الشاعر النحيل

تاريخ النشر: 26 سبتمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يسألونك ماذا يفعل الشعر وسط كل هذا الدمار العظيم؟ وهل يبقى من دور للكلمة بعد انهيار الجيوش والدول والأحزاب؟ 

يجيب الشاعر النحيل: 

إبّان الحرب العالمية الثانية.. بعد أن اجتاحت الجحافل النازية فرنسا.. كانت طائرات الحلفاء تلقي بقصيدة "ايللوار" عن "الحرية" لتصبح النشيد اليومي للفرنسيين، وكانت رواية "فيركور" "صمت البحر" تمضي كالهشيم من بيت لبيت تحرّض الناس على الصمود والمقاومة.. فكان أن انطلقت فرق المقاومة السرية الفرنسية لطرد المحتلين. 

آنذاك كان (المتعقلون) الفرنسيون من أنصار (الموضوعية) والجنرال بيتان ينظرّون لضرورة الخلود للسكينة والهدوء، بل ويندفع بعضهم داعياً للتحالف مع الألمان تماماً كما يفعل (منظرو) هذه الأيام.. يقولون لك بجرأة عجيبة: "ليس بالإمكان احسن مما كان". ويقولون لك أيضا: "ما لا يُنال كله لا يترك جله" فيكون أن يقودك ذلك في رحلة الانهيار المرعبة التي نشهدها الآن.  

ولكن في مثل هذه الأزمنة الرديئة والصعبة تشتد الحاجة كي يقف المثقفون والمبدعون لبث روح الصمود والمقاومة بين جماهير الشعب.. هكذا فعل الجزائريون واليمنيون وهكذا فعل الكوبيون والفيتناميون.. 

وأذكر حين كنت في فيتنام عام 1971 والقنابل الأميركية من كل الأنواع تتساقط رعباً أسود فوق أكواخ الفقراء.. اذكر كيف كان الفيتناميون يطلقون أغانيهم في وجه طائرات اليانكي.. وكان "صوت الغناء يعلو صوت القنابل". 

حين يحتدم الصراع ويشتد اوارُه قد يلجأ السياسي أو العسكري لأشكال من المساومة.. وربما وصل الأمر إلى حد توقيع وثيقة الاستسلام كما فعل بيتان الفرنسي مع الألمان وكما فعل جنرالات الألمان بعد ذلك أمام الحلفاء.. 

ولكن في كل الأحوال فإن المثقف.. المثقف الحقيقي من غير المسموح له أن يتحول إلى نقيض ذاته ودوره. 

المثقف الحقيقي لا يخضع لليومي والعابر، ودوره الحقيقي أن يمسك بالمحصلات الكبرى لمسار الأحداث ليدل شعبه على طريق الخلاص.. وهو حين يفعل ذلك يشكل صمام الأمان لحماية روح الأمة من الانهيار والضياع، كما يعكس صحوة الضمير ونقائه من التلوث والعطب. 

حين اختار ايللوار واراغون ولوركا وناظم حكمت ونيرودا طريق المقاومة فربما كانوا يعلمون يقيناً وبحواسهم الخمس بأنهم يخوضون على المستوى الراهن والمباشر معركة خاسرة.. ولكنهم ظلوا مصممين على خوض الصراع لأن لا بديل عنه حين يتعلق الأمر بالوطن وبالشرف والحرية.. عبد الرحيم محمود وهو صاعد إلى معركة الشجرة كان يرى مصيره على المستوى الشخصي واضحاً كحد الموت، ومع ذلك مضى وهو يحدو : 

سأحمل روحي على راحتي 

والقي بها في مهاوي الردى 

فإما حياة تسر الصديق 

وإما ممات يغيظ العدى 

ونفس الشهيد لها غايتان 

ورود المنايا ونيل المنى 

أما شيخ الثوار الكبير عز الدين القسام فقد هتف برفاقه وسط الحصار في بلدة يعبد الفلسطينية، ورداً على دعوات الجيش الإنكليزي له بالاستسلام:- 

"لنمت ولنكن امثولة".. 

فكانت معركة "يعبد"، وكانت الجنازة العظيمة التي سارت وراء جثمانه الطاهر هي المقدمة الحقيقية لانفجار الثورة الفلسطينية الكبرى 36-39. 

وبمثل هذه الروح الباسلة تواصل نسغ الحياة في عروق الأمة: 

مالك حداد من الجزائر، الشابي من تونس، غسان كنفاني وكمال ناصر من فلسطين، بيرم التونسي ونجيب سرور من مصر والبردوني من اليمن والقائمة تطول..  

بمثل هذه الروح فقط يمكن أن تتوالد الأجيال التي تحمل رايات الحياة وتحلم بالمستقبل..  

في عام 1983 وبعد المذابح المرعبة التي وقعت في صبرا وشاتيلا.. كان شارون يقف على أطراف المخيم الذبيح وهو يتلمظ بالدم.. وكان مطمئناً تماماً بأن هذه المذبحة هي نهاية المقاومة.. على الطرف الآخر من المخيم كان يقف الشاعر النحيل يرقب كل هذا الهول ويبحث عن نقطة مضيئة وسط كل هذا السواد. 

آنذاك سرت شائعة قوية بأنه سيتم ترحيل من تبقى من سكان المخيمات إلى صحراء الأزرق في الأردن ليقيموا وسط ما يشبه معسكرات الاعتقال.. الأم المرتعبة على أبنائها ربما قالت لنرحل إلى الأزرق فهناك يبقى أبنائي أحياء .. والأب الذي شهدهم وهم يغتصبون ابنته البكر ربما تمنى خلاصاً لبناته الصغار في مكان آخر.. أي مكان.. 

الإسرائيليون والكتائبيون وجيشهم الرسمي جيش بشير الجميل كانوا قد أطبقوا على بيروت بالكامل.. وكان الموت أقرب من حبل الوريد.. شارون فتح للمذعورين في المخيمات طريقاً إلى الأزرق.. فماذا يفعل الشاعر النحيل؟ وماذا يقول لأهله الخائفين: 

"أنا لا أدري.. 

كل ما أدريه أن الأرض حبلى والسنون" 

وبأن أياما أجمل ستعقب كل هذا الدمار الرهيب.. 

ولم تمر سوى أشهر قليلة إلا وحدثت انتفاضة بيروت المجيدة… واندحر الجيش الصهيوني ومعه قوات الأطلسي وتوابعهم الكتائبية خارج بيروت الوطنية وخارج المخيمات الذبيحة. 

وبدأت الحياة دورة جديدة. 

قبل ذلك بأسابيع فقط لو قال أحدهم لسكان المخيم هيا إلى الأزرق فربما رحبوا بحرارة بالخلاص.. أما الآن وبعد أسابيع قليلة فقط فلو قال أحدهم هيا إلى الأزرق فإنهم سيطلقون عليه النار… 

وحده الشاعر النحيل رفض أن يُخضع روحه لمعطيات الهزيمة أو أن يتحول إلى فريسة أو نعجة في قطيع يساق إلى معسكرات التعقل والخضوع للأمر الواقع. 

وحده الشاعر النحيل استطاع أن يرى ما لا يراه الآخرون..  

وهذا هو بالضبط دور المبدع والمثقف فحين تلتبس المواقف وتختلط الألوان وتتداخل الخطوط والدوائر فإنه يظل قادراً على الرؤية وقادراً على أن يهدي الناس إلى الطريق مهما عظمت التضحيات.. ولكن على أن يكون بينهم ومعهم وأمامهم وهو يردد ما قاله نيرودا بعد انقضاض العسكر على تجربة الليندي الديمقراطية. 

لنلقي بتهويمات الشعر جانباً، "ولنشهر سلاح الكلمات"../ إن الكلمات سلاح.