الشاعر سميح القاسم يحاكم الروائي سميح القاسم

تاريخ النشر: 09 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يقول الشاعر الفلسطيني سميح القاسم إن علاقته مع الرواية بريئة، في حين أن علاقته مع القصيدة تختلف:" ثمة التزامات مع القصيدة، وعلاقة قديمة. ثمة تورط حقيقي مع القصيدة. أما مع الرواية فالعلاقة هي علاقة مغازلة. أنا أغازل الرواية. إذا أتت أهلا وسهلا، وإذا لم تأت فلا اهتمام يذكر. في حين ان علاقتي مع القصيدة من نوع اخر" 

جاء ذلك في حوار أجرته معه صحيفة "البيان" الإماراتية ونشرته اليوم ، يقول القاسم :" كاتب الرواية يجب أن يكون إنسانا عاش أدق تفاصيل المدينة، عاش أدق تفاصيل القرية، سافر كثيرا، تعرف على أنماط بشرية هائلة.ألوان، عناصر، أجناس، لغات. هذه هي متطلبات الروائي في اعتقادي"وأضاف:" أنا لا اتفق مع جبرا إبراهيم جبرا، في "أن الرواية بنت المدينة، بنت العلاقات المتشابكة المعقدة. بنت نمو المدينة الحديثة وتعقيدات الحياة فيها تصوره"، إلا إذا كان جبرا قصد الكاتب ولم يقصد الرواية".  

وأكد القاسم أنه لا يمكن أن يكون هناك روائي ناجح إلا إذا كان على ترحال دائم، متورط بالحياة بكل نواحيها، أما الرواية نفسها كعمل، فليس بالضرورة ان يكون موضوعها بالمدينة وأشار إلى أن كازانتزااكيس عمل روائع عن قرية صغيرة في اليونان. كما أن روائيا تركيا هو ياشار كمال كان رائعا ومذهلا في روايته "ميميد الناحل" (محمود الناحل) وهي رواية ريفية عن بر الأناضول.  

وأضاف:" يجب أن يكون الروائي نفسه متمكنا من المدينة، ليس ككم معماري، بل من المدينة كحياة. والفرق بين المدينة والقرية هو في النفس البشرية، بين النفس البشرية الغنية والمتعددة، التي لديها عدد هائل من العيون والمجسات، وبين النفس البريئة الطاهرة التي عندها عينان تنظران من نافذة فلا تريان سوى قمر وشجرة وبقرة وامرأة تنشر غسيلا.. هذا المشهد الريفي غير كاف لروائي. ولكن يمكن أن يكون جيدا كجزء من رواية، وأنا اعتقد ان ابن المدينة يمكن ان يكتب عن الريف افضل بكثير مما يستطيع ابن الريف ان يكتب عن الريف" 

دهشة الرؤية 

ويرى القاسم أن ابن الريف لا يحس الريف بالعمق الكافي، ولا يراه في إطاره الشامل، ويقول: "أنا ابن الريف، ساكن في بيت على سفح جبل علوه حوالي ثمانمائة متر فوق سطح البحر، والشتاء فيه ثلوج ورعود وصواعق، ولكن بيتي بالنسبة لي بيت عادي وموقعه جيد، وعندما يأتي إلي ضيوف من المدينة يدهشون، يذهلون لما أراه أنا عاديا. يصعقون من الشجرة، كيف طالع جذعها.. بالنسبة لي كل ذلك مألوف. وهم يعبرون عن المشهد بأفضل مما أعبر أنا. لذلك هم يستطيعون ان يستخرجوا تفاصيل بالنسبة لي أصبحت غير واردة" ويضيف:" نحن نرى واقعنا بصورة "البولارويد" التي تمحي منها ملامح كثيرة، ورغم ذلك أقول أنا أخشى من التنظيرات: ما هي الرواية؟ ما هي القصيدة؟ ومن هو الروائي ومن هو الشاعر؟ أخشى من هذه التنظيرات لأنه يوجد دائما ما يثبت العكس.  

الشاعر والروائي  

وردا على سؤال حول مدى شاعريته في روايته الجديدة ومدى روائيته يقول:" في المحاولتين السابقتين لي كروائي، نجحت الى حد بعيد في التملص من الشاعر. تملصت كثيرا. الآن أنا لا أريد ان أتملص لا من الشاعر ولا من الروائي. أريد ان امتحن نفسي، أي كيف يمكن لي ان اكتب بدون جهد للخروج من الشاعر، أو بدون جهد للدخول في الروائي. أريد ان اكتب بشكل عفوي. عملية الكتابة بشكل عفوي، هذا ما أريد ان أمارسه، وعندي إحساس غير ملزم، بأنني سوف أكتب عملا مهما، وبأن ما سأكتبه في إطار الرواية سيكون شيئا مهما، ويمكن ان يكون نوعا من السلف كوبنسيشن، التعويض الذاتي عن هذا الفصام أو القطيعة مع صديقي القديم الشعر، نوع من التعويض. واعترف سلفا ان المسألة بالنسبة إلي هي نوع من تزجية الوقت.. وليست مثل موقفي من القصيدة."  

وحول سؤال عن رؤيته لشعره القديم أو الحديث قال:" سأجرب الحديث بموضوعية، أنا اعتقد ان صديقي سميح القاسم السابق لديه أشياء مميزة عن الشعراء الآخرين. أشياء تميزه سلبا كما تميزه إيجابا. السلب هو أيضا مصدر الإيجاب. وهذا الشيء هو الصدق غير المحدود إطلاقا، غير المعهود. هذا الصدق غير معقول وغير ممكن. أحيانا يورط القصيدة في متاهة فنية" ويضيف:" من منظور معين، يمكن ان تكون هذه المسألة نقطة ضعف، لكن من منظور آخر، أقول: الصدق الفني يتحول الى قيمة فنية. يعني من حيث التكنيك أنا ابن صنعة. صنايعي. اللفظة، والفاصلة، وما هو اثر هذه الكلمة أو تلك على الجمهور، والصورة والغموض والمفتعل.. صنايعي.. أستطيع أن ألعب بعجينة الشعر. وهذه لم اكن الجأ إليها، بينما لعبة الشكل لم أكف الجأ إليها، لأن لدي قناعة، كانت ومازالت، مؤداها ان في داخل القصيدة طاقة كامنة مثل الكهرباء تفعل في الشعر، هذه الطاقة غير مرئية، انها طاقة الفن، ليست الكلمة هي الفن، الفن هو ما تتركه الكلمة بعد قراءتها" ويؤكد القاسم أن القصيدة ليست هي الفن و"نحن حين نقرأ القصيدة، سواء جميلة أو غير جميلة، يكون جمالها في الشحنة التي تركتها فينا".  

سر الكلمات 

ويوضح القاسم أننا نتعامل مع أثر العمل. فقد لا ننتبه إلى نوع الحرف الذي سبكت فيه القصيدة كوفيا كان أو رقعيا أو فارسي، كونه جزء من الشكل.أما الألفاظ، الكلمات، فإن نفس اللفظة يستخدمها كل الشعراء."لا يوجد شاعر في العالم وفي التاريخ، إلا واستعمل كلمة قمر.. قمر لوركا يختلف تماما عن قمر عمر الخيام، ويختلف تماما عن قمر عمرو بن أبى ربيعة. الكلمة مختلفة بين نون، ولونا، وقمر.. ليست نفس الكلمة. نقول نون، لونا، قمر.. ثلاث كلمات. المدلول الحسي هو القمر، لكن نرى استعمالها عند كل شاعر من هؤلاء الثلاثة في مدلول مختلف. الذي بقي ليس القمر ولا نون ولا لونا، الباقي هو هذا الشيء المختلف الذي تركه فينا الشاعر، استعماله للحس، ترك شيئا مختلفا". 

ويشير القاسم إلى أن هناك ألفاظا كثيرة تستعمل يقال عنها انها غير شعرية، لكن الذي تتركه، من الشحنة الكامنة في الداخل، يبدو على جمهور عريض ومتنوع وصلته، هذه الشحنة ويقول:" هناك من يقول عني وعن محمود درويش بشكل خاص" ان إلقاءهما هو سر نجاحهما". وهذا غير صحيح. غير صحيح إطلاقا، لأن الناس جاؤوا ليسمعونا بعدما قرأونا. فلا الخطابية، ولا المباشرة، ولا القضية السياسية وحدها تكفي. والمباشرة والخطابية ضعف، وكل هذا الكلام النقدي المعروف، يعتبر سر بقائنا".  

مؤكدا أن كلمة المباشرة والخطابية لا تنطبق عليه، حتى في اكثر قصائده مباشرة: (تقدموا.. سأقاوم) ويقول:" إذا أعدت قراءة تلك القصيدة، وجدت انها ليست مباشرة بالمفهوم الخطابي المسطح، إن فيها شحنة من الألم الشخصي، والحزن، والغضب، والتجربة، والسر، والجوانية. شحنات هائلة جدا". ويضيف:" إن فهمنا للمباشرة يتضمن في اعتقادي خللا. ناظم حكمت في كلمات بسيطة يجننّا فهل هو شاعر مباشر؟ لا. هو شاعر واضح. لكنه ليس شاعرا مباشرا. نزار قباني ليس عنده كلمة صعبة. أي كلمة عنده يفهمها ابن السرتفيكا والبريفه. ولكنه يترك اثرا يتجاوز الكلمات بقاموسه. لذلك اعتقد ان كلمات الخطابية والمباشرة كلمات ترجمناها ثم حاولنا ان نطبقها كنظريات جاهزة دون ان ندخل في التمييز. الجواهري أيضا ليس شاعرا مباشرا. والجواهري كذلك،والمتنبي ليس شاعرا مباشرا أيضا، مع ان الاعتقاد السائد هو ان كل الشعر العربي القديم مباشر وخطابي" ويضيف بأن الشعر يكون مباشرا، "عندما لا تكون فيه نار أو طاقة، أو كهرباء ساكنة".  

وتحدث القاسم عن القصيدة الومضة أو القصيدة الفلاش التي هي عبارة عن كلمات قليلة مقطرة مكثفة، وأكد بأن هذه القصيدة ليست بنت الفترة الأخيرة ويقول:" منذ عام 1964 بل ومنذ عام 1985، في مجموعتي الأولى اكتشفت هذه المقطعات أو الومضات القصيرة، وعلى امتداد مجموعاتي الشعرية الأولى ثم الأخيرة. وما عدا أربع أو خمس مجموعات فقط مركبة من قصائد طوال، أو السرديات، ومن عام 1958 الى اخر مجموعة شعرية، اعتمدت المقطعات المكثفة جدا، واكتشفت فائدة بالغة لمثل هذا الشعر الموجز". 

 

يذكر أن الشاعر الفلسطيني سميح القاسم يشكل مع الشاعر محمود درويش الثنائي الذهبي للشعر الفلسطيني، وقد كتب في السنوات الأخيرة روايتين، إضافة إلى العدي من الدواين الشعرية. - -(البوابة)