محمد عمر
يصف رئيس الحكومة اللبنانية سليم الحص المعركة الانتخابية التي سبقت ورافقت الجولة الأولى من الانتخابات النيابية التي جرت أمس الأول في منطقتي جبل لبنان والشمال بقوله "إننا نشهد معركة انتخابية هي الأشرس والأوسخ في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان"، ويوضح الحص مقصده بالقول "إن الأدوات المستخدمة لم يسبق وان استخدمت على هذا النطاق ومنها المال السياسي والطائفية والمذهبية".
وعلى الرغم من أن الجولة الأولى جرت في ظل أجواء ديمقراطية هادئة على عكس ما اعتاده بلد نكب 14 عاما بالحرب الأهلية، ونحو 22 عاما بالاحتلال الإسرائيلي، إلا أن كلام رئيس الحكومة على مرارته يبقى الأكثر تعبيرا عن الواقع الذي سبق ورافق الانتخابات.
وسيان كانت المعركة الانتخابية قد أديرت بأدوات "وسخة" أم لا إلا أن الأمر الثابت وحسب تحليلات الصحف والمعلقين يبقى أنها الانتخابات الأولى التي تجري "بشراسة" ديمقراطيةلم يعهدها لبنان سابقا الأمر الذي دفع بمحرر صحيفة "النهار" المعارضة للدولة إلى الإقرار بمدى ديمقراطية ونزاهة الانتخابات وحيادية الدولة التي رغم خسارتها الشديدة في الجولة الأولى إلا أنها كسبت معركة الديمقراطية بحسب تعبير افتتاحية "السفير" أيضا.
بيد أن عوامل أهمها الإقليمية ساهمت في خلق هذه الأجواء الديمقراطية، فهذه هي الانتخابات الأولى التي تجري في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي المشين من لبنان وغياب اللاعب الإسرائيلي عن ساحته الداخلية.
وهي الانتخابات الأولى التي تجري في ظل غياب الرئيس السوري حافظ الأسد عن الدنيا الأمر الذي حقق قدرا اكبر من السيادية وتدخل اقل من الرئيس السوري الجديد، الذي تدخل قبيل الانتخابات لتهدئة الأجواء المحمومة تاركا للبنانيين مساحة من الحركة لم يعرفوها في عهد سلفه، ولا غرابة إذا أن يتصدر قائمة الفائزين ال 63 أولئك المنادون بإعادة صياغة العلاقات السورية اللبنانية على أسس متكافئة وفي مقدمهم رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط.
تعتبر صحيفة "السفير" أن الجولة الأولى من الانتخابات التي تنافس فيها حوالي 300 مرشح للفوز ب 63 مقعدا، وفازت بها المعارضة بنحو 41 مقعدا، مقدمة أو بالأحرى "بروفة" لما ستكون عليه الجولة القادمة الأحد المقبل حيث تستكمل المقاعد ال 128 لمجلس النواب.
وعلى مجلس النواب اللبناني القادم سيقع عبء إعادة الثقة للمواطن اللبناني بالديمقراطية، فإذا كانت الانتخابات الأخيرة قد سجلت إيجابيات كبيرة فمن أهمها أنها كشفت عن عمق اللامبالاة التي أصابت اللبنانيين إزاء نظامهم السياسي إذ لم تتجاوز نسبة المقترعين حوالي ال 50 في المائة.
وإذا ما صحت تقديرات الصحف اللبنانية حول نتائج الجولة الثانية، فان المجلس النيابي اللبناني القادم سيكون قادرا على استعادة هذه الثقة، وسيشكل علامة فارقة أو استدارة مرة أخرى نحو استعادة الديمقراطية اللبنانية التي فقدها لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 .