عمان- حوار:
اياد خليفة، خالد ابو الخير، بسام العنتري ومحمد عمر
الدكتور جواد العناني الخبير الاقتصادي الأردني المعروف، تقلد عدة مناصب حكومية عبر تاريخه الطويل في العمل مع الدولة الأردنية، كان من بينها رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للخارجية ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للاقتصاد، وأخيرا عضو مجلس الأعيان قبل أن يطلب إليه مؤخرا تقديم استقالته بسبب آراء عبر عنها علنا حول قضية البعد الفلسطيني في الشأن الأردني.
"البوابة" التقت الدكتور جواد العناني في حوار مطول حول تطورات الوضع في العالم ما بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، وحول تطورات المنطقة، وابرزها الانتفاضة الفلسطينية، واقعها، آفاقها، وتأثيراتها. الوضع الداخلي في الأردن، سياسيا واقتصاديا، إضافة إلى قضية العراق من بين محاور أخرى.
وفي الجزء الاول من الحوار يتناول الدكتور العناني تشابك العلاقة الاردنية – الفلسطينية، على المستويين الداخل الاردني والعلاقة البينية، كما يتناول تقييم الوضع الداخلي في الادرن.
وتاليا ننشر جزءا كبيرا من الحوار:
*دكتور جواد العناني: في بداية حوارنا الذي نريده شاملا قدر الإمكان، نبدأ بسؤال عام حول تقييمك للوضاع في المنطقة، كيف تنظرون إلى حاضرها ومستقبل تطوراتها؟
- تقييمي للوضع العام في المنطقة.. بالطبع إنها تمر بمخاض صعب، وأعتقد أنها مرشحة لمزيد من التصعيد، والسبب لأن العودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل الانتفاضة – وهنا نتحدث عن البعد الفلسطيني في المنطقة- أمر غير مقبول لا فلسطينياً ولا إسرائيليا إذ حتى الإسرائيليون تحت حكم شارون لن يقبلوا بهذا الوضع غير المستقر، لذلك أعتقد بأن الأمور مرشحة لمزيد من التصعيد.
النقطة الثانية، هي عملية ما يسمى عودة القضية إلى جذورها أكثر وأكثر، بحيث لم تعد الرتوش واللغة الوسطية تحل الإشكالية بل على العكس فقد بدأ اليهود يتكلمون بصراحة عن حقوقهم في القدس وحقوقهم التاريخية، وإعادة بناء الهيكل وإدخال مزيد من العناصر اليمينية المتطرفة في البعد الديني، وأصبحنا نسمع الحاخامات ينتقدون العرب ويطالبون بطردهم.
في المقابل هناك عملية تكوين رأي عربي من الناحية الدينية والقومية لأنه يجب مقابلة هذه المدرسة بأخرى مماثلة. بمعنى آخر، عودة الأمور للمقارنات الفكرية هي ليست مجرد صراع من أجل حصول الشعب الفلسطيني على استقلاله، وإنما قضية تقييم قضيتك وتمسكك بالحق بدأ يعود إلى الجذور الأصلية، وكأن المعركة تحولت من معركة سياسية بحتة وقضية مواجهة وصراع على الأرض إلى عملية صراع على الحضارة. وهذا الشيء هو الذي بات يقلق في تقديري الكثير من الجهات الأخرى.
الأمر الثاني طبعاً هو البعد العربي أي ماذا يفعل العرب حيال ما يجري؟ وهل هناك استراتيجية وذكاء في التعامل.
أنا أتفق مع ما قاله الأمير الحسن بن طلال في محاضرة له في جمعية الشؤون الدولية: إنه لا يوجد استراتيجية عربية للسلام أو للحرب، ونحن نتهم شارون بأنه كذلك ليس لديه استراتيجية للسلام على الإطلاق.
في التقدير أن هناك دافعا عربيا للتأثير على الفلسطينيين لعقد لقاء بيريز- عرفات كي يستفاد منه في تقوية مركز بيريز على حساب التطرف الإسرائيلي الذي يقوده شارون سيما وأن هناك انتخابات قريبة داخل حزب الليكود الإسرائيلي، كما أن هناك تخوفا أن تمتد الشرارة وتسفر عن حصول حالة حرب.
الحقيقة هناك تجهيزات عربية للوقاية من آثار استمرار الوضع الحالي أكثر مما هنالك تجهيزات للوصول بالواقع الحالي إلى حل طبيعي طويل الأجل يحقق السلام والاستقرار الدائم في المنطقة.
بمناسبة حديثك عن التجهيزات الوقائية، الأردن أخذها أكثر من غيره خاصة القوانين الأخيرة والمؤقتة، كيف تنظر إلى تطورات الوضع في الأردن، من ناحية تأثره بالانتفاضة؟
- هناك ثلاث دول تحرص أمنياً ألا تنتقل الانتفاضة إليها حتى، أو كما يقال، أن لا يعطى شارون الفرصة لتصدير الأزمة إلى الخارج. وأنا أتفق في ذلك مع أن شارون ليس محصنا ضد هذا التفكير السلبي، لأنه (شارون) يريد أن يقول بأن الفلسطينيين هم مشكلة حيثما كانوا. ويريد أن يقول إنه يتعامل معهم كما تتعامل معهم أي دولة عربية أخرى، ولذلك فإن الأردن حريص على اتخاذ الإجراءات الوقائية، وأنا أملي أن تكون هذه الإجراءات مؤقتة ويجب أن نقول هذا، كونها صدرت على شكل قوانين مؤقتة في غياب مجلس الأمة.. هي فعلاً إجراءات مؤقتة وربما تتخذ إجراءات إضافية مثل دور النقابات في الحياة المدنية، وهناك تمهيد لذلك.
على صعيد تأثير الانتفاضة في الأردن، هناك من يطرح مشكلة الوجود الفلسطيني في البلد والمخاوف من تفاقم حدة الانقسام الداخلي بين الأردنيين من أصل فلسطيني والأردنيين من أصل أردني، وحضرتك كنت كتبت مقالاً عن أوضاع الفلسطينيين في الأردن في إحدى الصحف الخليجية، وكان هذا المقال سبباً في إقالتك من مجلس الأعيان؟
- المقال كما فسر كان الشعرة الأخيرة، وبالتالي طلب مني الاستقالة من مجلس الأعيان. وأعتقد أني تحدثت بأمور أخرى سابقة خاصة عندما صدر كتاب عدنان أبو عودة (عدنان ابو عودة: إحدى الشخصيات الأردنية من اصل فلسطيني، شغل عدة مناصب حكومية أردنية، والف كتابا حول واقع الفلسطينيين في الأردن اثار جدلا حادا في الأوساط السياسية المحلية، المحرر) . وفي الواقع – بغض النظر عن القرار- أنا أقبله، لكن لا أتفق معه، وأعتقد أنه كان هناك ردة فعل مبالغ بها، وقد استغله بعض الإقليميين السيئين الذين أصبحوا يهاجمون أي شخص يحمل فكرا مغايرا معتقدين أنهم سيسيطرون على الناس، وأعتقد أن الكلام الذي كتبته كان مباحا.
على كل حال، القضية أعمق من ذلك.. وهي ليست مراعاة مشاعر أحد إنما بناء مجتمع مدني يقوم على عقد اجتماعي بين فئتين أساسيتين في المجتمع. لست أنا الذي صنع الأردني والفلسطيني إنما الأحداث والظروف هي التي خلقت هذا الواقع.. وهناك هجرات قسرية جاءت إلى الأردن وأمور أخرى تجعل هذا البلد الذي استقبل 50 هجرة من خلفيات إثنية ودينية وجغرافية مختلفة تجعل البعد الفلسطيني أبرزها وأكبرها على الإطلاق، لذلك نحن يجب ألا نتكلم عن هذا الموضوع بخجل، وليس كل من يطرح الموضوع يدعو إلى الفرقة. بالعكس في تقديري إن "تكنيسه تحت السجادة" إلى أن تفوح رائحته هو الذي يسبب الفرقة والألم.
القضية لدينا ليست مشكلة سياسية فقط.. وكوني أنتظر قرارا لحل مشكلة اللاجئين واختيار المكان المناسب للعيش ليس قراري وحدي كلاجئ، وانما يأتي حصيلة لظروف دولية واقليمية تؤثر على المجتمع الأردني، وان يبقى التقسيم بين الناس على الأسلوب الحالي، وهذا أمر سيئ لاقتصاد البلاد وللمستقبل.
إن القضية قضية اجتماعية اقتصادية ونريد عقدا اجتماعيا جديدا، كل له دور.. لا أحد يمنّ على الآخر.. كل واحد أدى دوره، وأنا كأردني من أصل فلسطيني لا أخجل أن أقول إنني قدمت للأردن بقدر ما أعطاني.. ولا يجوز أن يقول قائل إننا تقاسمنا معاً لقمة العيش وكأنه يمنّ عليّ، لن يمنَّ عليّ أحد بشيء.. نعم! أنا أقدر حفاوتك واستقبالك لكن ذلك ليس وسيلة لـ"تشييخ" فئة على اخرى. فانا مواطن أحمل جنسية أردنية، أنا أريد حق التمثيل.. وهذا ما أدعو له وأدعو العاقلين من الجانبين لكي نجلس وندعو إلى عقد اجتماعي، هذا العقد يجب أن يصان ويحترم حتى نحافظ على هذا البلد، أما في كل مرة يتم فتح الموضوع يخرج أحدهم ليقول إن الوقت غير مناسب أو الظروف لا تساعد.. هذا لا يجوز.
هذه قضية أردنية بحتة يجب أن تعالج ضمن إطار من التفاهم والكفالة والعدالة والمساواة الاجتماعية.. هذا ما أقوله، طبعاً لن يعجب البعض هذا الكلام لأنه ينظر إلى النتيجة النهائية، علينا أن نكون على قدر من الشجاعة حتى نواجه القضية ونتحداها، طبعاً هناك الكثيرون بدأوا برؤية وجهة نظري. أنا لا أتكلم عن فرقة.. أنا أحتج على قرارات الحكومة إن كانت خاطئة وأحتج على تناولهم معالجة قضية إبراهيم غوشة التي جعلت كل فلسطيني في الأردن يشعر أن جواز السفر الذي يحمله أو المواطنة ليس حقا، نعم إنه حق هو ليس رخصة سواقة إذا خالفت يتم سحبها منك، لا تشكك في انتمائي لأن أصلي فلسطيني.. هذا كلام مردود.. لا أقبل كلاما يقال إننا ننتظر الدولة الفلسطينية لنحمل بضائعنا ونغادر، ولذلك الموضوع يجب أن تبحث على هذا الأساس وبكل صراحة ووضوح.
كان هناك تصريحات متشائمة أطلقتها تتعلق بالموضوع الأردني والفلسطيني؟
- أنا لم أصرح.. هناك دراسات وتقديرات وأنا حذرت بأن الموقف سينفجر.. لا نريد ونحن نواجه قضايا خارجية قد تؤثر على الوضع الداخلي أن نتجاهل القضايا الداخلية بحجة التحديات الخارجية.. على العكس هناك ترابط بين الساحتين وعلاج واحد هو جزء من علاج الآخر.
هناك توقعات أن تتطور الأمور على طريقة حرب أيلول؟
- لا إطلاقا.. يجب ألا نسمح أن نحول الانتفاضة إلى حرب أردنية – أردنية، هذه مصيبة، نحن ما نتكلم عنه أننا نريد بناء مجتمع مدني متكافئ.. خذ مثلا الأردنيون من أصل فلسطيني لا يشاركون في الانتخابات بقدر كاف.. وإذا ترشح فلسطيني لا ينتخبه أحد.. وأنا لا أريد أن يكون التمثيل الفلسطيني عن طريق حركة الإخوان المسلمين، ونظهر بصورة معارضة فقط، هناك عزوف سياسي وليس لأن هذا المواطن عاجز عن ممارسة دوره ولكن يعتقد أن هذا الدور ليس مرحبا به.. نريد حل المشكلة.
* يقال إن إقالتك من مجلس الأعيان جاءت ليس على أرضية المقال الذي كتبته إنما أيضا لقربك من الأمير الحسن بن طلال؟
- أنا أعترف وأفتخر بصداقتي مع الأمير الحسن، لكن هذا لا يعني أن هناك علاقة سياسية، وأقول هل أعطاني الأمير الحسن شيئا وأنا لم أكن الرجل المناسب له؟! وأنا أفتخر أن يرشحني الأمير لمنصب لاعتقادي الجازم أنه لا يتعامل مع الناس من منطلق صداقة إنما على أساس كفاءة.
وأقول أيضا إن علاقتي بجلالة الملك الراحل الحسين كانت علاقة ممتازة ووثيقة جداً.. أنا زرته في مرضه خلال الثمانية أشهر التي كنت فيها رئيساً للديوان الملكي حوالي 8 مرات وكان الهاتف بيننا بشكل يومي.
الأمير الحسن صاحب تيار فكري وأنت تميل إلى هذا التيار بشكل كبير؟
- كنت أنا من الناس الذين تعرف عليهم الأمير الحسن منذ منتصف السبعينات.. فعندما أنهيت رسالة الدكتوراه كان هناك مؤتمر للتنمية، وتعرفنا على بعضنا، وأصبح هناك تقارب.. وأريد أن أشير إلى أننا لم نكن نتفق بالرأي دائما وكانت هناك خلافات، لكن متعة التعامل مع سمو الأمير هو أنه كان يسمح باختلاف وجهات النظر.. كنا نتعامل مع بعضنا على أساس فكري. وبهذه المناسبة أنا متفائل جداً بجلالة الملك عبدالله رغم انه يختار أشخاص قد يختلف تقييمنا لقدراتهم لكن لا أحد يكبر في يوم وليلة، خاصة إذا كان ينقص هؤلاء الاشخاص النضج الكافي والخبرة الكافية.
وأنا لا أقول أن ما جرى معي كان نتيجة علاقتي مع سمو الأمير الحسن.
ولكن طلب الاستقالة جاء بعد تصريحاتكم حول عودة الأمير الحسن إلى دائرة الحكم؟
- هناك فاصل بين الواقعتين حوالي أربعة أشهر تقريباً، أعتقد أن بعض الأشخاص في محيط جلالة الملك الذين يهمهم أن يبقى الأمير الحسن خارج الصورة قد قدموا لجلالة الملك صورة مغايرة، ولا أعتقد أنهم أظهروها إنما حفظوها واستغلوها عند كتابة المقال، وأعتقد لو أنهم قرأوا المقال بعناية كان يمكن أن يفهم بحسن نية مباشرة وأن يفسر بتفسير جيد، لذلك هذا شأن من يكتب لا يستطيع أن يحسب كيف سيفسر المقال.
دعنا ندخل إلى باب الاقتصاد كيف ترى آفاقه في الأردن؟
- إذا صدقت الأرقام التي تقولها الحكومة على لسان رئيس الوزراء ووزير المالية أن معدل النمو في النصف الأول من هذا العام كان 4% فما هو تأثير الانتفاضة إذًا؟ هذا أعلى من العام الماضي وكأنه يريد أن يقول لولا الانتفاضة لكان معدل النمو 6%.
هناك امر بحاجة إلى تفسير.. وأعتقد أنه على الحكومة أن تفسره، كيف تقول لي أن الانتفاضة أثرت ثم تقول إن هذه هي نسبة النمو التي فاقت السنوات السابقة، بالطبع الانتفاضة أثرت على السياحة والحركة التجارية مع الضفة الغربية وأثرت حتى على المنطقة.. نريد أن نعرف عن حجم هذا التأثير.. بالطبع هناك أمور حصلت أدت إلى إنقاص الدخل خاصة في مجالات السياحة تحديداً، لكن أيضا زادت الحوالات المالية للأردنيين في الخارج لأهلهم هنا حتى يعوضوهم.
إذًا بالنسبة لعام 2000 هناك تحسن، كما أن هناك تحسنا في أسعار الفوسفات والبوتاس، في نفس الوقت زادت علينا أسعار النفط، هناك عوامل ليس لها علاقة بالانتفاضة أثرت.. حتى أن هناك أثارا إيجابية، لكن الانتفاضة تخلق جوا تشاؤميا وتبقى التوقعات سالبة أكثر منها إيجابية، والانتفاضة أثرت على توقعات الناس بدرجة أساسية. بالنسبة للوضع الاقتصادي أحب أن أحذر قليلاً من المؤشرات التي تستخدمها الحكومة لتدلل على أن الاقتصاد قد تحسن، مثلا يقول زادت الصادرات 14% عن العام الماضي دون أن يذكروا المستوردات التي زادت بنسبة أكبر عن العام الماضي، لو زادت الصادرات ضعف الزيادة النسبية في المستوردات يبقى لدينا عجز على الأقل يساوي مجموع زيادة الصادرات.
عندما تزيد 5% صادراتك و 5% واردات بالتالي لديك عجز يساوي 10% من الزيادة في الصادرات، إذًا كيف تتكلم عن نمو اقتصادي كبير، البعض يقول نحن لا نتكلم عن ناتج محلي إجمالي، إذًا هنا يجب استثناء الصادرات.
الأمر الثاني حول سوق عمان المالي.. أنا أتمنى أن يكون سجل ارتفاعا، لكن هناك صفقة للبنك العربي بحوالي 68 مليون دينار في 400 ألف سهم اشتراها الضمان الاجتماعي من الكويت، وكما اشترت الضمان الاجتماعي بعض الأسهم في بعض المصارف، وجاءت موجة استثمارات بحوالي 6 ملايين دينار في شركات الأدوية، لذلك من المبكر أن نقول إن هذه قراءة مستقرة وثابتة للتحسن بالسوق المالي قبل أن نقول ارتفع مؤشر الاقتصاد. طبعا هناك فرص جيدة لبعض المشتركين لأنه يوجد أسهم أقل من قيمتها الفعلية لذلك السوق( بوريش أم بيرمشن) أي هل هناك فرصة أمام البائعين أم أمام المشترين.
أنا في تقديري أنه من المبكر أن نأخذ سوق عمان المالي كمؤشر على عودة الاقتصاد الأردني من أزمته.
الأمر الثالث هو أننا نقرأ بعض الأمور بتفاؤل كبير مثل مقالة للدكتور فهد الفانك حول دراسة نفذت حول الفقر في الأردن ويقول أن نسبة الفقر أقل من اللازم.. وأنا قرأت الدراسة المذكورة وأقول لا نريد أن نعطي الناس قراءات ليست دقيقة حول التحسن الاقتصادي.. هذا التحسن في أساسه يكمن بزيادة الاستثمار الخارجي. نحن لا نريد أن نخدع أنفسنا.. نحن نمر بمشكلة اقتصادية في الوقت الحاضر ظروفها كثيرة ومعقدة.. يجب أن لا نبدأ في إحداث تفاؤل قبل الأوان لأن الناس ستسأل أين جرى هذا التحسن بالضبط وأين ذهبت نسبة الـ 4%.
وأشير إلى أننا نقول إننا ننمو منذ عام 96 بمعدل 3.5% حيث عادوا تقييم الأرقام وأنا برأيي هذه كلها مبالغات، عندما كنت نائبا لرئيس الوزراء عام 97 حيث كان معدل النمو عام 96 بمعدل 0.06% وعندما كنت مسؤولا كان 0.1.0% الآن أعادوا تقييمها وقالوا إن عام 96 كان 3.09% معنى ذلك أنه منذ ذلك التاريخ حتى اليوم أنمو بمعدل 4%، إذا كان ذلك صحيحا وإذا كنت أنمو منذ ست سنوات بمعدل 4% فمن المفروض أن يكون الاقتصاد الأردني قد نما بنسبة مركبة على مدار 6 سنوات حوالي 4% إذًا معدل دخل الفرد يجب أن يكون قد زاد خلال هذه الفترة على الأقل 15%، هل هو زاد بهذه النسبة في الأسعار الثابتة، لا يوجد تفسير اقتصادي يفسر نمو اقتصاد بمعدل 4% سنويا لمدة 6 أعوام ثم معدل الأسعار يهبط، صعب تفسير ذلك، بصراحة نحن بحاجة إلى قراءة.. نريد تفاؤلا وأخبارا جيده لكن في المقابل يجب ألا نعطي قراءات ليست دقيقة عن التحسن الاقتصادي بهذا الشكل العشوائي غير المحترف الذي تطرح فيه هذه الأرقام ويتحدث بها السياسيون جزافا ولا نجد الصدى عند الناس.
في إطار الحديث عن التفاؤل الاقتصادي جرى الحديث عن توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. بتقديرك هل من الممكن توقيع هذه الاتفاقية؟
- في نهاية الأمر سيتم التوقيع لكن متى؟ لا أستطيع أن أجزم، ومنذ فترة كان السفير الأردني في واشنطن الدكتور مروان المعشر يصرح أن من المحتمل أن يتم التوقيع أثناء زيارة جلالة الملك إلى واشنطن. الآن هناك حديث أن مجلس الشيوخ لم يطرحها على جدول الأعمال، وأن هناك مساعي لتأخيرها.. طبعاً هناك ظروف داخلية أميركية بحتة لا علاقة لنا فيها وقد تكون قضيتها ذهبت نتيجة مساومات مجلس الشيوخ الأميركي حيث أن مجلس النواب أقرها، وأعتقد أن فائدتها مهمة لأنني أنظر إلى مثال آخر مثل اتفاقية المناطق المؤهلة حيث زادت صادراتها وأنا خوفي أن لا تستمر.
* هناك من يعتقد أن الأردن لا يمتلك استراتيجية واضحة للتعامل مع وضعه، والدولة تترك لفعلها أن يكون دائما كرد فعل على التطورات الحاصلة، هل تعتقد ذلك، وهل يمتلك العاهل الأردني عبدالله الثاني هذه الرؤية الاستراتيجية لدور الأردن وموقعه؟
- لا شك أن الأردن بحاجة إلى بلورة رؤية، لا أريد أن اسميها استراتيجية لأن كل استراتيجية أحيانا قد تبدو كلمة فيها رفاهية تنطبق على دولة قادرة على التحكم في متغيراتها أكثر من الدول الأخرى، الأردن دولة تتأثر كثيراً بالأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، وهذه المعضلة ليست معضلة الأردن، إنها معضلة كل دولة صغيرة في العالم دائما تتأثر ودرجة حساسيتها والتجاذب داخلها والتفاعل داخلها يأتي نتيجة ظروفها الداخلية والإقليمية والدولية الحساسة.
في تقديري الأردن وضعه يزداد تعقيدا ويزداد عمقا مع مرور الوقت، القائد الماهر هو الزعيم وصاحب القرار النهائي ولكن هذا لا يعني، أن يأتي القرار النهائي صدفة، (ما في حدا سوبرمان طوال الوقت)، لا يوجد شخص وحيد قادر دائما على أخذ القرار الصائب في كل الأوقات، وليس مفروضا أن نقول للملك عبدالله الثاني اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بالعكس جميعنا نتحمل المسؤولية سواء كنا في منصب أم لا.
أعتقد أن سنة إن سنتين هي مدة قصيرة للتقييم، ويبدو أنه يجب أن نعطي أنفسنا فرصة أكبر، جلالة الملك عبدالله الثاني سيدخل العام المقبل سنته الأربعين، وهو عمر النضوج، وبالتأكيد ستختلف النظرة والأداء وفورة الشباب والأولويات والاهتمامات.
وجلالة الملك يبذل جهودا جبارة ولكن لا أحد خلفه، هو يبني وهم يهدمون، ومع هذا فقد كان جلالته متسامحا ومتفهما مثلما كان المرحوم جلالة الملك حسين، وكان الملك عبدالله المؤسس.
نحن كمواطنين يجب أن نتوقع دوما أن ممارسة الحكم تنضج بالتجربة، وسنتان في الحكم ليستا بالمدة الطويلة، ولكن أعتقد أن ما أنجزه جلالة الملك في حدود ما أتاحت له تجربته كان إنجازا طيبا، وأنا متفائل جدا.
----------------------------------
الدكتور جواد العناني:
يحمل شهادة ماجستير من جامعة فاندربيلت ودكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة الأميركية.
شغل العناني مناصب وزير العمل، وزير التموين ، وزير الصناعة والتجارة والسياحة في الحكومة الأردنية بالإضافة إلى ترؤسه للجمعية العلمية الملكية، وفي عام 1985 أسس العناني مركزاً للدراسات بعني بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية ويقدم استشارات للشركات الأردنية والعبية والأخرى بالإضافة إلى المنظمات الدولية. ويعد المركز أيضاً دراسات بشأن الاستثمارات والجدوى الاقتصادية للمشاريع الجديدة.
كذلك شغل العناني منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء ووزير الإعلام في الحكومة الأردنية في الفترة ما بين عامي 1993 و 1995 ، وكان عضوا في مجلس الإعيان الأردني منذ عام 1993م ومستشاراً لسمو الأمير الحسن بن طلال.
كان العناني عضواً في الوفد الأردني المفاوض في مباحثات السلام مع إسرائيل منذ عام 1991، وعمل كمنسق للوفد المفاوض في الفترة ما بين عام 1993 و 1995م .
ألف العناني ثلاثة كتب وله العديد من المقالات—(البوابة)