأدب العربي تقع في مأزق الحِرفية التي تؤدي الى فقدان روح النص، إضافة إلى عدم فهم مترجمي الأدب العربي للعديد من الأمثال والعادات والكلمات- وخصوصا العامية- التي يرددها الإنسان العربي.
الترجمة ودور النشر
ثم ناقشت د. فاطمة موسى ترجمة أعمال نجيب محفوظ الى اللغة الإنجليزية التي تخصصت فيها منذ ما يزيد على نصف قرن، وطالبت بوجود مُراجع لترجمات الأدب العربي، لأن معظم الترجمات تعاني من مشاكل تبعدها عن النص الأصلي، مؤكدة على أهمية الموهبة الأدبية في منْ يتصدون لترجمة الأدب العربي، ومشيرة إلى أننا "بدون ذلك لن نتوسع في ترجمة أدبنا العربي الى اللغات الأخرى".
ثم أشارت د· فاطمة موسى إلى المعاملة السيئة، التي يتعرض لها مترجمو الأدب العربي، من دور النشر الانجليزية، ودللت على ذلك بأنها عندما زارت لندن بعد صدور رواية "ميرامار" لنجيب محفوظ، عرضت على دار النشر التي أصدرت هذه الرواية كتابا آخر، فرفضته الدار فورا، وأفهمتها أنها تفضلت على الأدب العربي بترجمة "ميرامار"!!.
تاريخ الترجمة
واستعرض د· عبد المنعم تليمة في هذه الندوة تاريخ ترجمة الأدب العربي الى اللغات الأخرى، وقال: "نضجت الهيئات والتراكيب اللغوية العربية منذ ألفي عام، ومنذ ذلك التاريخ لم تغب يوما عن الآداب العالمية، صحيح أن هناك عقبات تؤثر الآن على اتصال العربية باللغات الأخرى، ولكن قديما كانت اللغة العربية وثيقة الصلة بهذه اللغات، سواء بترجمتها إليها، أو باستقبالها لها".
ودلل على ذلك بأن أول ما تُرجم الى اللاتينية هو حديث ابن عباس في "الإسراء والمعراج"، في القرن العاشر، ثم في القرن الحادي عشر تم ترجمة شعر الغزل العربي، الذي تأسس عليه الشعر الأوروبي الحديث، مشيرا إلى أن الشعر العاطفي في أوروبا كان استجابة لهذه الترجمة، وأن الرشدية- نسبة لابن رشد- أصبحت في القرن الحادي عشر، هي الإجازة التي تجيز أي أوروبي يرغب في التخرج من الجامعة، وعندما عُرفت المطبعة أصبحت "حي بن يقظان" في ترجمتها اللاتينية نبراسا لرواد الرواية الأوروبية.
وبيّن د· تليمة، أن أول كتاب يؤرخ للأدب العربي وضعه مستشرق نمساوي، وهذا الكتاب تأثر به كل منْ قاموا بالتأريخ للأدب العربي بعد ذلك ومنهم جورجي زيدان، كما أن الاهتمام بالكلاسيكيات العربية شمل جميع أنحاء العالم.
وأشار د· تليمة إلى أن العقبات التي تواجه ترجمة الأدب العربي الى اللغات الأخرى - وخصوصا اللغات الأوروبية- ستتراجع، ودلل على ذلك بالمشروع الذي يتبناه التحالف العربي الأوروبي، حيث تنص ورقته الأساسية، على ترجمة آداب شعوب البحر الأبيض المتوسط، بالتساوي بين الدول العربية والأوروبية.
هاجس الترجمة
وأكدت الروائية ميرال الطماوي على أن هاجس الترجمة يؤرق كل الكتاب العرب، ودللت على ذلك بمشروع "ذاكرة البحر المتوسط" الذي يترجم فقط الأعمال الروائية الشبيهة بالسيرة الذاتية، مما دفع الأدباء العرب إلى إنتاج أعمالهم حسب هذه الشروط.
ووصفت الطماوي واقع ترجمة الأدب العربي الى اللغات الأخرى بأنه سيئ للغاية، مقارنة مع المشاريع الكبيرة والمدروسة، التي تقيمها الشعوب المجاورة في هذا المجال، ومنها الشعوب الإفريقية، مشيرة إلى أن ترجمة الأدب العربي، لا تجد الناشر الذي يتحمس لنشرها، حتى لو كانت لكبار الأدباء، وأن شعوب اللغات الأخرى لا تكاد تعرف من الأدب العربي سوى نجيب محفوظ لأنه فاز بجائزة نوبل.
وتحدث المترجم د· انتوني كولدربانك في مداخلته عن المشكلات التي تواجه مترجم الأدب العربي، ومنها اختلاف العقليات، والثقافات، والخلفيات، والتراكيب والقواعد النحوية، حيث لا توجد في اللغة الإنجليزية "تاء التأنيث" كما في العربية، إضافة إلى مفردات عربية ليس لها مرادف في اللغة الإنجليزية، رغم المفاهيم الأساسية التي تحملها هذه المفردات، والتي بدونها يظل النص- عند ترجمته- ناقصا. كما أشار د.كولدربانك إلى إحجام الناشرين عن التعامل مع الأدب العربي، مما جعل القارئ الأوروبي لا يعرف عنه شيئا!! - -(البوابة)