العلاقات السعودية الأميركية – الحلقة الأولى

تاريخ النشر: 12 فبراير 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

تنشر صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية سلسلة مقالات عن العلاقات السعودية الاميركية التي شهدت خلال الفترة الماضية توترا غير مسبوق.  

"البوابة" تنشر الترجمة الكاملة لهذه الحلقات. وتاليا ترجمة المقالة الاولى التي ظهرت في عدد الاحد 10 شباط / فبراير الماضي. 

الغضب السعودي يكشف عن علاقات مهزوزة  

كان ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز في قصره بالرياض في الرابع والعشرين من آب/أغسطس الماضي يشاهد المؤتمر الصحفي المتلفز للرئيس الأميركي جورج بوش في تكساس حيث وُجه سؤال إلى الرئيس الأميركي حول عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي تعرضت للتقويض آنذاك بفعل موجة جديدة من العنف.  

قال بوش، "لن يفاوض الإسرائيليون تحت تهديد الإرهاب، وإذا كان الفلسطينيون حريصين على الحوار، فإن على السيد عرفات بذل جهوده مائة بالمائة لوقف الأعمال الإرهابية. وأعتقد من ناحيتي أن باستطاعته أن يعمل بشكل أفضل في هذا المجال".  

فسر الأمير عبدالله ملاحظات بوش على أنها تبرئة لإسرائيل ولوم للرئيس الفلسطيني في التسبب في تدهور الأمور، حسب ما جاء على لسان أحد كبار المسؤولين السعوديين.  

وقال المسؤول "إن الأمير السعودي، عبدالله بن عبدالعزيز، بصفته رجل أعمال متحمسا وعاطفيا، استشاط غضباً عند سماعه الرئيس الأميركي وقام بالاتصال بسفيره في الولايات المتحدة والذي كان يشاهد أيضاً المؤتمر الصحفي نفسه في مقر إقامته الفسيح في أسبن بولاية كولورادو الأميركية.  

قال الأمير عبدالله إنه يريد السفير السعودي بندر بن سلطان أن يقابل بوش في الحال وينقل له رسالة شديدة اللهجة كانت بمثابة الذروة لشهور من التوتر في العلاقات بين العربية السعودية وإدارة بوش الجديدة. 

وتتلخص هذه الرسالة التي نقلها الأمير بندر إلى مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس ووزير الخارجية كولن باول فيما يلي:  

"نعتقد من جانبنا أن الولايات المتحدة اتخذت قراراً استراتيجياً لربط مصالحها في الشرق الأوسط مائة بالمائة برئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون".  

وتواصل الرسالة "إن ذلك من حق الولايات المتحدة ولكن المملكة العربية لا تستطيع قبول هذا القرار".  

وتضيف الرسالة كما يقول المسؤول السعودي الرفيع مخاطبة الأميركيين "أنتم منذ اليوم من أوراغواي كما يقولون".  

"أنتم أيها الأميركيون اسلكوا طريقكم ونحن السعوديين سنسلك طريقنا، ومن الآن فصاعداً سنقوم بحماية مصالحنا القومية بغض النظر عن المصالح الأميركية في المنطقة".  

وقد صدرت التعليمات إلى السفير السعودي لدى واشنطن بقطع الحوار بين البلدين وأعلن السعوديون "إن الوقت قد حان لإعادة ترتيب حياتهم في الشرق الأوسط".  

كانت رسالة الأمير بندر بمثابة الصدمة لإدارة بوش، فكما حدث مراراً في السابق، فإن البلدين كانا صديقين حميمين ولكن مختلفين في عدة مجالات ولا يستمع أحد منهما للآخر، ولكن الولايات المتحدة حاولت بعد يومين لإصلاح علاقتها مع السعودية والتي تعد الأوثق مع دولة عربية وقام الرئيس بوش بنفسه بإرسال رسالة إلى الأمير عبدالله.  

 

أمتان يائستان  

إن عدم الاستماع إلى الطرف الآخر لا يساعد البلدين على الاحتفاظ بدعم فكرة أنهما حليفان وثيقان. وفي الحقيقة فإن الخلافات بينهما وصلت درجة كبيرة.  

فالعربية السعودية مملكة إسلامية تحكمها عائلة واحدة وهي قبيلة سعود الكبيرة بالتعاون مع إسلاميين متشددين وليست فيها صحافة حرة أو مؤسسات قانونية تتسم بالشفافية أو أية ضمانات لحقوق الإنسان أو الحقوق المدنية.  

لم يُبدِ أي من البلدين ميلا نحو مواجهة الخلافات الرئيسية التي تعصف بهما وذلك بعدم الاعتراف بوجودها، فقد تميزت العلاقات بينهما بعبارات دبلوماسية منها "لا تسأل" "لا تقل" وهي عبارات يقول عنها الأمير بندر يمكن أن تكون مستوحاة من آية كريمة.  

إن ما كان سهلا على المسؤولين في البلدين هو مصالحهما الذاتية، فالعربية السعودية تريد الحماية الأميركية.  

وكانت تحصل عليها دائماً، أما الولايات المتحدة فتريد النفط السعودي الذي تحصل عليه دائما أيضاً، والأمر الذي يسبب إزعاجاً هو أن الحليفتين لديهما القليل من الأشياء المشتركة غير الأمن والنفط.  

تساءل أحد مستشاري الرئيس الأميركي، برنت شكوكروفت، فيما إذا فهم البلدان بعضهما بشكل صحيح وكانت إجابته بالنفي. قال شكوكروفت: "أعتقد أننا تجنبنا الحديث عن الأشياء التي تسبب المشاكل بين البلدين لأن الأدب يحكم العلاقة بيننا".  

وفر النفط والأمن أساساً لبناء علاقات مثمرة بين الولايات المتحدة والسعودية منذ منتصف السبعينات حتى حرب الخليج الثانية عام 1991م. فبمساعدة من الولايات المتحدة تمكنت المملكة السعودية من تحويل نفسها من مملكة صحراوية تعود للقرون الوسطى إلى دولة حديثة وغنية. وقد ساعدت الأموال السعودية على تلطيف العلاقة بين البلدين ودعمت أهداف السياسة الأميركية من أفغانستان إلى نياكاراغوا في الوقت الذي دافع الزعماء السعوديون فيه عن المصالح الأميركية في مجلس التعاون الخليجي. 

أدت تداعيات هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001م إلى تنبه الأميركيين بأن حليفهم العربي عبارة عن حكم ملكي ثيوقراطي كان يدعم المتشددين الإسلاميين في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وما كان مدعاة للألم أن أسامة بن لادن و 15 من الإرهابيين الذين فجروا الطائرات في مبنى البنتاغون ومركز التجارة العالمي كانوا من السعوديين، وقد أدى ذلك إلى رد فعل أميركي غاضب أخاف السعوديين وأدى إلى اهتزاز ثقتهم في أهم علاقات دبلوماسية تربطهم بالولايات المتحدة.  

ولكن غضب الأمير عبدالله بن عبدالعزيز في آب/أغسطس الماضي أظهر أن العلاقة بين البلدين تعرضت للتوتر حتى قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر. قال تشاس فريمان الابن، سفير أميركي سابق لدى السعودية "اختفى الكثير من المصالح المشتركة بعد الحرب الباردة وحرب الخليج".  

فقد ظهرت خلافات حادة بشأن كيفية التعامل مع العراق وإيران، اثنتان من الدول التي وصفها بوش بمحور الشر، وهما جارتان للسعودية.  

أما الأمر الأكثر خطورة في العلاقات بين البلدين، فهو كيفية التعامل مع إسرائيل وعرفات والتي تسببت في المشكلة الغير مسبوقة بينهما في آب/أغسطس الماضي.  

فقد بدأ السعوديون يتساءلون عن قيمة التواجد العسكري الأميركي في بلدهم، ويبدو أن نقاط الخلاف مجتمعة بين البلدين تنذر بأن تربك المصالح المشتركة بينهما.  

سوف تتناول هذه المقالات ظهور "العلاقات الخاصة بين البلدين وتبحث المستقبل غير المضمون لها في ظل الضغط الأميركي باتجاه الحرب على الإرهاب بعد أفغانستان.  

وتستند هذه المقالات إلى وثائق رسمية وأكثر من 60 مقابلة مع مسؤولين أميركيين ومحللين سعوديين رفيعي المستوى ومسؤولين طلب كثيرون منهم عدم ذكر أسمائهم. وقد رفض مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى مناقشة حادثة آب/أغسطس أو مستقبل العلاقات الأميركية السعودية وذلك على ما يبدو بسبب الحساسية المفرطة في العلاقات بينهما. قال سيان ماكورماك، الناطق باسم مجلس الأمن القومي "قررنا وسوف لن نشارك في هذه المقالات".  

 

تطلعات طموحة  

بدأ عام 2001 مفعماً بالأمل لدى السعوديين حيث أن الرئيس الأميركي الجديد ابن الرئيس الأميركي الأكثر شعبية لدى السعوديين، جورج إتش دبليو بوش كبطل قومي لدوره في حماية المملكة من الرئيس العراقي صدام حسين في عامي 1990-1991م. وقد كان السعوديون يتطلعون إلى الكثير من الرئيس الابن.  

تحولت هذه التطلعات إلى خيبة أمل مريرة مع الوقت وخاصة بسبب تدهور العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، فقد أخذ الإحباط ينمو في كافة أرجاء العالم العربي من جراء وقوف الولايات المتحدة صامتة حين تصاعدت أعمال العنف بين الطرفين. ووفقاً للمصادر السعودية فقد أثار ذلك الموقف الأميركي غضب الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية وحاكمها الفعلي.  

وقد تنبه الأميركيون إلى غضب الأمير عبدالله وحاولوا مرارا لتهدئته، حسب ما ذكر مسؤولون أميركيون، فقد دعاه بوش لزيارة واشنطن كما أن جورج بوش الأب هاتف الأمير عبدالله ليؤكد له أن الرئيس الأميركي الجديد يضمر الخير للمملكة ولكن الأمير عبدالله رفض كافة هذه المحاولات.  

 

الاحباط يظهر بوضوح 

كانت فلسطين وإسرائيل هما الموضوع الحساس في العلاقات الأميركية السعودية منذ الاتصالات الأولى بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبدالعزيز بن سعود.  

فقد أثارت الانتصارات الإسرائيلية في المعارك مع العرب حفيظة السعوديين وأدت إلى قيادتها لحظر نفطي ضد الولايات المتحدة عام 1973م. وبعد أن تسلم آرييل شارون منصبه كرئيس لوزراء إسرائيل في شباط/فبراير عام 2001م، ضغط السعوديون على الأميركيين باستمرار لكبح جماح شارون وإعادته إلى مائدة المفاوضات.  

وفي سلسلة من الرسائل إلى بوش وواشنطن أوضح الأمير عبدالله بن عبدالعزيز عن الإحباط الذي يشعر به، فقد تساءل الأمير عبدالله في مقابلة مع صحيفة الفايننشال تايمز في حزيران/يونيو الماضي قائلاً: "ألا يرون ما يحدث للأطفال الفلسطينيين والنساء والشيوخ"؟!. وقال مرافقوه: "كان الأمير يشاهد ذلك بنفسه على شاشة التلفزيون كل ليلة"، وكان التلفزيون السعودي يبث مشاهد عن المواجهات والإجراءات الإسرائيلية العسكرية والقمعية في كل نشرة أخبار.  

ولكن إدارة بوش لم تستجب ولم تتخذ أي إجراء من شأنه إيقاف العنف، كذلك سعت الإدارة الجديدة للنأي بنفسها عن سياسة سلف الرئيس بوش وهو الرئيس كلينتون الذي بذل الجهود الأخيرة الجادة للتفاوض حول التوصل إلى اتفاقية سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل في الأسابيع الأخيرة من رئاسته. قالت إدارة بوش للإسرائيليين والفلسطينيين إذا كنتم تريدون استئناف عملية السلام فعليهم القيام بذلك بأنفسهم.  

وفي تموز/ يوليو الماضي أصدر السعوديون بيانا باسم الملك فهد يحذرون إسرائيل من مغبة "أفعالهم المبرمجة" ضد الفلسطينيين التي قد تؤدي إلى دخول المنطقة في مرحلة خطرة. وبعد ذلك بأسبوعين صرح نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، في مقابلة معه وبدا وأنه يؤيد الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الذين تتهمهم إسرائيل بالإرهاب، مما أغضب السعوديين أكثر.  

وفي 9 آب/أغسطس الماضي كتب السفير السعودي في لندن، غازي القصيبي، مقالة في صحيفة "الحياة" الصادرة في لندن يسخر فيها من بوش قائلاً إنه لا يعرف شيئاً وتحكمه مجموعة من العقد، أولها عدم الرغبة في الظهور كوالده أو سلفه. قال القصيبي: "إن الرجل خلق لأميركا في بضعة شهور أعداء يستحق عليها جائزة جديدة تسمى "جائزة تحويل الأصدقاء إلى أعداء دون جهد".  

وقد علم الدبلوماسيون السعوديون أن بوش لم يكن سعيدا بهذه المقالة.  

وفي ليلة 23 آب/أغسطس توغلت الدبابات الإسرائيلية أكبر مسافة داخل أراضي الضفة الغربية في مدن الخليل مما شكل تصعيداً جديداً في الصراع.  

وفي نفس اليوم ووفقاً للمسؤولين السعوديين، شاهد الأمير عبدالله بن عبد العزيز صورا إخبارية من الضفة الغربية لجندي إسرائيلي يطرح امرأة فلسطينية أرضا ويدوس على رأسها بحذائه، وشعر الأمير أن "منظر امرأة يقوم رجل بضربها يمثل قمة الإهانة".  

اتصل الأمير عبدالله بسفيره بندر الموجود في واشنطن بعد مشاهدته هذه المناظر.  

الأمير بندر هو ابن وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وكانت أمه جارية ولم يعترف به والده ابناً شرعياً إلا حين بلغ سن المراهقة. تدرب بندر على الطيران وعين ملحقاً عسكرياً في السفارة السعودية في واشنطن للضغط على الكونغرس للموافقة على إبرام صفقة لبيع المملكة طائرات مقاتلة من طراز F-5 ولتعلم السياسة الأميركية. وكان عمره فقط 34 عاماً حين عينه الملك فهد سفيرا للسعودية لدى واشنطن عام 1983م.  

ومع مرور السنين أصبح الأمير بندر يجسد العلاقة السعودية الأميركية، فقد ساعده سحره وموهبته الاجتماعية الوصول إلى أرفع المسؤولين الأميركيين وأصبح صديقاً شخصياً للرئيس بوش الأب حيث كان يوجه له الدعوة لحضور احتفالات عائلية في مجمع بوش بمدينة كيمدبنكبورت في ولاية صن.  

وبحسب ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية كان بندر بن سلطان هو السفير الوحيد الذي يعلم الرموز الأمنية الخاصة بوزارة الخارجية والتي أعطيت له بسبب "التهديدات" وبصفته أميراً.  

وعندما اتصل به الأمير عبدالله ذاك اليوم من شهر آب/أغسطس كان بندر في أسبن في المجمع الضخم الذي بني هناك، وعندما عاد إلى منزله- وفقاً للمسؤول السعودي- كان الوقت منتصف الليل في الرياض حينئذ. أي أن الوقت متأخر جدا للتحدث مع الأمير عبدالله. وفي اليوم التالي، وبعد مؤتمر بوش الصحفي، اتصل الأمير عبدالله به للمرة الثانية ليبلغه الرسالة إلى بوش.  

كان المسؤولون في السفارة السعودية في واشنطن يعتقدون أن الإدارة الأميركية ستسلمهم الرد خلال بضعة أيام ولكن الرد جاء بعد 36 ساعة فقط. قال مسؤول أميركي رفيع، أبلغنا أن هناك رداً جاهزاً يجب إرساله إلى السعوديين ويجيب على كل نقطة". التقط الرسالة وأخذها بنفسه إلى ولي العهد السعودي بالرياض.  

 

رسالة حاسمة من بوش  

قال مسؤول سعودي، "كانت الرسالة بالنسبة للسعوديين نوعاً جديداً، فالأشياء التي احتوتها الرسالة لم تكن من الأشياء التي تكتب عادة".  

ووفقاً للرواية السعودية فإن بوش لخص موقفه المحايد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي بطريقة تختلف بصورة كبيرة عن مواقف شارون من عملية السلام.  

قال مسؤول سعودي، "إن موقف بوش كان عنصراً أساسياً في الرؤية الأميركية لتسوية سلمية كانت مقبولة من السعوديين ومختلفة عن أي خطة إسرائيلية".  

وبحسب المسؤولين السعوديين، فقد أعطت رسالة بوش الموافقة على فكرة إقامة دولة فلسطينية قابلة للبقاء في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما أن بوش عبر عن رغبته في البدء بالمشاركة الأكثر فاعلية في عملية السلام.  

قال المسؤولون السعوديون، "إن جزءاً مهماً من رسالة بوش المؤلفة من صفحتين كان حول شكاوى الأمير عبدالله بن عبدالعزيز من الطريقة التي يعامل فيها الإسرائيليون الفلسطينيين في المناطق المحتلة.  

وكان الأمير عبدالله قال في الرسالة التي بعث بها إلى بوش- حسب المسؤولين السعوديين-  

"أرفض التحيز الأميركي لإسرائيل الذي جعل دم الطفل الإسرائيلي أغلى وأكثر قدسية من دم الطفل الفلسطيني. أرفض كلام الذين يقولون إن قتل الفلسطينيين هو دفاع عن النفس، إنه عمل إرهابي". وأشار الأمير كذلك إلى المنظر الذي شاهده على شاشة التلفزيون للجندي الإسرائيلي وهو يدوس بحذائه على رأس امرأة فلسطينية.  

وفي رد على الأمير عبدالله- حسب المسؤولين السعوديين- قال بوش: "أعتقد أن دم الناس الأبرياء هو واحد سواء كانوا إسرائيليين أم فلسطينيين، يهوداً أم مسيحيين أم مسلمين". وذكر المسؤولون أن بوش رفض إهانة الأفراد التي تحدث عنها الأمير عبدالله حين أخذ الجندي الإسرائيلي يدوس بحذائه على رأس المرأة الفلسطينية. 

من المستحيل التكهن بماذا يمكن أن يكون قد حدث لو لم يقم بوش بالرد بسرعة على رسالة الأمير أواخر آب/أغسطس الماضي. وقال مسؤولون سعوديون إن الأمير أبلغ الأميركيين بأن الحكومة السعودية ستدعو لاجتماع قمة عربي لمناصرة الفلسطينيين، كما أنهم أي السعوديون هددوا بوقف التعاون الاستخباري مع الولايات المتحدة وكذلك إعادة النظر في التعاون العسكري بين البلديين.  

وقد كان تهديد الأمير عبدالله أكثر وضوحا في 24 آب/أغسطس الماضي حين وصل رئيس الأركان السعودي اللواء صالح علي بن محيا إلى السعودية والولايات المتحدة. وكذلك في الخامس والعشرين من الشهر نفسه حين تكلم مع الأمير بندر عبر الهاتف. فقد أمر الأمير عبدالله رئيس أركان جيشه بالعودة فورا إلى الرياض دون مقابلة الأميركيين. كذلك أمر وفداً يتكون من 40 من كبار الضباط الذين كانوا سيتوجهون إلى واشنطن بالنزول من الطائرة.  

قرر الأمير عبدالله إطلاع الرؤساء العرب بمن فيهم الرئيس المصري حسني مبارك على رسالته إلى بوش التي كانت تتكون من 25 صفحة وجواب بوش عليها المؤلف من صفحتين، كما أنه استدعى الرئيس الفلسطيني عرفات إلى الرياض حيث كان في جنوب أفريقيا للاطلاع على الرسالتين.  

وبحسب المسؤولين السعوديين، فقد حصلوا من عرفات على تعهد يلبي مطالب بوش من عرفات لاستئناف عملية السلام وقاموا بإرسالها إلى واشنطن. وقد أعاد ولي العهد السعودي الرسالة إلى بندر وطلب منه تحويلها إلى سياسة وأفعال عن طريق حث الرئيس بوش على الظهور علنا والإعلان عما ذكره في رسالته إلى الأمير عبدالله.  

كان بندر مقتنعا أن المواقف التي ذكرها الرئيس بوش في رسالته خلال 36 ساعة من تسلم رسالة الأمير عبدالله يمكن أن تكون مواقف تفكر فيها الإدارة الأميركية وأنها كانت بانتظار الوقت الملائم للإعلان عنها.  

وفي 7 أيلول/سبتمبر قام بندر بإخبار المسؤولين الأميركيين أن العربية السعودية كانت سعيدة وشاكرة لتكتشف أنها كانت مخطئة في قراءة موقف إدارة بوش إزاء الشرق الأوسط، كما أعلمهم بأن السعودية ستستمر في حماية المصالح الأميركية، كما أن الأميركيين أشاروا إلى رغبتهم في إصدار مبادرة جديدة حول الشرق الأوسط فوراً.  

وقد وصف المسؤولون السعوديون الموقف الأميركي بأنه تغير كبير في موقف إدارة بوش الذي استمر سبعة شهور.  

وفي عطلة نهاية الأسبوع 8-9 أيلول/سبتمبر ناقش المسؤولون من البلدين ما يمكن أن يحصل أولا: خطاب لبوش أو باول أو ربما كلاهما.  

كما كان هناك نقاش حول اجتماع لعرفات وبوش على هامش اجتماع الأمم المتحدة في وقت لاحق من أيلول/سبتمبر.  

سعد المسؤولون السعوديون بهذه التطورات وكان أسعدهم السفير بندر بن سلطان الذي قال إنه كان يعمل حتى الرابعة صباحاً.  

وفي 11 أيلول/سبتمبر وكان يوم الثلاثاء، تلقى بندر أسوأ خبر في حياته المهنية، فقد تبخر الأمل بمبادرة جديدة للسلام في الشرق الأوسط، قال بندر: " حين علمت أن معظم خاطفي الطائرات كانوا من السعوديين، شعرت أن المنزل انهار فوق رأسي".