العلاقات السعودية – الاميركية: الحلقة الثانية

تاريخ النشر: 21 ديسمبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

القلق السعودي  

إن أول وأهم قضية تشكل قلقا للسعوديين هي السياسة الأميركية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي. ففي استطلاع أجري في ربيع عام 2001 وصف 63% من السعوديين الوضع الفلسطيني بأنه "القضية الأكثر أهمية والوحيدة التي تشغلهم بشكل شخصي".  

كذلك صنف 20% من السعوديين القضية الفلسطينية ضمن أهم ثلاث قضايا بالنسبة إليهم. إن هذه الحقيقة التي لا يمكن التهرب منها هي التي دفعت الأمير عبدالله للقيام بمحاولة جديدة للسعي إلى تحقيق سلام شامل بين العرب وإسرائيل.  

من وجهة النظر الأميركية، فإن أحداث العام الماضي عملت على تقويض الفرضية الأميركية بأن الصراع العربي الإسرائيلي يمكن فصله تماماً عن استراتيجية الولايات المتحدة في الخليج.  

إن على الولايات المتحدة أن تصوغ استراتيجية دبلوماسية عامة تصل إلى الرأي العام في المنطقة وتخاطب "الفهم الخاطئ" والمؤسف الذي يضرب جذوره في أعماق أرض المنطقة. وبغض النظر عن الكيفية التي يختار بها صانعو السياسة الأميركية طريقة التعامل مع العراق فإن أهم وسيلة فعالة لتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة والعربية السعودية هي الدفع باتجاه إحلال السلام بين العرب وإسرائيل. إن على الولايات المتحدة أن تقوم بعمل هذه الأشياء لأن العالم إذا ظل يعتمد على النفط كمصدر للطاقة، فإنها لا تستطيع الاستغناء عن المملكة العربية السعودية.  

 

المورد الموثوق  

استخدم إدوارد مورس وجيمس ريتشارد عبارات مضللة وتوصلا إلى استنتاجات لا تنسجم مع الحقائق. فبإشارتهما إلى إن الطاقة الإنتاجية لمنظمة OPEC أقل في هذه الأيام منها عام 1980 مجرد تبسيط لمجموعة من الأحداث المعقدة. 

بعد وصول الطلب على النفط إلى قمته عام 1979، لم يعد هذا الطلب إلى ذلك المستوى حتى عام 1989م حيث أن الطلب على النفط خلال ذلك العقد كان خفيفاً. ولذا لم يكن منتجو أوبك بحاجة إلى زيادة أو حتى المحافظة على مستوى طاقتهم الإنتاجية التي بنوها لتفي بما كانوا يتوقعونه من مستويات عالية للطلب على النفط في أوائل الثمانينات. كذلك وقعت أحداث كثيرة بما في ذلك الحرب العراقية الإيرانية والحظر النفطي المستمر على العراق والقوانين الأميركية التي تحد من الاستثمارات الأجنبية في إيران وأدت بدورها إلى إعاقة نمو الطاقة الإنتاجية لأعضاء الأوبك.  

يشدد الكاتبان على أن منتجي النفط في الشرق الأوسط لم يتمكنوا من توسيع مصادرهم بأكثر من المستويات التي وصلت إليها الشركات الدولية قبل تأميمها في السبعينات.  

وقد نسي هؤلاء أن المملكة العربية السعودية زادت طاقتها الإنتاجية من 7-10 ملايين برميل يومياً منذ عام 1980م. فقد طورت أرامكو السعودية الحقل العملاق "الشيبه" وأدخلته إلى حيز العمل عام 1998م. كذلك مولت الشركة وأدارت هذا المشروع العملاق بما في ذلك التخطيط، التصميم، الإنشاء، الحفر، التحليل الجيولوجي والتطوير والإنتاج.  

وبالإضافة إلى ذلك، اكتشف حقل "الحوطة" في وسط المملكة وعدد آخر من الحقول المجاورة وتم تطويرها مؤخرا من قبل شركة أرامكو السعودية. وأخيراً أضافت السعودية حوالي 5 تريليونات من الغاز الطبيعي إلى احتياطها السنوي وتخطط لمضاعفة إنتاجها من الغاز في السنتين القادمتين.  

وذكر مورس وريتشارد أيضا إن العربية السعودية لم تكن قادرة على زيادة إنتاج النفط لمدة 20 عاماً رغما عن اعترافهما بالزيادة في الإنتاج التي وصلت إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً.  

ولكن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه "لماذا يحتاج السعوديون إلى زيادة إنتاجهم النفطي".  

وفي وصفهما كيف أن السعودية استخدمت طاقتها الإنتاجية الإضافية مؤخراً استشهد موريس وريتشارد بمثالين هدفا على ما يبدو بهما أن يشيرا إلى أن السعودية كانت تحاول فقط استعادة القدرة على التحكم بأسعار نفط أوبك بدلا من إفادة المستهلكين في العالم الصناعي. ويعود المثال الأول إلى عام 1985حين سعت السعودية إلى حصة في الإنتاج أكثر عدلا من خلال نظام الحصص (الكوتا). أما المثال الثاني فيعود لأواخر التسعينات حين أرادت المملكة مواجهة زيادة الإنتاج من قبل عضو آخر في منظمة الأوبك. وكان المستفيدون في كلتا الحالتين هم المستهلكون وليس السعودية. وعلاوة على ذلك، استشف الكاتبان بأن السعودية تستخدم طاقتها الإنتاجية الاحتياطية فقط لتعليم الآخرين في أوبك درساً في الطاعة.  

وتقول المجلة إن الكاتبين أغفلا أعمالا سعودية أكثر استجابة ومسؤولية أثناء حرب الخليج لصالح استقرار أسعار النفط والوفاء بالطلب العالمي للمستهلكين من خلال تعويض النقص الحاصل بسبب توقف الإنتاجين الكويتي والعراقي.  

كذلك أشار الكاتبان بطريقة غير صحيحة إلى أن السعودية تزود الولايات المتحدة بنفط رخيص كمقايضة لسياسة أميركية واضحة للمحافظة على حصتها في أسواق النفط الرئيسية وبموجب هذه الاستراتيجية توفر السعودية كميات كافية من النفط الخام للولايات المتحدة والأسواق الأخرى.  

وفوق ذلك تبيع العربية السعودية نفطها الخام بالأسعار السائدة في الأسواق العالمية. فلا الدولة ولا شركة أرامكو السعودية تستطيع تحديد أسعار النفط الخام السعودي.  

وبسبب احتياطها النفطي الهائل تستطيع السعودية بكل سهولة زيادة إنتاجها من النفط لتلبية الطلب عليه لعقود قادمة. ولذا فإن الدول المستهلكة للنفط مثل الولايات المتحدة تستطيع الشعور بالراحة لضخامة الإنتاج السعودي الحالي والإمكانات المتوفرة ولرغبة المملكة المؤكدة لاستخدام النفط للمنفعة المتبادلة مع الدول المستهلكة في زمن الحاجة. كذلك فإن الموقف السعودي المسؤول يتمثل في الحفاظ على دورالمملكة التقليدي وتعزيزه كمزود رئيسي موثوق به للطاقة لدول الغرب وبقية دول العالم.  

يقول إدوارد مورس وجيمس ريتشارد إن العربية السعودية في سعيها للهيمنة على أسواق النفط الأميركية تقدم خصما بقيمة دولار واحد عن كل برميل لشركات النفط الأميركية. ولو افترضنا أن الواردات النفطية الأميركية من السعودية تصل إلى 1.7 مليون برميل يومياً، فإن هذا الخصم يؤدي إلى ما قيمته 620 مليون دولار سنويا كإعانة مالية للمستهلكين الأميركيين. وعلى الرغم من أن العملية الحسابية يمكن أن تكون صحيحة، غير أن تصنيف هذا المبلغ على أنه إعانة مالية إلى الشعب الأميركي خطأ ومضلل. وفي الحقيقة فإن السعودية لا تقدم خصما ولا إعانة للمستهلكين الأميركيين حيث أن ما يسمى خصم دولار واحد في سعر البرميل ليس بأكثر من فرق في أجور الشحن على السعوديين أن يتحملوه إذا أرادوا بيع نفطهم إلى أسواق الولايات المتحدة البعيدة، مفضلين هذه الأسواق على الأسواق الأوروبية والآسيوية.  

تشغل الشركات الأميركية مصافي نفطية غاية في التعقيد مع الاحتفاظ بدرجة كبيرة من المرونة حيث تقوم هذه الشركات باستمرار بتقييم الجدوى الاقتصادية لاستخدام الأنواع المختلفة من النفط وتتحول من أسلوب إلى آخر استناداً إلى هذا التقييم وأسعار المنتجات النفطية في الأسواق الأميركية.  

ولذا فإذا أرادت السعودية أن تسترد أجور الشحن الإضافية عن طريق زيادة أسعارها أو تحقيق نفس العائدات من نوع معين من النفط الخام من أسواق مختلفة فإنها ستجد حصتها في السوق قد تآكلت بفعل المنافسين الأقرب إلى هذه الأسواق. وتعتبر كندا، المكسيك، فنزويلا، والمنتجون في شمال أفريقيا منافسين للسعودية في الأسواق الأميركية.  

وكما ذكر الكاتبان تتوق السعودية للاحتفاظ بمركز مهيمن في الولايات المتحدة بسبب حجم سوق الأخيرة ونموه المحتمل بالإضافة إلى الاستقرار الذي يتمتع به. كذلك يوفر السوق النفطي الأميركي تنوعا وتسعى الرياض للحفاظ على مصلحة سياسية من خلال بقائها المصدر الرئيسي للنفط إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة إذا توقفت عن استيراد النفط السعودي، فمن الصعب تخيل سيناريو لا يكون فيه انقطاع تزويد المملكة للولايات المتحدة أثر على الأسواق الأميركية.  

ومع وضع طبيعة الأسواق النفطية في عين الاعتبار، فإن وقف صادرات النفط السعودية للولايات المتحدة سيكون له نفس الأثر على الأسعار. ولذا فإن الولايات المتحدة ستستمر في الدفاع عن السعودية وتدفق نفطها إلى الأسواق العالمية حتى لو انخفضت وارداتها النفطية من المملكة.  

وفي مناقشتهما للنمو المحتمل لإنتاج النفط في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وتأثيره على السعودية، يبدو أن الكاتبين جانبهما الصواب.  

فإذا بقيت الزيادة السنوية في هذه الدول في حدود النصف مليون برميل وحصل نمو في الطلب العالمي على النفط بالمعدلات التي أشار الكاتبان إليها فإن الطلب على النفط السعودي سيرتفع.  

يعتري المسؤولين السعوديين القلق بشأن النمو المحتمل في إنتاج النفط في روسيا وبحر قزوين منذ انهيار الشيوعية. وعلاوة على ذلك يغض الكاتبان النظر عن احتمال هيمنة العراق النفطية والذي لديه طاقة إنتاجية بمعدل لا يقل عن ست ملايين برميل يومياً. وإذا ما تسنى لهذا أن يتحقق بعد رحيل صدام، فإن ذلك سيكون له تأثير تجاري وسياسي على السعودية ودول الخليج الأخرى أكثر من الزيادات التدرجية في إنتاج النفط الروسي ونفط بحر قزوين.  

كذلك قبل الكاتبان فكرتين مغلوطتين واسعتي الانتشار حول الطاقة الإنتاجية الإضافية للسعودية، وتقول الفكرة الأولى التي يعتقد بها معظم المحللين أن السعوديين تمسكوا تقليدياً بخطة تدعو إلى الحفاظ على كمية معينة من القدرة الإنتاجية فقط من أجل الحفاظ على أسعار نفط مستقرة إذا حدث انقطاع لتدفق النفط لسبب ما.  

أما الفكرة الثانية فهي أن السعوديين تحملوا تكلفة هذه الخطة بسبب قلقهم العميق بشأن التأثير الشديد على المدى البعيد لتذبذب أسعار النفط.  

لكن تفحصا دقيقا لسياسة السعودية النفطية يكشف مفهوماً مختلفا تماماً. 

فقد ظهرت قدرة السعودية الإنتاجية ليس بسبب خطة مسبقة وبعيدة النظر، بل نتيجة لحساباتهم الخاطئة بشأن الطلب المستقبلي على النفط.  

فعلى سبيل المثال، وصل الإنتاج السعودي في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات إلى 10 ملايين برميل يومياً. ولكن بسبب الركود في الاقتصاد العالمي وعودة جزئية إلى الإنتاج الإيراني والعراقي السابق وقرار المملكة حماية أسعار النفط السائدة، انخفض الطلب على النفط السعودي بمقدار ثلاثة ملايين برميل عام 1985م. ولذا واجهت المملكة قدرة إنتاجية فائضة عن الحاجة لم تخطط لها ولعدة سنوات قادمة. إن مجرد توفر هذه القدرة الغير مستخدمة أفادت السعوديين أثناء الغزو العراقي للكويت. فقد تمكن السعوديون ليس بملء الفراغ الذي حدث بسبب انقطاع إنتاج النفط الكويتي والعراقي وحسب بل استطاعوا أيضاً استخدام طاقتهم الإنتاجية الإضافية كوسيلة مقايضة لإدامة حصتهم العالية نسبياً في الإنتاج. ولذا فإن أية محاولة لإظهار أن الطاقة الإنتاجية الإضافية للسعودية على أنها نوع من الإيثار أمر مضلل بشكل كبير.  

أبرزت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر تطورين لا بد لهما من أن يؤثرا على الناحية الجيوبوليتيكة للطاقة خلال العقد القادم. التطور الأول هو أن الدول المستوردة للنفط تحتاج إلى مواجهة مشكلة مقلقة تتمثل فيما سيحدث لو أن النفط السعودي توقف عن التدفق لسبب أو لآخر حيث دأبت السعودية على تعويض أي انقطاع للنفط في مكان آخر.  

أما التطور الثاني فهو أن الشركات النفطية الروسية دخلت مرحلة تحوّل تقوم الشركات خلالها بإعادة الاستثمار بكثافة من أجل هدف واحد وهو الحصول على أعلى العائدات بغض النظر عن موعد ومكان الاستثمار.  

ومنذ اجتمع ممثلو أوبك وروسيا في الخريف الماضي ارتفعت صادرات النفط والمنتجات النفطية في دول الاتحاد السوفياتي السابق بمقدار 690000 برميل يومياً، أي بزيادة قدرها 13.7% أي ما يعادل الكميات الإضافية التي بيعت في الأسواق خلال هذه الفترة.  

وتمثل البنية التحتية لخطوط النفط الروسية وموانئها إمكانات كبيرة لزيادة القدرة التصديرية وبالفعل بدأت شركتا يوكس ولوك أويل النفطيتان صادراتهما إلى الولايات المتحدة، وتعتقد الشركتان أن باستطاعتها زيادة حصة روسيا في السوق الأميركية من لا شيء تقريبا إلى حوالي 5% من الاستهلاك الإجمالي. 

وهكذا جاء دور روسيا. فمنذ نيسان/أبريل الماضي التزمت شركات شل، توتال فينا إلف وبي بي بعقود قد تجلب لها بلايين الدولارات كعوائد نفطية في الخمس سنوات القادمة. وقامت هذه الشركات بهذا العمل في سوق نام للنفط وديناميكي بشكل سريع. كذلك تقوم روسيا والقطاع الخاص فيها بإعادة الاستثمار كجزء من تحول في كامل الاقتصاد الروسي والذي من شأنه أن يجعل من الطاقة عنصراً أقل حيوية بالنسبة للناتج الكلي القومي في العقود القادمة.  

وبطبيعة الحال فإن الأحوال قد تتغير في كل من السعودية وروسيا ولكن هذا التغير يحتمل أن يكون نتيجة لظروف سياسية أكثر منها ما يتعلق بمصادر النفط.  

ويمكن للسعودية على سبيل المثال، أن تتخلى عن استراتيجيتها الخاصة بالأسعار وتختار كما فعلت عام 1985 بإغراق السوق النفطية بدلا عن ذلك، فتقوم خلال سنوات قليلة بمضاعفة إنتاجها وتخفيض سعر برميل النفط إلى أقل من عشرة دولارات. كما يمكن لها أيضا أن تحدث تغييراً ثورياً يؤدي إلى إنتاج أقل بكثير مما هو عليه الآن. وبالنظر إلى سعر برميل النفط الذي انخفض من حيث القيمة الحقيقية خلال العقود السابقة فإن اختيار استراتيجية حصة السوق ستكون ملائمة على المدى البعيد للسياسة السعودية الخاصة بزيادة قيمة موجوداتها من الطاقة المستهلكة لمصلحة مواطنيها.  

ويمكن مماثلة هذا الأمر بالشهية الروسية القوية التي استمرت لعقود في استهلاك نفط البلاد بسبب الصناعة غير الكفؤة التي كانت فيها. فحتى عندما وصل إنتاج الإمبراطورية السابقة إلى 12 مليون برميل يومياً لم تستطع تصدير أكثر من مليوني برميل يومياً. ولكن هذا الأمر ذهب إلى غير رجعة، وفي الحقيقة فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادر على إعادة هيكلة صناعة الطاقة الروسية ووضع حد للإعانات الخاصة والهائلة للطاقة في السوق المحلي.