قال الشاعر اللبناني جوزيف حرب إننا لا نستطيع إلغاء اللغة العامية، لأننا لا نستطيع إلغاء حياتنا اليومية، مع كل ما تحمل من علاقات وتواصل ونبض يومي، لمجتمع كامل يمارس لغة من خلال النطق بها، لا من خلال كتابتها.
وأضاف أنه على العامية أن تفيد من الحداثة وتتخذ لنفسها أشكالاً جديدة، وأكد:" هذا ما أحاول أن أقوم به في قصائدي العامية".
وأشار إلى أننا نادراً ما نرى شاعراً بالفصحى، قادراً ان يكون شاعراً بالعامية، وأننا إذا استثنينا سعيد عقل لن نجد شاعراً مبدعاً في العامية والفصحى معاً. وتساءل حرب:" لماذا هذا الجدل العقيم القائم عند البعض، خصوصاً فيما يتعلق بأيهما الأفضل والأبقى:العامية أم الفصحى؟" وأكد أنه إذا كان هذا الجدل في سبيل إلغاء واحدة منهما فإنه جدل عقيم. وأضاف أن الفصحى باقية والعامية باقية، وكل واحدة منهما تغني الأخرى وتتواصل معها، وتستقي منها، خصوصاً أن لكل منهما نبضها الخاص وجماليتها، دون أن تحمل أية واحدة منهما أسباب زوال الأخرى.
وقال حرب في حوار مطول مع صحيفة "الاتحاد"الإماراتية أن هناك أهدافا مريضة عند بعض من يطرحون إلغاء الفصحى، وهذه الأهداف أسبابها سياسية عدائية وعرقية. واستشهد بمحاولة سعيد عقل الدعوة إلى الكتابة بالعامية فقط، وإلى إلغاء الحرف العربي مع سكوناته وحركاته، وخلق بديل له هو الحرف اللاتيني.
ووصف حرب العامية خارج هذا الأمر بالنبع الفياض الذي تستقي منه الفصحى كل يوم، لان من طبيعة الفصحى ان تكون حية، ومواكبة لهذا الخفقان الدائم في صدر الحياة اليومية.
وبالنسبة للعامية والشعر قال :" لقد بدأت الكتابة العامية الإبداعية تقلص كثيراً من دور المنبرية الإبداعية الزجلية، لأن العامية الإبداعية اليوم لا تستطيع إلا أن تأخذ مسارها من حداثة الفصحى الإبداعية".
وقال أن تقلص شعراء العامية ليس بسبب ان الإبداعية العامية ذاهبة الى زوال، وإنما بسبب ان هذه الإبداعية باتت بحاجة إلى شروط جمالية، أقصى كثيرا من شروط الأمس·
لماذا لا نعيد النظر بالصرف والنحو؟
ويرى حرب أن انتقال العامية من اللسان إلى القلم، جعل شروطها التأليفية، بصعوبة شروط الفصحى. وذلك خارج إطار الشروط الصارمة، لما يسمى الصرف والنحو.
ثم تحدث عن إشكالية ما إذا كان بمقدور العامية، أن تكون لها ذروة جمالية خارج الصرف والنحو، وتساءل:" ألا يحق لنا اعادة النظر بمسألة الصرف والنحو في الفصحى؟".
وعن شعره قال:" أنا اكتب بالصورة لأنني أعيش دائماً في عالم من غرائبية أشكال فيها الكثير من الغموض والحدس". وأضاف أن بعض أسباب هذا الأمر يعود إلى طفولته، التي أمضاها في عالم مملوء بالصور والحكايات ذات الرموز الدينية، القريبة من أشكال الأساطير والسحر. التي كان ليلها لا يحمل إليه إلا أشكالاً من الأشباح والأطياف، غالباً ما تكون لأبالسة وشياطين، نتيجة تلك القصص الدينية التي كان عليه أن يقرأها طوال الفترة التي أمضاها وهو طفل في الدير.
وعن انتمائه قال:" أنا أنتمي الى مجتمع ريفي، ووجودي في المدينة، وجود حمل معه كل تراثي الريفي اليومي، من غير ان يجد في المدينة ما هو بديل حي وصحيح لهذا التراث." وأضاف أن المدينة التي نعيش فيها، مدينة هامشية غير منتجة استهلاكية، نمارس فيها انتماءنا الريفي بشكل سري، وتمارس فينا انتماءها العصري بشكل مشوه. وأكد أن "مفردات مدينتنا هجينة وعامة، جئنا بها بحجة أننا مثقفون نقرأ، لا من خلال أننا مثقفون نعيش". وأوضح أنه لا يستطيع أن يمارس علاقة كتابية مع أية مفردة لم يعشها في الواقع، ولم تتحول إلى كائن حي عميق. وأشار إلى أن الكثير من مفردات الحداثة، هي مفردات لم يعشها أصحابها في الواقع، ولم ترافقهم لا في عملهم ولا في مناخاتهم اليومية، ولا في مقاهيهم أو أرصفتهم، ولا فيما يضج في أعماقهم من أشباح لصور هي بحاجة إلى الكلمات كي يستطيعوا التعبير عنها.
ويضيف حرب:" لهذا السبب لجأت الى ما هو في داخلي، لأستطيع ممارسة كتابتي" ويوضح:" بيروت ليست باريس، فالذي يعود من باريس أو لندن لا يستطيع أن يحمل أيا منهما إلى بيروت، وسيعود إليها بمفردات وأحاسيس من الصعب جداً أن يدعي أنها حية فيه، نابضة ويومية" ويرى حرب أن أحد أمراض الحداثة هو استعمال المفردات التي لا تمت إلى تراثنا الذهني بأية صلة.
اتجاهان في الشعر
وعن الشعر واتجاهاته قال أن هناك اتجاهين في الشعر، اتجاه يرى أن يكون له دور في قيادة الروح الوطنية، و اتجاه آخر يرى أن على الشعر التخلي عن كل ما هو وطني وسياسي، لأن تجاربه الطويلة أكدت أن دوره في هذا الأمر غير مؤثر أو فاعل.
ومال حرب إلى الاتجاه الأول دون أن يسقط من حسابه بعض الصحة في الاتجاه الثاني، وأشار إلى أن كل الشعراء في العالم كان إبداعهم وهم يشاركون شعوبهم حروبهم التحررية، إبداعاً فيه الكثير من الفتور والارتجاف، ولكنهم عندما انتهت هذه الحروب، عادوا وأعطوا إبداعاً أرقى، وأوجدوا لأنفسهم مستوى هو أعظم كثيرا من مستوياتهم الإبداعية السابقة. وضرب مثلا الشعراء اراغون، وميغيل اوتاندز، ولوركا وغيرهم من الشعراء الروس والإنكليز. وأضاف بأن هؤلاء جميعهم لم يتنكروا فيما بعد للقصائد التي كتبوها زمن الحروب، كما يتنكر الكثير من شعرائنا اليوم الذين ما ان انتهت الحرب حتى انطلقوا الى كتابات أخرى وهم يعتذرون عما ارتكبته أيديهم من جرائم بحق الشعر؟!
وقال أن الذين رفضوا المشاركة الشعرية في سبيل وطنهم بحجة أن الشعر لا علاقة له بأمر كهذا، استمروا في انحيازهم لجزء مريض من مفهوم الحداثة، وشكلوا حائطاً تحول في نهاية الأمر الى حائط مبكى يتذكرون أمامه أعماق أنفسهم المشوشة والمريضة ويبكون.
الشعر قائد روحي
وأشار إلى أنه لا ينزه الكثير من شعراء الحداثة الذين يمارسون بوعي منهم أو بغير وعي، قتل صورة الشعر كقائد روحي يساهم في إنقاذ الروح العربية مما هي عليه من حسرات عميقة، وهزائم كبيرة وتخلف وتبعية.
وختم حرب بقوله :"صحيح أن علينا التأثير بكل الثقافات والمدارس وأن نتفاعل معها ونتواصل، لكن هذا الإصرار المستميت على اللامعقول، وهذا النفي القاطع لقيم التراث وأثره البعيد، وهذا التشويه لجمالية اللغة والانصراف عن جماليتها التاريخية، لا بد أن تكون وراءه صلة شبيهة بصلة المخابراتية، في سبيل تحويل الروح العربية إلى روح لقيط لا جذور لها، ولا مستقبل ولا شكل" وتساءل"ألا يشكل كل ذلك الظل السيىء لشجر الآخرين؟"- -(البوابة)