الرئيس السوداني يشيد بالاتفاق مع متمردي الجنوب والاحزاب الرئيسة ترحب

تاريخ النشر: 22 يوليو 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان- البوابة 

اعتبر الرئيس السوداني عمر البشير مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الحكومة السودانية ومتمردي الجنوب في كينيا، خطوة رئيسية لتحقيق السلام في البلاد، وفيما رحبت الاحزاب السودانية الرئيسة بما تم الاتفاق عليه، فقد راى مراقبون تحدثوا لـ"البوابة" ان فرص السلام في السودان باتت "عالية جدا" وذلك للمرة الاولى منذ نحو 20 عاما. 

وقال الرئيس السوداني الذي يقوم بجولة في غرب السودان للصحفيين إن مذكرة التفاهم "بداية للسلام الذي سيعم البلاد إن شاء الله"، ووصفها بأنها خطوة أساسية على الطريق الصحيح باتجاه وقف الحرب. 

وقد توصلت الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان السبت الى بروتوكول اتفاق حول النقطتين الاساسيتين في خلافهما وهما حق تقرير المصير في جنوب البلاد والعلاقات بين الدين والدولة. 

واتفق الطرفان ايضا على الاجتماع في منتصف اب/اغسطس في كينيا لمواصلة مفاوضاتهما حول الملفات الاخرى وهي تقاسم السلطة والثروات وحقوق الانسان ووقف اطلاق النار. 

وقد رحب جناح حزب الأمة المعارض الذي يتزعمه الصادق المهدي بالاتفاق واعتبره "خطوة في الطريق لاتفاقية سلام عادل"، وأبان أن حزبه سيقوم خلال الفترة المقبلة باتصالات واسعة وسط القوى السياسية بما فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان، للاتفاق على ميثاق وطني يدعم الاتفاق ويؤكد أهمية أن يكون لدول الشمال الأفريقي دور هام في تحقيق السلام في السودان. 

ودعا المهدي في مؤتمر صحفي عقده أمس في الخرطوم بعد إعلان توقيع المذكرة إلى ضرورة أن يتضمن الدستور المركزي والفرعي كفالة حقوق الإنسان والحريات العامة والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة. 

وأشار زعيم حزب الأمة إلى ضرورة أن تدير الفترة الانتقالية حكومة قومية وفقا لما تم الاتفاق عليه في المبادرة المصرية الليبية, على أن تتم في إطار الترتيبات للفترة الانتقالية إزالة جميع أسباب النزاع وآثار الحرب وتحقيق قومية مؤسسات الدولة والتحول الديمقراطي 

ومن ناحيته، أبدى الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض ترحيبا حذرا بالاتفاق، وقال أحد مسؤولي الحزب محمد إسماعيل الأزهري في تصريحات للصحفيين إن الحزب يرحب بأي اتفاق يحقق السلام ويكفل التحول الديمقراطي، "إلا أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه لن يؤدي إلى حل الأزمة بل تعقيدها إذا لم يتوج باتفاق شامل يجمع كل الأطراف السودانية". 

وقال أمين الاتصال التنظيمي بحزب المؤتمر الشعبي المعارض آدم الطاهر حمدون إن السلام هدف إستراتيجي ورغبة أكيدة لكل أهل السودان، إلا أنه دعا إلى إشراك جميع القوى السياسية في هذه العملية "حتى يتفرغ الجميع للتنمية والإعمار". 

وأكد حمدون أن أي سلام يجب أن يكون في ظل ديمقراطية وشورى حقيقية وتراعى فيه حقوق جميع المواطنين السودانيين 

مراقبون: فرص السلام تبدو عالية جدا 

الى ذلك، فقد اعرب مراقبون سياسيون عن اعتقادهم ان فرص تحقيق السلام في السودان تبدو "عالية جدا" في ضوء هذا الاتفاق والذي يحظى برعاية من الولايات المتحدة. 

الا ان المحللين الذين تحدثوا لـ"البوابة" انتقدوا الغياب العربي عن الاتفاق، وخاصة مصر التي "اهملت" الملف السوداني لسنوات، واصبحت الان ترى في النتيجة التي آل اليها تهديدا لامنها القومي.  

وقال عريب الرنتاوي، الكاتب السياسي الاردني والخبير في الشان السوداني، أن فرص التوصل إلى اتفاق للسلام تبدو هذه المرة "عالية جداً"، وذلك على العكس من المرات السابقة، والتي شهدت انهيار واختراق العديد من الاتفاقات التي سعت الى انهاء 19 عاما من الصراع الدموي في السودان. 

وخلص الرنتاوي الى هذه النتيجة في ضوء ما وصفه من التغير الكبير الذي طرأ على "المعطيات السياسية المحيطة بالملف السوداني خصوصاً لجهة مقاربة الولايات المتحدة في التعامل مع هذا الملف".  

واشار في هذا السياق الى ان السودان والولايات المتحدة "كانا قد دخلا مؤخرا في مرحلة جديدة وشديدة التعقيد من العلاقات الثنائية، وهي مرحلة تتسم من جهة بالسعي إلى تطبيع هذه العلاقات، لكنها من جهة ثانية ما زالت تحمل في طياتها الكثير من عناصر التباين والخلافات".  

واتفق الرنتاوي مع المعلومات التي تحدثت عن ضغوط مارستها الولايات المتحدة من اجل اخراج الاتفاق الى حيز الوجود. 

وقال انه "ما من شك في أن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً، ليس فقط على الحكومة السودانية، وإنما أيضاً على القوات الانفصالية في الجنوب".  

واضاف ان "الاتفاق لم يكن مرضياً تماما لحكومة الخرطوم، كما أنه لم يكن مرضيا تماما لجماعة جون غارانغ، ..ولكن الولايات المتحدة جعلت من الالتقاء في منتصف الطريق بين الجانبين أمراً ممكناً، سواء عبر ممارسة الضغوط، أو تقديم الاغراءات".  

الى ذلك، قلل الرنتاوي من شان ردة الفعل المصرية على الاتفاق، وذلك في ضوء تقارير تحدثت عن ان القاهرة تنظر اليه على انه يشكل تهديدا لامنها القومي. 

وقال في هذا الصدد ان "دخول الولايات المتحدة على خط الاتفاق ورعايتها له سوف يفرض سقفاً خفيضا لاية حركة سياسية مصرية".  

واضاف "لا اعتقد أن مصر سوف تتصدى لهذا الاتفاق أو تعمل على إطاحته،..من حق مصر أن تبدي ما تشاء من مخاوف، لكن من واجب مصر، ومن قبلها ليبيا أن تطرح على نفسها سؤالا وهو ما الذي قدمته حقيقة للملف السوداني في هذا المجال، وكيف كانت العلاقات السودانية المصرية طوال السنوات العشر الفائتة. وما هو الدعم الذي قدم للحكومة المركزية في حربها ضد الانفصاليين".  

وتابع "للاسف الخرطوم لم تتلق من الطرف المصري سوى اجتياح حلايب".  

وحول توقعاته بالنسبة لاستفتاء تقرير المصير، الذي سيجري بعد انقضاء السنوات الست الانتقالية، اشار الرنتاوي الى ان "هناك تقديرات متباينة على طرفي الاتفاق، فالحكومة السودانية تعتقد إن الاستفتاء لن يتم على تقرير الوحدة والانفصال بل حول نتائج تطبيق الاتفاق الانتقالي، أما الحركة الانفصالية، فترى أنه سيتم حول تقرير المصير بمعنى الاختيار بين الوحدة او الانفصال".  

واضاف ان "هناك رهانا من الحركة الانفصالية على خلق قواعد للانفصال في الجنوب وهناك رهان من الحكومة المركزية في الخرطوم على استغلال السنوات الست القادمة لجعل هذا الانفصال متعذراً ومكلفاً على طرفي المعادلة السودانية في الشمال والجنوب". 

وخلص الرنتاوي الى القول "في تقديري أن اتفاق كينيا كان مبدئياً، وهو اتفاق إطارى لم يدخل في كثير من التفاصيل، ونحن ما زلنا أمام جولات جديدة من التفاوض حول العديد من العناوين والإجندات واعتقد أن الملف لم يغلق بالكامل بعد على أنه وضع سكة الحل ورسمت له الأطر الكفيلة بذلك". 

من ناحيته، انتقد الدكتور ميلاد حنا، رئيس لجنة السودان في المجلس المصري للشؤون الخارجية، "الاهمال" المصري لملف السودان، معتبرا ان على القاهرة المسارعة الى "خطب ود" السودان بشماله وجنوبه في ضوء ما تمليه عليها مصالحها القومية الاستراتيجية التي باتت مهددة بعد دخول الولايات المتحدة على الخط. 

وقال الدكتور حنا ان "مصر لم تهتم بالسودان في العقود القليلة الماضية، وعندما كانت تبدي اهتماماً، فإن ذلك كان في إطار المسائل التامرية، بمعنى أن حكومة الإنقاذ التي يرأسها البشير الآن تالفت بالاتفاق مع السفارة المصرية وكانت موجهة لإسقاط نظام المهدي الذي كانت مصر تنظر إليه كأنه معاد لها".  

واضاف ان "مصر ابتعدت عن السودان ولم تهتم بشؤونه بقدر كاف، ولم تقم بأي جهد للمصالحة بين الشمال والجنوب، وهو ما ترك المجال مفتوحاً على سعته للتدخل الأميركي" ما اسفر عن التوصل الى اتفاق في غياب مصر، وهو الاتفاق الذي راى حنا انه قد يشكل على المدى البعيد تهديدا للامن القومي المصري في حال استمر غياب القاهرة عن الساحة.  

وتعقيبا على ما تردد عن استياء مصري حيال ما تم التوصل اليه، راى الدكتور حنا انه "لا ينبغي لمصر أن تغضب، وإنما يجب أن تدرك أنها أخطأت عندما اعتقدت أنه لا حل لمشكلة السودان إلا بوجودها، وهذا وهم موجود فعلا في إذهان بعض الحكام المصريين".  

الى ذلك، فقد حث الدكتور حنا مصر على "أن تسارع خلال السنوات الست المقبلة إلى خطب ود الشعب الذي قدم مليوني قتيل لاجل الحصول على استقلاله وعلى حقه في تقرير مصيره". 

وقال ان نسج علاقات مبنية على الود مع السودان في هذه المرحلة يشكل ضرورة استراتيجية لا غنى لمصر عنها. 

واوضح كمثال على هذه الضرورة ان "تعداد مصر سيصل الى مائة مليون عام 2030 ، وليس هناك من عمق لايجاد مصادر عمل لهذه الزيادة السكانية والمقدرة بنحو 30 مليونا عما هو الان الا في السودان، وهناك منابع النيل، كما ان السودان كان وسيظل العمق الاستراتيجي السوداني".