قال الشاعر والباحث الإماراتي الشاب أحمد محمد عبيد أن ذاكرة العرب ذات حساسية شديدة للخبر الشفاهي، وهي تمثل جزءا لا يمكن إهماله من الحياة الثقافية على امتداد تاريخها الطويل. ورغم أن هذه الذاكرة قد حفظت لنا أحداثا بعضها موغل قرونا في القدم ،إلا أنها سوف تتجه للاختفاء شيئا فشيئا في بعض الدول كالإمارات، وذلك لعدة أسباب منها: بعد العهد ببعض الأحداث القديمة التي غابت أصولها، كما أن وفاة كبار السن معناه انتهاء ثقافة متراكمة وخبرات معرفية وتجارب، اكتسبها هؤلاء الأشخاص على مدى حياتهم.
وأكد عبيد أن تدوين هذه الذاكرة صار مطلوبا لما للكلمة المكتوبة من صفة الثبات والبقاء، وأضاف:" نحن لم نعرف في دولة الإمارات التطور الثقافي المعتمد على التوثيق المكتوب للأحداث، كما هو الحال في أجزاء من الجزيرة العربية وبقية البلدان العربية، لأننا اعتمدنا على ذاكرة تلم بالأخبار لقرنين ماضيين في أصح حالاتها، وهذا مفيد حينما يكون هناك تاريخ مكتوب يؤكد ما جاء في هذه الذاكرة، وربما نتفرد أيضا ببعض الأحداث التي لم تسجل وقتذاك، رغم أن نقل الخبر بالتواتر من جيل إلى جيل حفظه لنا أو حفظ بعضا منه."
ويرى عبيد أنه لا يمكن إغفال ما قام به الباحثون من جهود لتوثيق الأدب الشفاهي، وهي حالة عامة في معظم أرجاء الوطن العربي حيث لا زال الألمان - مثلا - يكنون احتراما خاصا للأخوين (غريم) اللذين وثقا التراث القصصي الألماني، ومثلهما كثيرون في مختلف أرجاء العالم .
ويؤكد أن اهتمام الباحثين بجمع الأدب الشفاهي وتوثيقه، يمثل رصيدا كبيرا من ذاكرة الأمة وشاهدا على أحداثها، ويضيف:" على مستوى جمع التراث الشعبي ككل نرى الجهود حثيثة في جميع مجالات هذا التراث من أدب وأخبار وطب وزراعة وعلوم… الخ، وهي جهود تستحق التقدير لكن يعيبها أن معظمها فردية قامت على اهتمام خاص وتمويل خاص" ويرى عبيد أنه قد حان الوقت لإيجاد صيغة جماعية مشتركة لتوثيق التراث في بعض الدول، فنحن نتحدث عن أدب وأخبار ولهجات قد بدأت بالانقراض شيئا فشيئا لأن الرواة وكبار السن قد انتقل كثير منهم إلى جوار ربه وأصاب الخرف والنسيان ذاكرة الآخرين، دون وجود من يحمل عنهم هذا العلم الغزير ". وقال :" نحن نتساءل: هل وثقت الدراسات ما كانت تحمله ذاكرة شخص من أولئك الأشخاص الذين قاسوا تلك الحياة الماضية المرة؟ نحن في الإمارات نحتاج إلى مؤسسة حكومية مختصة بالبحث التراثي ذات إدارة واعية وباحثين متفرغين على قدر عال من الكفاءة يساندهم دعم مالي كبير".
وأكد عبيد أن بعض أبناء منطقة الإمارات اتجه إلى كتابة تاريخها وتوثيقه، وأن الجيل الجديد من الباحثين الأكاديميين قد قام بتسليط الضوء على تاريخ المنطقة ما أمكن، وأضاف :"كانت معظم جهودهم منصبة على التاريخ الحديث، أما تاريخ المنطقة في العصور الإسلامية فقد كتبت عنه بحوث جيدة ،وكانت هناك قلة في البحث في التاريخ القديم والآثار رغم أهميتهما".
ويقول عبيد:" علينا أن لا نغفل ما كتبه الأجانب أمثال الرحالة الذين توافدوا طوال القرون الأربعة الأخيرة، لعل آخرهم ويلفرد ثيسيجر ، إلا أنه يجب تمحيص كتابات هؤلاء الرحالة، لأن بعضهم يكتب عن هوى بغيض مسبق، وبعضهم يكتب بحسن نية، لكن مع جهل مطبق، ومثل ذلك المؤلفات التاريخية الحديثة سواء تعلقت بالتاريخ القديم أم الإسلامي أم الحديث".
ويشير عبيد إلى أن كل دراسة جديدة جادة قد تنسف بعض الدراسات السابقة لها، أو تؤكدها وتضيف لها بعدا جديدا·
وعن الحركة الثقافية الحالية في دولة الإمارات خاصة الأدبية منها يقول عبيد :" نتيجة لتراكمات طويلة المدى تبلورت هذه الحركة بشكل افضل خلال العشرين سنة الماضية، خصوصا مع ظهور مؤسسات ثقافية مثل اتحاد الكتاب، ندوة الثقافة والعلوم، المجمع الثقافي وقبل ذلك الدور الذي تمثله وزارة الإعلام والثقافة، وقد ساهمت جهود المؤسسات والأفراد في إيجاد نتاج لا بأس به رفد به الأدباء الساحة الثقافية".
وردا على سؤال لصحيفة "الاتحاد" الإماراتية الصادرة اليوم، عن نتاج الإمارات الأدبي والثقافي قال عبيد:" منذ الخمسينيات و في أواخر الستينيات أخذ هذا الإنتاج بالانتشار، مع العلم بأن هناك كتابا جيدين في الشعر والقصة لم ينشروا مجموعاتهم بعد، وهناك كم متناثر يستحق الجمع والتوثيق من المجلات والصحف، هذا الكم الكبير له صفة التفاوت الفني خاصة في القصة القصيرة، لأن تقنيات كتابتها أصعب من الشعر، ورغم هذا الإنتاج فانه بالإمكان أن يكون الحال أفضل مما هو عليه، ولكن السلبية قد طغت على كثير من الموهوبين والمبدعين فتوقفوا مؤقتا عن الكتابة."- -(البوابة)