عمان – (البوابة)
تستضيف عمان مؤتمرا عالميا بعنوان "الملتقى الدولي لترويج التراث الموسيقي في عصر العولمة" وذلك في الفترة الواقعة بين السابع عشر والحادي والعشرين من أيلول المقبل.
يقيم هذا الملتقى المعهد الوطني للموسيقى التابع لمؤسسة نور الحسين بالتعاون مع المركز الدولي للموسيقى الذي يتخذ من العاصمة النمساوية فيينا مقرا له، وهو يهدف الى التداول في أوضاع الموسيقى المحلية في هذا الكون المعولم بالثقافة التكنولوجية الحديثة، وقد تم إعداد الحدث ليكون بمثابة مؤتمر عالمي يحضره راسمو سياسات الموسيقى، والمبدعون فيها ومدرسوها وغيرهم من خبرائها، إضافة الى ممثلين عن صناعة الإنتاج الموسيقي، ليتداولوا في أنجح السبل، لانتهاز الفرص التي تتيحها عملية العولمة، من أجل الحفاظ على التراث الموسيقي المحلي ودراسته، كما أنهم سيمعنون النظر في المساهمة التي يمكن لهذا التراث أن يقدمها في سبيل تحقيق أهداف التنمية، من حيث التوظيف والدخل، وترويج السياحة الثقافية والتقنيات الحرفية ذات الجودة العالية.
ويأتي تنظيم هذا الملتقى مع الدخول إلى عصر العولمة، لأن هذه العولمة وما ينجم عنها من تجديدات تكنولوجية حديثة تفسح المجال أمام فرص جديدة من الحرية والمشاركة والتضامن، إلا أنها في الوقت نفسه تمثل المزيد من المخاطر، التي قد تؤدي إلى الهيمنة وعدم المساواة، واستبعاد فئات معينة.
وعلى الصعيد الثقافي، فإنها تفتح طوالع جديدة تزدهر فيها التنوعات الخلاقة، وتتزايد فيها مستويات المشاركة والتبادل، غير أن قوى العولمة تنذر بقولبة النماذج وفرض أنماط تتزايد سلبياتها، على استهلاك منتجات تتدفق في اتجاه واحد فقط، من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة.
ويقول مدير المعهد الوطني للموسيقى كفاح فاخوري المشرف على هذه التظاهرة العالمية:" في هذا الصدد سوف يعمل الملتقى على تشجيع الاتصال الثقافي في الاتجاهين، بحيث تنساب الموسيقى وغيرها من المنتجات الثقافية داخل الأقاليم النامية، وفيما بينها، بدل أن تقتصر منابع مجراها على الدول الصناعية".
الملتقى: أهداف وغايات
ويضيف:" لقد وضع الملتقى لنفسه أهدافا وغايات، سوف يسعى إلى تحقيقها، ففي مجال الغايات، سوف يسعى الى تطوير تصور لوضع التراث الموسيقي المحلي، في ضوء الإمكانات والمشكلات المرتبطة بالعولمة والتقدم التكنولوجي، وإلى كسب وتأييد الحكومات والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، فيما يتعلق بالحفاظ على التراث الموسيقي المحلي، وإلى توظيف المبتكرات التكنولوجية كوسيلة للتبادل الثقافي بين الشعوب، وتوظيفها أيضا لتوثيق التراث الموسيقي المحلي، لكل دولة من دول العالم، للمساعدة في تلافي أسلوب النظرة الموحدة للثقافات، التي لا تترك مجالا للتعبير عن الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، وإلى حشد وسائل الإعلام لقيادة حملة توعية تتناول أهمية التراث الموسيقي المحلي، والى تنمية نوع من الالتزام لدى الجيل الجديد، بالتراث الموسيقي المحلي كشكل من أشكال التعبير عن الهوية، وكركيزة للتنوع الثقافي، والى الخروج بخطة ترسم معالم الاستراتيجية والسياسات والممارسات التي تضمن انتقال التراث الموسيقي المحلي الى الأجيال القادمة.
أما في مجال الأهداف، فيسعى الملتقى الى الإنتاج المستمر للأعمال والمؤلفات، التي تشكل في مجملها المجموعة التي يمكن للآلات الموسيقية أداؤها. وإلى التدرج المتواصل بمهارات وتقنيات الأداء، التي يطورها المؤدون والأساتذة المرموقون، والتعديلات التي يتم إدخالها على آلات الموسيقى التقليدية، والى التعرف على التقاليد التعليمية والتعلمية في المجتمعات المحلية، التي يتم في ظلها تدريس العزف على الآلة، وهي تقاليد تختلف من مجتمع الى آخر، ومن معلم الى آخر.
ومن خلال هذه الغايات والأهداف سيتم التعرف على الأساليب التي ينتهجها المدرسون والطلبة على حد سواء، في مجال الأداء على الآلات الموسيقية التقليدية، وتوثيق الممارسات الفضلى وتبادلها فيما يتعلق بمنهجيات تعليم الموسيقى التقليدية، وصنع آلاتها وإنتاج موادها التعليمية ومشاريعها التوضيحية، وترويج إمكانيات الحصول على آلات الموسيقى التقليدية، ودعم النواحي الاقتصادية لإنتاجها، ووضع المعايير للتدريب والتقويم المنتظمين، مما يساعد في تدريب الموسيقيين الجدد، ويضمن إمكانية نقل التراث الموسيقي المحلي من الخلف الى السلف".
أما المخرجات المرتقبة لهذا الملتقى فهي:
ـ توصيات عملية وواضحة للسياسات والأساليب التي يمكن اعتمادها في الحفاظ على التراث الموسيقي المحلي.
ـ إنشاء مؤسسة مستقلة تضمن ديمومة هذا المشروع، وتكون من مهام هذه المؤسسة القيام بالبحوث والدراسات في مجال التراث الموسيقي المحلي على مستوى العالم العربي.
ـ إصدار دوريات متخصصة تركز على التراث المحلي، وكيفية الحفاظ عليه، وجذب التمويل اللازم لمشاريع مستقبلية تتعلق بالحفاظ على التراث الموسيقي المحلي.
ـ توثيق التجارب المتنوعة التي يعرضها الخبراء في التراث الموسيقي المحلي، والمشاركون في الملتقى، ويكون التوثيق على شكل أقراص مدمجة وكتب وأدلة وأشرطة فيديو.
ـ تطوير موقع على شبكة الانترنيت يوفر المعلومات عن التراث الموسيقي المحلي لكل آلة، ويوفر الربط بمواقع موسيقية وثقافية مشابهة، كما يوفر منبرا للتخاطب وتبادل الخبرات والآراء في مجال الحفاظ على التراث.
مؤتمر لتقييم المنهجيات
وسوف يشتمل هذا الملتقى على مؤتمر يستهدف تقييم منهجيات وأساليب التدريس، وعلى ورشات عمل لمناقشة وتطوير استراتيجيات صنع الموسيقى التقليدية، وعلى حلقات دراسية تتناول بالبحث تطوير مواد التعلم، وعلى مشروعات توضيحية من خلال المحاضرات والحفلات العامة، بما في ذلك الدروس الجماعية، وعلى معرض يتضمن الإنجازات التكنولوجية الهائلة في مجال أجهزة التسجيل والاستماع، وغيرها من الصناعات المرتبطة بها، كما يشمل المعرض الكتب وآلات الموسيقى التقليدية.
وسوف يتم في هذا الملتقى تنظيم ثماني جلسات عمل إضافة الى حفل الافتتاح الرسمي برعاية الملكة نور الحسين.
وستتم في الجلسة الأولى مناقشة قضية انتقال المعرفة الموسيقية، وفي الجلسة الثانية، سيناقش الملتقى الممارسات الفضلى من خلال ورشات عمل يديرها أساتذة متخصصون على الآلات الوترية، وآلات النفخ والإيقاع، إضافة الى الغناء، وستكون الجلسة الثالثة تحت عنوان "الوفاء بالمتطلبات التقنية والمهنية"، والخامسة بعنوان "مستقبل آلات الموسيقى التقليدية" والسادسة بعنوان" اثر الدين في انتقال المعارف والممارسات الموسيقية"، في حين ستكون الجلسة السابعة عبارة عن دروس جماعية، و تخصص الجلسة الثامنة والأخيرة للتوصيات وحفل الختام والمؤتمر الصحفي الخاص بالمؤتمر وتوصياته.
التراث عرضة للضياع
وفي تعليقه على انعقاد هذا الملتقى الدولي الهام في الأردن، يقول الأستاذ كفاح فاخوري مدير المعهد الوطني للموسيقى:" التراث الموسيقي في كل دول العالم زاخر وغني، ويصلح لأن يكون مادة تعليمية وإعلامية وتثقيفية، لكن هذا التراث الذي يتم تناقل معظمه شفويا، عرضة للضياع من خلال الطرق التقليدية التي توصله من السلف الى الخلف، خاصة بعد وفاة الكثير من العازفين المهمين الذين طوروا لأنفسهم أسلوبا خلاقا ومهما في العزف على الآلات التقليدية والتراثية. ولو قدر لهذه الطاقات المبدعة ان توثق، فإن هذا الأمر سيكفل لنا تقديم إضافات نوعية تبنى عليها نظريات جديدة، أو توجهات جديدة".
وتمنى أن يتم خلال هذا الملتقى إيجاد حلول لتوثيق هذه الذخيرة الحية، لا سيما في عصر أصبح فيه التوثيق سهلا، مشيرا إلى أن الملتقى سيقوم فيما بعد بتوثيق أكبر عدد من التجارب، لتوضع بين أيدي العلماء والباحثين للخروج بأساليب مبدعة تكون في متناول الجميع، وتقديم هذه المادة بطريقة ممتعة، وليس بطريقتها الجافة المعتادة من خلال وسائل الإعلام.
ويرى الأستاذ كفاح فاخوري ان رؤية الغرب لآلاتنا التقليدية والتراثية تختلف عن رؤيتنا نحن لها، فالغربي يبحث عن مادة جديدة يضيفها الى موروثه ويقولبها لخدمة أغراضه، أما نحن فإننا ننظر إليها على انها جزء من تراثنا، وهذا الأمر ينطبق على تراث الشعوب الأخرى، خاصة ونحن نعيش عصر العولمة، وعصر الهجمة الغربية على هذا التراث، ولذلك يجب ان نعمل على المحافظة على أصالة هذا التراث حتى لا يأخذ أشكالا تسيء الى أصالته، ويضيف:" مشكلتنا تكمن في تخوفنا من الخلط بين ما هو أصيل وما هو مجدد، وعلينا أن نحفظ هذا التراث ونصنفه، قبل ان ننزلق في مخاطر خلط الأوراق".
ويؤكد فاخوري أن الموسيقى المحلية شكل من أشكال التعبير عن الهوية، شأنها في ذلك شأن المسالك الثقافية الأخرى، وإذا ما استمرت التوجهات الحالية، فان الهويات الثقافية المنفردة للشعوب الأقل حظا في العالم ستكون رهن الأقدار.
ويضيف:" لقد ترعرعت الحضارة الإنسانية في أحضان التنوع الثقافي والتراث الفريد، لكل شعب من شعوب الأرض، إذ ان التراث والتنوع يقعان في عداد المصادر الحيوية للإبداع، مما يوضح أن التحديات التي تقف حجر عثرة في سبيل إغناء التراث وتنوعه من جهة، والحفاظ عليهما من جهة ثانية ستكون لها آثار سلبية على حظوظ نجاح المبادرات الخلاقة".
عمل رسمي وشعبي لحماية التراث
وحول المطلوب من الجهات الشعبية والرسمية في هذا المجال، يقول فاخوري: "يستدعينا هذا الى الإسراع في العمل على حماية التنوع الثقافي في الوقت الذي نسعى فيه الى تشجيع التبادل الثقافي، ومع ان التوازن ما بين هذين التوجهين يعتبر أمرا بعيد المنال، إلا أن البلدان التي ترغب في حماية إرثها الثقافي، يجب أن تتمتع بالحق كله في تحقيق ذلك، بموجب أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تضمن للشعوب حرية الاختيار، ويجب تشجيع التنوع الثقافي، وإدارته بطريقة تساعد المجتمعات المختلفة على التعايش معا".
وختم فاخوري بقوله "إن المطلوب أيضا هو أن تعمل الحكومات والمنظمات غير الحكومية، بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، على رسم السياسات الوطنية المناسبة، التي من شأنها الحفاظ على التنوع الثقافي، واحتضان تلك المواقف والقيم التي تفضي الى الاحترام المتبادل". مشيرا إلى أن مثل هذه السياسات" تدمج في ثناياها الإمكانات الهائلة، التي تحدثها المستجدات التكنولوجية، لتوثيق التراث الموسيقي والحفاظ عليه وتطويره، كما أنها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، مهمة التراث الثقافي في الاقتصاد العالمي، من حيث سوق العمل، والإيرادات المتأتية من السياحة الثقافية، مع اتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان عدم التعامل مع الموسيقى والمنتجات الثقافية الأخرى، على أنها شكل عادي آخر من أشكال البضائع والسلع".
وستشارك في هذا الملتقى العديد من المؤسسات الموسيقية الدولية الهامة، مثل المركز الدولي للموسيقى، والمجلس الدولي للموسيقى، ومؤسسة فورد، وأمانة عمان، والجمعية الدولية للتربية الموسيقية، إضافة الى المعهد الوطني الأردني للموسيقى.