الباشا والغجرية نرجس

تاريخ النشر: 26 مايو 2007 - 09:11 GMT

ابو سرداح اللواح

 

نجحت بعد لأي.. "حلوة لأي دي"، في الفرار من الاصدقاء والاعدقاء، مؤقتا.

نزلت من الفندق صباحا.. ورايت موظف الرسبشن حجي يرمقني بعينيه "عيني الصقر". ولطالما قلت لحالي: الراجل ده ينفع راجل مخابرات من الدرجة الاولى. بس حظه كده. جابه على الشغلانة دي.

مررت به قاصدا ان يراني وقلت: صباح الخير يا سيد حجي.

فاجاب: صباح الخير ابو سرداح باشا..

اتخذت مقعدي في اللوبي كأي باشا من الباشوات.. وامسكت بعدة جرائد وتظاهرت بقراءتها "وكانت كلها تركية" وانا لا اعرف اللغة التركية ولا الصينية، وقلت لحالي يلا.. برضه التظاهر حلو. واخذت اطالع الصور كأي امي.. او خالتي..!

انت فين يا خالتي.. اه.. اه.

كنت اتطلع من وراء الجريدة على حجي، انتظر فرصة سانحة اغافله بها واهرب من الفندق من دون ان يلاحظني فيبلغ "العصابة" عني.

وما هي الا لحظات حتى وصل جروب سياحي فانشغل حجي معهم.. فتسللت بشويش، وتظاهرت باني صاعد الى غرفتي، ودلفت الى المطعم.. وحييت النادلات الجميلات بابتسامة سريعة، وفتحت الباب الذي يفضي الى شارع جانبي وخرجت مسرعا لا الوي على شيء.

ويا ريتني ما خرجت..

اذ ما كدت اصير في الشارع حتى وجدت نفسي اقف وجها لوجه مع دب ضخم واقف على قائمتيه الخلفيتين. فارتعبت.. بل اكثر من "ارتعبت".. وتراجعت خطوتين فاذا ظهري الى زجاج المطعم والدب يتقدم مني مكشرا عن انيابه.يا لهوووووووتي.

وفكرت اين الفرار يا امير الشطار.. ولم يك ثمة مجال لفرار.. فسلمت امري لله وسقطت ارضا وبدأت اتشاهد عندما تراجع الدب فجأة.. بالحاح صاحبته الغجرية التي لم اكن اراها.. ويا لها من غجرية!

اسندت الدب الى الحائط المجاور وربطته بشجرة هناك والتقطت الدف الذي كانت تحمله واقتربت مني تعتذر، فرددت عليها باللغة الانجليزية بصعوبة..

 فقالت بالانجليزية التي كانت تتقنها: انا اسفة جدا.. انت اخفت الدب.

فقلت وقد بدأت روحي تعود الي، والمح مدى جمالها ، وجهها الجميل، ملامحها العذبة، وعينيها العسليتين الواسعتين، شعرها الطويل الغجري "الله يرحمك يا نزار قباني" الذي ينسدل من وراء لباس راسها. قلت: انا اخفت الدب.. يا ستي ده الدب بتاعك يخوف بلد بحالها.

واخذت انفض ملابسي من غبار الطريق.. حين اقتربت مني اكثر مربتة على كتفي بلمسة حنونة.. حميمية.. رائعة، قائلة: معلش معلش يا باشا.. حقك علي.

قلت وما زلت مزنجرا: خلاص يا ست.. بسيطة.

لكنها اصرت ان تعزمني على فنجان قهوة في مقهى قريب.. فلم ارفض.. فقد تيمتني برقتها .

جلسنا على المقهى.. وطلبت فنجانين من القهوة وزجاجتي "سو" وسو دي تعني مية.

سالتني عني فلم ابخل عليها بحديث طويل طويل وشيق، رويت لها فيها نزرا من طرفي وحدثتها عن دقرم وبهانة والناس التافهة والغلبانة.؟. لكني اخفيت عنها قصة مرضي وهربي من المستشفى.. صحيح ايه اخبار الدكتورفرحان والدكتور سامي وهدى وعلا.. ياه دنا اشتقت ليهم قوي؟. ..ولم تبخل هي بحديث عذب روت لي فيه تفاصيل عن حياتها، وطريقتها في كسب عيشها..والدب جالس بقربنا يرقبنا تارة ويلعب بالدف تارة اخرى.

قالت تشير الى الدب: انه صديقي.. وضحكت.

وتابعت: صحيح انه اخافك.. لكنه صديق رائع، فعن طريقه اكسب عيشي ولا احتاج احدا، وهو يحميني ايضا من الطامعين. قالت  ذلك وضحكت ضحكة ولا اشهى احمر لها خداها.

قلت: مع وحدة بجمالك اكيد الطامعين كثير.

 قالت ان اباها احضره جروا صغيرا وربته هي واعتنت به وكبرا معا حتى صارا في هذه السن.. لكنهما ما زالا وحيدين..!؟

قلت مصطنعا الجدية: حرام عليكي لازم تجيبي له انثاية تسليه وتعينه على شقاء الحياة.

قالت: صحيح.. بس انا انانية ومقدرش افضل لوحدي.

 قلت: وانت كمان.. لازم تلاقي حد يحبك ويصونك ويقدرك.

قالت وقد خجلت: من فين يا حسرة..!

قلت: معقول الكلام ده.. ده انت الف يتمنوكي، جمال ايه وخفة دم ايه.. ده انت تجنني.

احمر خداها على الاخر وقالت: خليني انا والدب احسن.

 وطال حديث الهوى والشجون.. مع نرجس.. وهذا هو اسمها. وذهبنا وتغيدنا سويا في مطعم سمك في السركجي. وبعد الغداء جلسنا في مقهى اخر يطل على بحر مرمرة

قالت انها تعشق الحرية والهواء الطلق والنوم تحت السماء حيث تتلالأ النجوم وتاسر القلوب..

قلت لها: انا برضه بحبها.. بس ما جربتهاش.

ثم قلت: انتم الغجر مجانيين في الحب والعشق والحياة؟.

قالت: ازاي عرفت؟

 قلت : بتعرفي قصة الغجر يصعدون الى السماء لمكسيم غوركي.

 قالت: لا..

قلت لها: بطلها غجري اسمه زوبار وحبيبته رادا التي يجننه حبها فيقتلها بتعرفي ليه؟

قالت وقد اوسنها كلامي "حلوة اوسنها دي": علشان يخرج قلبها بين يديه ويقول"اريد ان اعرف مم صنع قلبها".

قالت معقبة: ده راي جوركي.. بس ما حدش سال زوبار رايه الحقيقي.

قلت مستفهما ومستغربا: كيف؟

قالت: ربما اراد زوبار من شدة حبه لها ان يضع حدا لهذا الحب..الذي استعبده، لان الغجري الحر لا يقبل العبودية ابدا. وربما انتحر ورائها.

قلت: واللهي.. جوركي مات ومقدرش اساله عن الحكاية دي..

قالت متنهدة: والنساء كذلك.. تفتكر كارمن يا ابو سرداح..

قلت: اه..

 قالت: كارمن دي.. امرأة غجرية حرة.. لايمكن ان تستعبد ولا حتى باي شكل كان.

قلت: اعشق الحرية..

 قالت مبتسمة: مثلي..

وكاد المساء يحل.. فاستاذنت.. فعرضت ان اوصلها ودبها الى حيث تقيم في مخيم الغجر.

وسرت بينهما.. يدي تلمس يدها وتتوشق للامساك بها دون فايدة، وشعرها الغجري الطويل تطيره نسمة بحر مرمرة العليلة فيلمس بشرة وجهي.. فاثمل كاني شربت خمرة الدنيا كلها. حتى قالت: ممكن يا ابو سرداح باشا تمسك ايدي.

قلت: طبعا.. يانرجس هانم.

قالت ضاحكة: لا.. بلاش هانم لو سمحت.. نرجس بتكفي.

قلت رادا بضحكة: وزيادة..

 

والبقية تاتي..

 

 [email protected]