عمان-بسام العنتري
يجمع المحللون والمراقبون على استبعاد حصول مفاجأة "مهمة" في النتيجة التي ستتمخض عنها صناديق الاقتراع بالنسبة لحزب "الليكود" خلال الانتخابات الاسرائيلية المقررة الثلاثاء، وذلك برغم حقيقة ان تداعيات كثيرة غير مسبوقة، جعلت منها، الاكثر جدلية في تاريخ اسرائيل.
وقد تسلسلت هذه التداعيات بشكل دراماتيكي بدءا من تفجر فضائح حزب "الليكود" وزعيمه رئيس الوزراء ارييل وشارون، مرورا بالدعم الاميركي المعلن لحملة الاخير الانتخابية، وصولا الى قفزة حزب "شينوي" الذي تقدم على حساب التدهور الحاد لشعبية "العمل"، وانتهاء بحالة الارباك في اوساط الناخبين، والتي ترجمت نفسها عبر اعلى نسبة مترددين لم يقرروا بعد لمن ستذهب اصواتهم، هذا ان قرروا التصويت.
فعلى صعيد فضائح "الليكود"، تمكن الاسرائيليون من رؤية رموز بارزة في الحزب الاوسع قاعدة وهي تشتري الاصوات لتضع نفسها في قائمة المرشحين لانتخابات الكنيست، وجاءت بعد ذلك فضيحة قرض المليون ونصف المليون دولار التي يتهم ابناء شارون باقتراضها من صديق ابيهم بهدف شراء اصوات لصالحه في انتخابات الحزب.
وتسببت هذه الفضائح في انحدار فرص "الليكود" الى 27 مقعدا من اصل 42 مقعدا منحته اياها الاستطلاعات، الا انه لم يلبث ان استرد عافيته بعد سلسلة عمليات قمع ضد الفلسطينيين، تبعها من دعم اميركي معلن لشارون عبر الاستجابة لمطلبة تحييد "خريطة الطريق"، الى ما بعد الانتخابات، وتلميحها الى الموافقة على منحه ضمانات قروض بمليارات الدولارات.
وعلى صعيد حزب "العمل" فقد جاءت المفاجأة التي اذهلت قادته مع انهيار شعبيته، وتراجع موقعه الذي كان اما الاول او الثاني على خارطة الانتخابات على مدى تاريخ اسرائيل، وذلك لصالح بروز حزب "شينوي" العلماني الوسطي، الذي تشير الاستطلاعات الى انه مرشح لحصد اكثر من 17 مقعدا في الكنيست.
وبرزت ضمن تداعيات هذه الانتخابات، حالة الارباك في اوساط الناخبين، والذين لم تقرر نسبة 21 في المائة منهم، الى من ستذهب اصواتها، هذا ان قررت التصويت.
ومع ان هذه التداعيات كانت تنزل على الاسرائيليين على شكل مفاجآت، وعلى الاحزاب في صورة انتكاسات في فرصها الانتخابية، الا انه يمكن القول ان عجلتها قد هدأت نسبيا عشية انطلاق عملية الاقتراع التي ستجري في ظل حظر تجول شامل في كافة الاراضي الفلسطينية، سعت اسرائيل من وراء فرضه الى منع وقوع المزيد من التداعيات التي قد تقلب الموازين بالنسبة للمتنافسين.
لا مفاجآت مهمة!
ووفقا للاستقرار النسبي الذي وصلته خريطة التنافس الانتخابي بين القوى السياسية الاسرائيلية، فان حصول مفاجآت "مهمة" على صعيد ما ستتمخض عنه صناديق الاقتراع، اصبح امرا مستبعدا، بحسب محللين ومراقبين تحدثوا لـ"البوابة".
فقد استبعد الدكتور عماد جاد، وهو مسؤول في برنامج الدراسات الإسرائيلية التابع لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ان تكون هناك "مفاجآت درامية تغير التوقعات بشكل كبير" من حيث النتائج التي ستتمخض عنها الانتخابات.
لكنه قال انه يتوقع أن "تبرز بعض القوى والحركات بحصص أكبر مما كانت حصلت عليه في الانتخابات (التشريعية التي جرت) عام 1999".
واوضح انه "في انتخابات 1999، قفزت حصة حزب (شاس) الديني إلى 17 مقعداً، وفي هذه الانتخابات يتوقع أن يتراجع إلى ما يقرب من 10 مقاعد، في حين ستكون هناك قفزة لحزب "شينوي" العلماني اليميني، والذي يعطيه البعض ما يصل إلى 15 وأحياناً 17 مقعداً" في الكنيست.
وحتى أن حدث هذا فإنه بحسب الدكتور جاد "لن يكون مفاجأة بالمعنى الحقيقي لأن شينوي في حقيقة الامر يأخذ أصوات الساخطين من داخل حزب العمل".
وحول توقعاته للسيناريوهات التي ستحكم تشكيلة الحكومة المقبلة، فان الدكتور جاد يورد بديلين، اولهما ان يضطر شارون الى تشكيلها بالتحالف مع الاحزاب الدينية المتطرفة في ضوء رفض حزبي "شينوي" و"العمل" الانضمام اليها.
ولكنه يقول ان "مشكلة هذه الحكومة هو في أنها ستكون حكومة اقلية ضيقة، وستكون معرضة باستمرار لهزات كبيرة يمكن أن تسقطها في أية لحظة، وذلك بفعل ابتزاز الأحزاب الصغيرة، والتي ستطالب بمكاسب اكبر لقواعدها من منطلق ادراكها لحقيفة انها تستطيع إسقاط الحكومة".
اما البديل الثاني فهو أن يتشكل الائتلاف بين الليكود والعمل.
وهذا البديل من وجهة نظر الدكتور جاد "سيكون أخطر البدائل التي ستواجه العرب والفلسطينيين".
ومع ذلك، يلفت الباحث في مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الى ان "الأمور لم تزل غير محسومة إلى الآن" وبخاصة ازاء احتمالات انضمام حزب العمل الى ائتلاف يقوده الليكود.
ويشير في هذا السياق الى التيارين المتضادين داخل حزب العمل حيال هذا الامر "الاول تيار يقوده زعيم الحزب السابق بنيامين بن إليعاز ومعه شمعون بيريز، والذي يعتقد بضرورة دخول حكومة يقودها الليكود بحجة ترشيدها الحكومة ومنع نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق، والثاني يقوده رئيس الحزب الحالي عمرام متسناع ويرفض التحالف مع الليكود".
وبالنسبة التيار الثاني، يقول الدكتور جاد انه يسير وفق نظرية تقول ان تشكيل الليكود حكومة ضيقه تسقطها الأحزاب الصغيرة سريعاً سيمنح حزب العمل فرصة لتحسين وضعه في الانتخابات المبكرة التالية.
وفي المحصلة، يرى الدكتور جاد ان "شارون سيفوز وسيشكل الحكومة، وبالتالي سنكون امام حكومة يمينية متطرفة، وسيكون الموقف أكثر شدة وخطورة بالنسبة للقضية الفلسطينية..فحكومة يقودها شارون لا يمكن أن توقع اتفاقاً سلام مع الفلسطينيين".
الحكومة المقبلة "يمينية ضيقة..قصيرة العمر"
ومن ناحيته، اتفق الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي، غازي السعدي، مع الدكتور جاد في عدم توقع مفآجات مهمة خلال هذه الانتخابات. وقال "برأيي لن تكون هناك مفاجآت وحتى لو حصلت، فإنها لن تغير شيئاً في الاساس لأن الأحزاب اليمينية والمتدنية ستحصل على نا بين 61 و 63 مقعداً".
وبرغم هذه التوقعات، إلا أن السعدي توقع ان يواجه "الليكود" "صعوبة كبيرة جداً" في تشكيل الحكومة المقبلة، مؤكدا انها "كيفما تم تشكيلها، فسوف تكون ضعيفة وفترة حياتها محدودة".
ويوضح السعدي وجهة نظرة قائلاً أن "كل المؤشرات تدل على أن حزب العمل لن ينضم هذه الحكومة، ولذلك لن تبقى خيارات أمام شارون سوى تشكيل حكومة ضيقة بالتحالف مع اليمين المتدين، نظراً لموقف حزب (شينوي) المبدئي من رفض الدخول في ائتلاف يضم المتدينين (الحريديم) والمقصود هنا حزب "شاس".
ومثل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة لن تخرج إسرائيل من أزماتها الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية بحسب السعدي، الذي عاد وأكد أنها "ستكون حكومة معرضة للإنهيار سريعاً".
وفيما يؤكد العديد من المحليين الإسرائيليين أن شارون ينتظر ضربة عسكرية أميركية للعراق سيكون من شأنها تعزيز موقف تحالفه المرتقب، وأن الولايات المتحدة تنتظر بدورها الانتهاء من الأزمة العراقية من أجل التفرغ للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن للسعدي رأيا مغاير في هذه المسالة.
فهو يشير إلى تراجع احتمالات الحرب في العراق، والتي قال انها حتى لو اندلعت وانتهت بتحقيق واشنطن اهدفها منها، "فإن أي توجه أميركي مفترض بعدها لحل مشكلة الشرق الأوسط، لن تكون له نتائج واقعية دون أن يكون مترافقاً مع ضغط أميركي وموقف عربي موحد".
القوائم العربية في اضعف حالاتها
وعلى شاطئ معادلة التنافس المعقدة بين القوى السياسية اليهودية، تقف القوائم العربية ألاربع في هذه الانتخابات، وهي في أضعف حالاتها بسبب تدني مستوى التنسيق بينها، إلى جانب "انعدام الحماسة" في أوساط الناخبين العرب.
وبرغم أن العرب يشكلون ما نسبته 18% من إجمالي السكان في إسرائيل والبالغ عددهم (6,6) مليون نسمة، إلا أنهم لم يتمكنوا سوى من دفع 10 نواب إلى الكنسيت المنتهية ولايتها.
وكان متوقعاً أن تكسب هذه القوائم الاربع، الأصوات العربية التي هجرت حزب العمل بسبب سخطها عليه لمشاركته في الحكومة التي قمعت الانتفاضة وكانت مسؤولة عن استشهاد 13 شابا يحدث.
ولكن، لم يسفر هذا عن أي تحسين في مستوى التوقعات التي ظلت تشير إلى أن القوائم العربية لن تحصل على أكثر مما حصلت عليه سابقاً.
ويجمل النائب العربي في الكنيست طلب الصانع، العوامل التي أدت إلى الضعف الذي تعاني منه القوائم العربية، ويضع في مقدمتها: تدني مستوى التنسيق بين القوائم، وانعدام الحماسة لدى الناخبين العرب.
ويقول ان مستوى التنسيق بين القوائم "غير مرض..ودون المستوى الذي كنا نريده"، مشيرا في هذا السياق الى أن "الطرح الذي قدمت بعض القوى العربية نفسها من خلاله أدى إلى منافسة تجاوزت الشكل الحضاري والتربوي والأخلاقي" ما ادى الى نفور لدى العديد من الاصوات العربية.
أما العامل الثاني الذي اسهم في اضعاف فرص القوائم العربية، وهو عامل "انعدام الحماسة" في أوساط الناخبين العرب، فيري الصانع أن مرده هو "التبكير في موعد الانتخابات".
ولا يرى الصانع ان قرار المحكمة العليا الاسرائيلية نقض قرار لجنة الانتخابات المركزية القاضي بمنع ترشيح قائمة ومرشحين عربيين، كان له كبير اثر على توجهات الناخبين العرب كما اشارت توقعات سابقة.
ويقول في السياق أن أثر هذه الحادثة "كان محدوداً جداً".
الائتلاف المقبل ينذر بتصعيد اكثر دموية
وعلى الجانب الفلسطيني فإن الرأي السائد هو أن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية لن تكون فاتحة لانفراجة في الموقف الراهن، هذا أن لم تكن مقدمة لتصعيد أخطر، كما يتوقع عضو المجلس التشريعي الفلسطيني حاتم عبد القادر.
ويقول عبد القادر في هذا الصدد أن "التوقعات تشير إلى اليمين سينتصر في هذه المعركة الانتخابية، وهذا يعني أننا سنشهد أوضاعاً صعبة جداً، خاصة إذا اندلعت الحرب في العراق".
ويضيف "الوضع سيكون أكثر دموية مما هو عليه الآن".
وحول توقعاته لتأثير اتفاق محتمل بين الفصائل يفضي إلى وقف مؤقت للعمليات على اتجاهات نحو 21% من الإسرائيليين ممن تشير الاستطلاعات إلى إنهم ما زالوا مترددين بشأن من سيمنحونة أصواتهم، فإن عبد القادر يرى أن مثل هذه الاتفاق سيكون له أثر ولكنه "لن يكون أثراً حاسماً".
ويقول في هذا الإطار أن شارون سعى مقدماً إلى إفشال الحوار عبر ارتكابه لمجزرة الأخيرة في غزة والتي أسفرت عن سقوط 12 شهيداً اكثر من 50 جريحا.
وكما يرى النائب الفلسطيني، فان المجزرة التي كانت تهدف أيضاً إلى تعزيز موقف حزب الليكود في الانتخابات، تم اهداء مبررها لشارون عبر سلسلة العمليات الفدائية الاخيرة، التي وصفها بأنها "عشوائية".
ويقول "أن توقيت بعض العمليات واختيار الأهداف لم يكن في صالح الشعب الفلسطيني".
ويضيف، "لقد كانت هناك حسابات خاطئة لدى بعض الفصائل، وللآسف هناك عمل عشوائي غير مخطط له ويفتقر إلى الأفق السياسي، وأحياناً يصب في مصلحة السياسية الإسرائيلية".
