الصحف العربية تدق طبول الحرب وتؤكد أن باراك في متاهة

تاريخ النشر: 21 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

فرضت عملية تحول الانتفاضة من ثورة شعبية بالحجارة إلى شبه حرب بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي على كتاب الصحف العرب، لغة تحليلية أكثر منها إنشائية أو انفعالية، اتفقت جميعها على اعتبار "إرتباك" الجنرال باراك مقابل إصرار فلسطيني على الرد بقوة"، نذير حرب شاملة، وأن مساحة أي مبادرة سلمية تحت هذه الظروف، ستضيق مع ازدياد التصعيد يوما بعد يوم. 

فقد تضمنت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية مقالا مطولا شبيها بالدراسة، كتبه القيادي الفلسطيني المخضرم بسام أبوشريف، العارف ببواطن الأمور في ما يتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي، والذي يدعو تحت عنوان "انقلاب عسكري غير معلن في إسرائيل"، العراق ودول المواجهة المباشرة مع إسرائيل، ودوائر استخباراتها العسكرية إلى "تعديل المقاييس التي تستخدمها عادة في التعامل مع المعلومات التي تردها من إسرائيل، ومؤسستها العسكرية وخططها للقيام بعمليات عسكرية خارج الحدود"..  

ويشير مبررا دعوته تلك إلى أن "هذه الدول العربية جميعها موضوعة على جدول أعمال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي أعدت لكل منها خططا ودرست أهدافا محددة في كل من هذه الدول لضربها في الزمان الذي تحدده إسرائيل".  

ثم يشرح أبوشريف كيف "فضحت الانتفاضة الفلسطينية الطبيعة الجديدة للعلاقة بين العسكر والسياسيين في إسرائيل"، ويقول "بما أن وجهة نظر العسكريين كانت وما زالت أن الحل هو كسر عظام الفلسطينيين ودكها، فقد كان رأيهم يسود ويتغلب حتى على رأي باراك"، ويضيف "كلما جنح باراك تحت تأثير الضغط الدولي للتهدئة، ثار الضباط، فرضخ باراك!"  

ويرى أبوشريف أن الخطر امتد إلى درجة أن "هذا الوضع ظل قائما إلى أن حسم باراك موقفه لصالح التحالف والائتلاف مع المؤسسة العسكرية، فهمش تهميشا كاملا الوزارة الإسرائيلية، واستعاض عنها بالوزارة المصغرة واجتماعاته الخاصة بكبار ضباط الجيش والمؤسسات الأمنية".  

ويوضح أبوشريف كيف أن "باراك بدلا من أن يصطدم مع المؤسسة العسكرية التي بدأت فعليا تصادر القرار وتنفذ حسبما تراه هي مناسبا لها ولرؤيتها، قرر أن يكون على رأس الانقلاب العسكري غير المعلن في إسرائيل، وأن يتحول مرة أخرى لضابط عمليات خاصة لا يثق إلا بالضباط الذين يحيطون به ويعملون معه". ويخلص أبوشريف بعد أن شرح الحالة العسكرية الإسرائيلية بإسهاب، وبعين الخبير المختص، إلى أن على الدول المعنية "أن تبدأ بتنفيذ خطط للدفاع عن النفس وعدم السماح لمغامرة العسكريين الإسرائيليين أن تمر بسلام".  

ويكتب الكاتب والباحث اللبناني د. رغيد الصلح في صحيفة "الاتحاد" الإماراتية وتحت عنوان "عندما طالب باراك نتنياهو بتجنب إثارة الفلسطينيين" عن تحذير باراك بصفته زعيما لحزب العمل في نهاية عام 1997 لبنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك "من احتمال انفجار حرب عصابات فلسطينية إذا لم يحصل الفلسطينيون على الاتفاق الذي يرغبون به".  

ويرى د.الصلح أن هذا التحذير كان ينطوي على "مبالغة في التمييز بين حزبي العمل والليكود من ناحيتين مهمتين: الأول هو أن حزب العمل يملك مشروعا للتعامل مع الفلسطينيين وللتفاهم معهم يختلف عن مشروع ليكود، والناحية الثانية هي أنه تأسيسا على هذا الاختلاف بين الحزبين، فإن العلاقة الأميركية الإسرائيلية سوف تكون أفضل في ظل حكومة العمل منها في ظل حكومة ليكود".  

ويشير د.الصلح إلى أن معالم المبالغة الأولى ظهرت بوضوح خلال الأسابيع الفائتة "فحكومة باراك لم تقدم إلى الفلسطينيين مشروع اتفاق يمكنهم الموافقة عليه.." وأما معالم المبالغة الثانية، فيرى أنها "لم تظهر بعد لأن العلاقات بين الإدارة الأميركية من جهة وحزب العمل من جهة أخرى لا تزال جيدة" ورغم هذه التوترات البسيطة إلا أن الصلح يتساءل "هل يعني ذلك أن باراك كان على حق في هذه النقطة بالذات؟".  

ويجيب د.الصلح عن تساؤله بنفسه ويقول "إن العلاقة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية تتأثر باعتبارات متعددة ومتنوعة، منها ما يمس عملية السلام، ومنها ما لا علاقة مباشرة له بهذه العملية"، ويضيف "هناك الفرق بين نظرة حزب ليكود التي يغشاها الشك والتقريع تجاه الغرب، وبين نظرة حزب العمل الذي يعتبر إسرائيل امتدادا للغرب في الشرق الأوسط، وعامل الأيديولوجيا والقرابة الفكرية بين الأحزاب الحاكمة، وكما يفضل الحزبان الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة أن يتعاملا مع أقرانهما في الدول الأخرى.. فإنهما يفضلان التعامل مع أحزاب مماثلة في إسرائيل". 

ويستعرض د.الصلح تفاصيل وخبايا العلاقات الأميركية الإسرائيلية، ليرى أن الاستراتيجية الثابتة هي دعم إسرائيل من أميركا، ولا فرق بين نتنياهو وباراك أو ليكود وعمل.  

ويؤكد إبراهيم نافع في زاويته "حقائق" في صحيفة "الأهرام" المصرية أن "الساحة الفلسطينية ستظل مسرحا يغيب عنه الهدوء إلى أجل لا يعلمه إلا الله. ما بقيت إسرائيل على إصرارها الذي يبلغ حد العناد"، ويشير إلى أن إسرائيل "لا تزال على ارتباكها، ولم تتوصل إلى منهج سياسي عقلاني لإدارة الأزمة، ومن ثم فإنها تستسهل اللجوء إلى الخيار السهل وهو خيار الرصاص والقوة والسلاح" ويضيف نافع أن "تكسير العظام الفلسطينية، يقوي الإرادة الفلسطينية ويقوي التحدي الفلسطيني مهما تكن الخسائر في الأرواح والأموال". 

ويوضح نافع مواطن الضعف في الطرف الإسرائيلي فيقول إن "المقاتل الإسرائيلي هو -في كل الأحوال- مهاجر تم اقتلاعه من أوطانه وتم تهجيره إلى هذه الأرض العربية تحت مزاعم العودة اليهودية"، وبناء على ذلك يفسر نافع كيف أن هذا المقاتل "يرتعش أمام الحجر ويرتعد أمام طفل فيوغل في الهجوم مندفعا بفيض من الغرائز التي لا تعرف العقل والحكمة".  

ويختم نافع مقاله بحقيقة مفادها "أن دولة تخاف من حجر في يد طفل بريء، هي دولة في حاجة لأن تقف مع نفسها طويلا، وتتساءل عما إذا كانت بالفعل دولة أم ما تزال الطريق أمامها طويلة؟".  

أما جلال دويدار من صحيفة "الأخبار" المصرية فيقول تحت عنوان "خطر العنصرية الإسرائيلي"، "رغم أننا ندين عمليات قتل الأطفال الأبرياء سواء كانوا فلسطينيين أو إسرائيليين، إلا أننا نشعر بالدهشة من التفرقة في التعامل مع هذه القضية"، ويتابع "لقد قتل الجيش الإسرائيلي عشرات الصبية الفلسطينيين دون أن يتحرك لجنوده ولدعاة حقوق الإنسان في العالم جفن".  

ويطالب دويدار أمهات وآباء "الأطفال الإسرائيليين الأبرياء، الذين تنفطر قلوبهم وتحرقهم الحسرة أن يجنحوا إلى الحق والإنسانية، وأن يضعوا أنفسهم مكان الأمهات والآباء الفلسطينيين الذين فقدوا العشرات من أبنائهم".  

ويشبه دويدار نظرة بعض الإسرائيليين للفلسطينيين بالنظرة النازية" إلى حياة ودماء اليهود والكثير من جنسيات العالم خلال أحداث الحرب العالمية الثانية" ويقول إن "هذا السلوك النازي العنصري العدواني هو أخطر أعداء إسرائيل والإسرائيليين، كما أنه يمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام".  

وتنتقد الكاتبة سحر بعاصيري من صحيفة "النهار" اللبنانية في مقالها بعنوان "ويقولون إرهابا" قصف الإسرائيليين الوحشي لغزة، الذي جاء كرد فعل إزاء ما اعتبرته إسرائيل اعتداء خطيرا ذا طابع استراتيجي، وتقول "مع أن حجم الهجوم على الأوتوبيس لا يوازي حجم الرد الإسرائيلي، فإن وصف الهجوم بأنه "ذو طابع استراتيجي" يدل على أن إسرائيل تتصرف من إدراك أن حرب المستوطنات انفتحت على كل الجبهات، وهذه حرب لا هوادة فيها من الجانبين".  

وترى الكاتبة أن "المستوطنات بالنسبة إلى إسرائيل ليست المرض الذي تنخر به الجسم الفلسطيني فحسب، بل إن التمسك بها.. مقياس لقدرة حكومة باراك على قمع الانتفاضة وتاليا قمع أي طموح فلسطيني".  

وتقول الكاتبة "ثمة في عملية الأوتوبيس ما يستوجب التوقف عنده وهو طبيعتها، فلا خلاف على حق الفلسطينيين في المقاومة، لكن هذه العملية من نوع العمليات التي يدينها العالم، ذلك أن خطرها لا يكمن في وصفها بالإرهاب فحسب، بل في إمكان أن يسحب المجتمع الدولي هذا الوصف على كل أعمال المقاومة المشروعة".  

وتوضح أنه لا يجب "منح باراك هذا الامتياز، لأنه سيحول الحقيقة ضبابا".  

وتتساءل الكاتبة عن ماهية المقاييس التي تحرك باراك، والخطة التي ينفذها، وتقول "هل يسعى باراك إلى ضرب الانتفاضة بتحويل حربه عليها حربا على عرفات؟".  

ويشن الكاتب أكرم هنية من صحيفة "الأيام" الفلسطينية هجوما شديدا على وحشية الاحتلال الإسرائيلي، ويحمل باراك مسؤولية الدم الفلسطيني ويحذر في مقال تحت عنوان "حربهم.. انتفاضتنا"من مغبة هذا التمادي ويقول "يستطيع الجنرال ايهود باراك أن يعرف بدقة قبل أن يخلد للنوم كل ليلة، كم طفلا فلسطينيا قتل جنوده في نهار اليوم الفائت، ويستطيع أن يحصي كم بيتا فلسطينيا تضرر بالقصف الليلي، غير أن الجنرال الضائع في متاهته، لن يكون قادرا على التنبؤ بأحداث اليوم التالي".  

ويشير هنية إلى أن خطوات باراك التصعيدية المتتالية "توسع المواجهة وطبيعتها ومستواها" بل "وتدفعها بإصرار إلى تخوم جديدة قد تبدو تفاصيل تضاريسها مجهولة".  

ويؤكد أن الانتفاضة "نجحت منذ الحجر الأول والشهيد الأول أن تعيد الموضوع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى صورته الأساسية.. وهي شعب أعزل في مواجهة احتلال استيطاني".  

ويرى هنية أنه "بين الانتفاضة الشعبية التي تطرح برنامج السلام العادل، وبين مملكة الجنرالات التي تقترح برنامج الحرب والاستيطان والاستسلام هناك مساحة وهامش للتحرك نحو منطق الشرعية الدولية، غير أن رصاص وقذائف الاحتلال تضيق هذه المساحة كل يوم".  

وفي زاوية (رأي القدس) من صحيفة "القدس العربي" العربية الصادرة في لندن مقال بعنوان "باراك يغرق في دوامة الارتباك"، يرى كاتبه أن "تصعيد حكومة ايهود باراك في سياسة العقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، سيقود في النهاية إلى أزمة اقتصادية في إسرائيل، ناهيك عن تشويه صورتها عالميا". ويضيف "فإذا كان الاقتصاد الفلسطيني في محنة بسبب سياسات الإغلاق والحصار، فإن الاقتصاد الإسرائيلي يقف على أبواب أزمة ستكون لها انعكاساتها السلبية على المدى البعيد". ويؤكد أن "الأهم من كل هذا أن صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية تمثل الحضارة الغربية قد هبطت إلى الحضيض".  

ويطالب كاتب "رأي القدس" الفلسطينيين في نهاية مقاله بالمزيد من الصبر والصمود موضحا أن "قصف إسرائيل لقطاع غزة بهذه الطريقة الوحشية هو دليل ارتباك ويأس وليس دليل قوة". –(البوابة)