العصافير تغني الأن

تاريخ النشر: 16 أبريل 2008 - 04:52 GMT

علي السوداني

 

 قبل ستة شهور، حط على سور مائدتي رجل من اهل عمون اسمه مدين مصطفى، مسحول بوساطة رجل من أهل الله وأهلها أيضا اسمه خالد ابو الخير. الأول شُغلته الإخراج والانتاج، فأما الاخراج فلا صلة له بتخليص المصدرات من الموانئ والمعابر والمرافئ، بل هو مما يعمل في انجاز افلام تعرض على النظارة بوساطة الشاشات السود والملونات، والانتاج منه ومن مكملاته. واما الثاني فهو من الشغالين المبدعين الكادين الكادحين في الجرائد وأيضا في الكتابة الادبية الصرف التي منها القصة وقصارها والشعر والنثر. فدارَ الكلام كما رحى فوق رز، وكان الطحين مقترح سيناريو لمصيبة عظمى، فأخبرتهما: يا صاحبيّ إنني مخلوق من أرض المصائب والمصاعب، وما هي الا سلة كؤوس عاليات دانيات رانّات حتى انولدت الثيمة وتباركت الوليمة وهجرت حليمة، تنبلتها القديمة.

سيناريو ابتدائي عنوانه حتى اللحظة ''من كتاب الشحة''. دارت الكاميرا محمولة فوق كتف مدين ودرت قدامها بوصفي بطلاً اوحد حتى انجز العمل وتحققت معه فكرة قد تبدو عجيبة، وهي فكرة ان السيناريو سينمو ويسمن في كل يوم تصوير أو قعدة حان وذلك مما وقع. من جزيئات الفيلم أن احد مشاهده كان استدعى وجود عصفور ميت ينام في قفص عتيق، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن عصفور ميت، وكانت وجهتنا سوق الطيور الذي لم نعثر فيه على هذا الموت المروع. اقترح علينا بائع ان نأتيه غدا علّ أحد عصافير الدكان تنفق. رفضنا مقترح الرجل لأننا شممنا فيه رائحة جريمة مباعة او هكذا سوّلت لنا نفسانا. درنا في شوارع وازقة المدينة وارحنا عجيزتينا تحت اشجار الصفصاف والكالبتوس والزيتون، لكن العصافير كانت كلها تزقزق وتغني ولم تمنحنا سوى الذروق. عدنا الى محترف عبد العزيز ابو غزالة وقصصنا عليه الحكاية، فاقترح واحد من السمّاعين أن نأتي بعصفور ونضعه في كيس نايلون ونحكم غلقه وما هي الا حفنة دقائق حتى يموت العصفور. ذهلنا من هذه النصيحة الدامية وتفطرت افئدتنا قهراً ووجعاً. قال قائل من أهل المكان أن اجلبوا العصفور واحبسوه في بطن القفص وامنعوا عنه الماء والأكل وستجدونه جثة ساكتة بعد يوم. ناصح قال: أعيدوا الكرّة على سوق الطيور وامكثوا عند المزبلة سويعات واصبروا حتى تنالوا مرادكم، فرفضنا ثلاثتنا وأبينا الخنوع لأن في الأمر دعاء بموت عصفور.

يقول الياس فركوح في احدى شطحاته المدهشة إن ''طيور عمّان تحلّق منخفضة''، لكن تلك الإزاحة بدت كما لو أنها فخ نائم. ومع مولد كل مقترح موت جديد، كانت تنرسم قدامي صورة طفلي الحلو ''نؤاس''، فأعود الى الدار راكضاً، أضم الولد الغض الضعيف، بقوة الى صدري، حتى ليكاد يدخل بين الضلوع كما عصفور مبلول محبوس في قفص!!

صورة كادت تقتلني وصحبي حتى اهتديت الى تأويل كان هو المخلّص من هذا الألم الشاسع. تصوير المشهد بقفص فارغ. ومن يرى قفصاً، سيرى حتماً عصفوراً افتراضياً، ولكي تبرد قلوبنا وتقنع عقولنا بهذا التفسير الرحيم، قلنا إن فكرة وجود طائر مسجون داخل قفص هي فكرة مستهلكة ومباشرة وسطحية ومكرورة، وكان عملها يوسف شاهين في فيلم ''العصفور'' قبل أربعين سنة!

موت عصفور كان فتّت قلوبنا وطوّف مآقينا بالدمع، فكيف بك -بغداد حبيبتي أم العصافير- وقد صرت عصفورة نائمة في قفص الغزاة؟.

 

 

* كاتب عراقي مقيم في عمّان

[email protected]