اعلنت المملكة العربية السعودية التي تواجه خيارات صعبة بعد هجمات الرياض اغلاق مكاتب وفروع مؤسسة الحرمين الخيرية السعودية في بعض الدول الاوروبية والآسيوية والافريقية فيما وصفته بأنه إجراءات تطويرية في ظل المستجدات على الساحة الدولية.
ونقلت وكالة الانباء السعودية عن الشيخ عقيل العقيل مدير عام المؤسسة وعضو مجلس الادارة قوله ان المستجدات "تستدعي اعادة النظر في انتشار المؤسسة جغرافيا وتقييم اعمالها نوعيا".
وفي حديثه لوكالة الانباء السعودية قال العقيل ان قرار الاغلاق يأتي في أعقاب سلسلة من الاجتماعات لمجلس ادارة المؤسسة الجديد الذى رأس عددا من
اجتماعاته الشيخ صالح بن عبد العزيز ال الشيخ وزير الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد والمشرف العام على المؤسسة.
واضاف أن تلك الاجتماعات تركزت بالدرجة الاولى على دراسة وتقييم جميع فروع المؤسسة والنظر فى امكاناتها البشرية والمادية تمهيدا لاعادة هيكلتها وتعيين موظفين سعوديين لادارتها.
وأفاد العقيل ان المكاتب التي تقرر اغلاقها هي مكاتب البوسنة وكرواتيا والبانيا واثيوبيا بينما تتخذ حاليا اجراءات لاغلاق مكاتب المؤسسة فى الصومال وكينيا وتنزانيا واندونيسيا وباكستان.
واوضح العقيل أن الجهود تتوجه حاليا للانتشار داخل المملكة لزيادة حجم الاعمال الدعوية والاغاثية والاجتماعية في الداخل "استجابة لحاجة المواطنين الى خدمات المؤسسة وتنفيذا للبرامج الدعوية والاجتماعية التي تقوم عليها اجهزة الدولة".
ويأتي هذا الاجراء في اعقاب اتهامات اميركية بأن بعض المؤسسات الخيرية الاسلامية المتواجدة في انحاء متعددة من العالم تمول عمليات ارهابية دولية تنفذها جماعات اصولية متشددة مثل تنظيم القاعدة الذي يتزعمه اسامة بن لادن السعودي المولد.
وفي هذا السياق، بعث الهجوم الانتحاري في الرياض توترات بين السعودية والولايات المتحدة من جديد وتواجه المملكة خيارات صعبة في التعامل مع المتطرفين الذين يبدو انهم ازدهروا على ارضها.
ويقول مسؤولون وخبراء اميركيون انه ما اذا كانت العلاقات الثنائية القديمة والمضطربة احيانا ستهوي الى الحضيض أم لا يتوقف على مدى تعاون السعوديين مع واشنطن في ملاحقة المسؤولين عن هذه العملية وما اذا كانت الرياض مستعدة لقمع الاسلاميين المتشددين داخل حدودها.
وتحسنت الامور عندما تعهد ولي العهد السعودي الامير عبد الله بالمساعدة في الحرب ضد الارهاب وتجفيف منابع المتشددين المالية والسماح للقوات الاميركية باستخدام تسهيلات سعودية في الحرب ضد العراق.
قال فلينت ليفريت الذي كان منذ فترة قصيرة مستشارا بالبيت الابيض لشؤون الشرق الاوسط ان تفجيرات الرياض "اعادت تسليط الاضواء على كل القضايا التي كانت تسبب مشاكل واحتكاكات قبيل الحرب".
وقال ليفريت الذي يعمل الان في معهد بروكينجز انه بينما تعاون السعوديون في مطاردة المتطرفين وتجفيف المصادر المالية وتوخي مزيد من اليقظة تجاه الذين يساندونهم "فانه لا تزال توجد مشاكل وصدام الثقافات".
واتخذ الامير عبد الله خطوة اولى قوية بعد تفجيرات الرياض بان ندد بالارهاب وحذر من ان ايا من يبرر هذه الجرائم باسم الاسلام سيكون مصيره جهنم. وتعهدت المملكة بان تدفع القاعدة الثمن.
واشنطن تطالب بالمزيد
ووصف البيت الابيض اعتراف وزير الخارجية السعودي بوجود "ثغرات" في الحرب ضد الارهاب وتعهده بالقيام بأداء أفضل بأنه اعتراف هام، وقال أنه مازال على ثقة من التزام السعودية بمحاربة مثل هذه الهجمات.
كما قال أري فلايشر، المتحدث باسم الرئيس جورج بوش، أن سلسلة التفجيرات الانتحارية التي وقعت مساء الاثنين الماضي في الرياض والتي قتلت 34 شخصا على الاقل لم تلحق أي ضرر بالعلاقات الاميركية السعودية.
وقال أن "الولايات المتحدة تواصل الاحتفاظ بعلاقات قوية مع المملكة العربية السعودية. والشيء الذي يريده الارهابيون أكثر من أي شي آخر هو التمكن من مهاجمة الولايات المتحدة، ومهاجمة الاخرين في المنطقة وإرغامنا على إجراء تغييرات في سياستنا. وهذا لن يحدث".
يذكر أن العلاقات الاميركية السعودية سادها التوتر مؤخرا بسبب الحرب ضد العراق، وموقف الولايات المتحدة في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وتجاهل السعودية للمطالب الاميركية بتشديد الاجراءات الامنية حول المساكن التي يقطنها أجانب والتي هوجمت ثلاثة منها مساء الاثنين الماضي.
وقبل وقت قصير من المؤتمر الصحفي لفلايشر، اعترف وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل بأن "حقيقة وقوع الارهاب تدل على وجود ثغرات، ويتعين علينا التعلم من أخطائنا وأن نسعى لتحسين أدائنا في هذا المجال".
وقال فلايشر: "من المهم بالنسبة للمملكة العربية السعودية الاعتراف بأن هناك إرهاب داخل البلاد وأنه هناك حاجة لمواجهته، ونحن هناك كحلفاء لهم لمساعدتهم على مواجهته".
وكانت الحكومة الاميركية قد شككت من قبل في التزام المملكة العربية السعودية، التي تضم عددا كبيرا من المواطنين المسلمين المحافظين المنتقدين لعلاقة الحكومة بالولايات المتحدة ونشر آلاف الجنود الاميركيين في البلاد، بالتحقيق مع الارهابيين والقضاء عليهم هناك.
وثارت مثل هذه التساؤلات بوجه خاص بعد الهجوم بالحافلة المفخخة عام 1996 على أحد المجمعات السكنية للعسكريين الاميركيين في مدينة الخبر والذي راح ضحيته 19 جنديا أميركيا، وهجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة. واتهمت واشنطن الرياض بعدم التعاون مع المحققين الاميركيين في التحقيق الذي كان تجريه في الخبر وعدم إدراك حقيقة أن خمسة عشر شخصا من الانتحاريين التسعة عشر الذين قاموا بهجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر كانوا من السعوديين.
إلا أن فلايشر سعى إلى تخطي الخلافات القديمة. وقال "إننا نواصل بشكل عام الرضاء عن التعاون الذي تلقيناه من السعودية في الحرب الدائرة ضد الارهاب وعن الاجراءات التي قاموا باتخاذها، خاصة منذ 11 أيلول/سبتمبر".
ونفى التقارير التي ذكرت أن المملكة العربية السعودية منعت دخول فريق تحقيق أميركي، قائلا أنه من المتوقع وصول الفريق الخميس بعد وضع الترتيبات اللوجيستية، مثل الفترة المسموح لطاقم طائرة الفريق البقاء فيها في الجو.
وقال فلايشر أن مكتب التحقيقات الفدرالي الاميركي نفى أيضا أن مطالب الرياض أسفرت عن تخفيض عدد أفراد الفريق.
كما أعاد المتحدث باسم البيت الابيض إلى أذهان الزعماء السعوديين أن الارهابيين في البلاد ليسوا فقط مجرد تهديد للاجانب هناك لكن للسعوديين أيضا، مشيرا إلى أنه كان هناك سعوديون من بين ضحايا هجوم الاثنين الماضي.
