الخروف الأسود

تاريخ النشر: 21 يوليو 2007 - 02:13 GMT

كانت هنالك بلدة جميع قاطنيها من اللصوص. ما إن يحل المساء حتى يغادر كل شخص منزله حاملاً رزمة مفاتيحه الهيكلية وفانوسه المخفف الوهج ويذهب ليسطو على أحد المنازل المجاورة. كانوا يعودون إلى منازلهم فجراً محملين بالغنائم ليجدوها قد تعرضت للسرقة هي الأخرى.

وهكذا فقد عاشوا سوية في هناء، لم يكن بينهم خاسر، إذ إن كل شخص كان يسرق من آخر، وهذا الآخر يسرق بدوره من آخر غيره، وهلم جرا حتى تصل إلى شخص أخير يسرق من اللص الأول. وقد انطوت التجارة في هذه البلدة على غش يتعذر اجتنابه ينال كلا الطرفين من باعة ومشترين. أما الحكومة فلم تكن سوى منظمة إجرامية تنهب أموال رعاياها في حين ينشغل الشعب بالاحتيال على الحكومة لسلب أموالها. وإلى هنا فقد كانت الحياة تسير على ما يرام، لا من أغنياء بينهم ولا فقراء.

ذات يوم، ولا نعلم كيف، حدث أن قدم شخص شريف للسكنى في هذه البلدة. وفضلاً عن الخروج ليلاً بكيسه وفانوسه، كان هذا الشخص الشريف يلازم منزله ليدخن ويقرأ الروايات. وكان اللصوص يحضرون ثم ينصرفون لدى مشاهدتهم لأضواء منزله المنارة. وقد استمر الوضع على هذا النحو إلى أن وجد سكان البلدة أنفسهم مضطرين لتوضيح الأمر للرجل، فحتى لو أراد هو العيش دون عمل فهذا ليس سببا لحرمان الآخرين من متابعة شؤونهم. كانت كل ليلة يقضيها في منزله تعني أن عائلة ما لن تجد ما تقتات عليه في اليوم التالي. وأنى للرجل الشريف أن يعترض على منطق كهذا؟

لذا فقد أخذ يغادر منزله كل مساء شأنهم، ولا يعود حتى صباح اليوم التالي. إلا أنه لم يسرق أحداً. كان شريفاً. ولم يكن باستطاعة أحد تغيير ذلك. كان يبتعد كل مساء متوجها إلى الجسر ليتمتع بمشاهدة الماء الدافق أسفله. وعندما يعود لمنزله يجده قد تعرض للسطو.

وفي غضون أسبوع، وجد الشخص الشريف نفسه معدماً، كان بيته قد أفرغ تماماً وليس هناك ما يأكله. إنما ليست هذه هي المشكلة، كونه ذنباً اجتره على نفسه، كلا، فالمشكل الحقيقي هو أن تصرفه قد أربك كل شيء آخر. لأنه ترك الآخرين يسرقون كل ما يملك دون أن يسرق هو أيا منهم. وقد ترتب على ذلك أن يكون هنالك دوماً من يرجع إلى منزله فجراً ليجده كما هو. ذلك هو المنزل الذي كان من المفترض أن يسرقه الرجل الشريف. على أية حال، فبعد فترة وجيزة أصبح الأشخاص الذين لم يتعرضوا للسرقة أغنى من الآخرين ولم يعودوا راغبين بالسرقة بعدها. ومما زاد الأمر سوءاً أن أولئك الذين قصدوا بيت الرجل الشريف لسرقته رجعوا خالي الوفاض وبالتالي فقد أصبحوا أفقر من سواهم.

في تلك الأثناء، بات حديثو الثراء يحذون حذو الرجل الشريف في الذهاب إلى الجسر ليلاً لمشاهدة الماء وهو يتدفق أسفل منه. وهذا ما جعل الوضع أكثر إرباكا فهو دلالة على تزايد عدد الأغنياء وبالتالي تزايد عدد الفقراء أيضاً. وعليه فقد أدرك الأغنياء أنهم إن استمروا بالذهاب إلى الجسر كل ليلة فسرعان ما سيعودون لما كانوا عليه من فقر، وفكروا “لم لا نستأجر بعض الفقراء لكي يسرقوا لحسابنا؟” وهكذا فقد أبرمت العقود برواتب شهرية أو نسب مئوية. كانوا لا يزالون لصوصا بطبيعة الحال ولا يزال كل منهم يخدع الآخر.. إنما، وكما تسير الأمور عادة، فقد أصبح الأثرياء أكثر ثراء بينما ازدادت حالة الفقراء بؤسا. بعض الأغنياء أصبح من الثراء بحيث لم يعد بحاجة لأن يسرق أو يسرق له لكي يبقى ثرياً. إلا أنهم إذا توقفوا عن السرقة فقد يفقدون ثرواتهم لأن الفقراء استمروا في السطو على منازلهم. لذا فقد استأجروا الأكثر فقرا من بين الفقراء لحراسة ممتلكاتهم. وقد عنى ذلك استحداث قوات شرطة وبناء سجون.

وهكذا فإنه بعد ظهور الرجل الشريف ببضعة أعوام فقط لم يعد الناس في تلك البلدة يتحدثون عن السارقين والمسروقين، بل عن الأغنياء والفقراء رغم كونهم جميعا لصوصا. إذ لم يكن بينهم من رجل شريف سوى ذلك الذي تحدثنا عنه في البداية، والذي هلك بعد ظهوره بفترة وجيزة.. جوعاً. "

قصة: إيتالو كالفينو

ترجمة عائشة الكعبي/منقول