الامبراطورية الوهمية

تاريخ النشر: 26 نوفمبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

ارضخ الرئيس الاميركي جورج بوش الديمقراطيين في بلاده، وقريبا سينطلق نحو خطوات جدية لتغيير النظام في العراق، وبعدها قد يصغي بمزيد من الاهتمام لدعوات صقور بيته الابيض، فيحول ركبه الى السعودية لتغيير نظامها ايضا، ثم نظام غيرها وغيرها..وسيتخلل ذلك اسكات هذه الدولة او تلك.. 

والمسالة هنا، كما توردها مجلة "بوسطن غلوب" تتعلق بنمط من القوة الفائضة التي تعبر عن نفسها بعمليات توسع امبريالية كتلك التي تسبق تشكل الامبراطوريات. لكن المجلة ترى ان الخشية في اميركا من هذه الامبراطورية اكبر من الترحيب بها كونها تحتاج كثيرا من الاموال. 

وتثير المجلة، في التقرير الذي نورده تاليا، تساؤلا عميق المغازي حول ما اذا كانت هذه الامبراطورية مجرد فكرة اوحتها القوة الاميركية الفائضة، ام انها موجودة في اصل السياسات الخارجية الاميركية، وبدات تتخذ شكلا اكثر علنية منذ انتهاء الحرب الباردة، واشد وضوحا منذ تولي الادارة الجديدة سدة السلطة في البيت الابيض.  

كلمة إمبراطورية تعود إلى الماضي. أما هذه فهي ليست مرتبطة بشكل خاص بالماركسيين البائدين الذين كانوا يرفعون الشعارات حول الإمبريالية.  

يستشهد أندرو باسفيتش في كتابه "الإمبراطورية الأميركية" الذي نشرته مطبعة جامعة هارفارد لتوها بالتوقعات اليسارية القديمة بأن العالم الآمن للرأسمالية سيكون عالما تهيمن عليه القوة الرأسمالية العظمى، أي الولايات المتحدة.  

وباسفيتش أستاذ للعلاقات الدولية في جامعة بوسطن وهو ضابط سابق له مساهمات كبيرة في المجلات المحافظة مثل "ناشيونال ريفيو".  

ويمكن أن تستخدم الولايات المتحدة لغة الخطابة المتمثلة في الحرية والأسواق المفتوحة ولكن القوة الأميركية، في الحقيقة، وخاصة القوة العسكرية سوف تكون بمثابة شرطي العالم.  

ووفقاً لباسفيتش فإن الكتاب المتشددين أصبحوا الآن أمراً واقعاً في السياسة الخارجية الأميركية سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين.  

ويدعي باسفيتش بالإضافة إلى رالف نادر أنه ليس هناك فرق جوهري بين الحزبين فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فحسب رأيه تعتبر الطريقة التي تناولت بها إدارة بوش قضية الانحباس الحراري أو الدفاع الصاروخي امتداداً لسياسات الإدارات السابقة التي كان من المفترض بها أن تكون متعددة الجوانب.  

الهجمات لم تغير أي شئ 

ليس صحيحاً القول أن هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر غيرت كل شيء أو أي شيء. ويدعي باسفيتش أن الحرب على منظمة القاعدة لا تتم ضد الإرهاب بل لمصلحة مبادئ المجتمع المفتوح.  

ثمة جوانب حقيقية في تحليل باسفيتش، وبحسب جي بوكمان، من "أطلنطا جيرنال كونستيوشن"، فإن استراتيجيات إدارة بوش الحالية يمكن الرجوع إليها في تقرير صدر في أيلول/سبتمبر عام 2000، تحت عنوان "مشروع للقرن الأميركي الجديد" من قبل عدد من شخصيات من الإدارة الحالية بمن فيهم مساعد وزير الدفاع بول وولفوتز ونائب وزير الخارجية جون بولتن ومراقب وزارة الدفاع دوف زاكهيم ورئيس طاقم موظفي نائب الرئيس ديك تشيني.  

فقبل عام من الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة دعا هؤلاء المفكرون من المحافظين المختصين بالشؤون الدفاعية إلى السرعة في توسيع الميزانية العسكرية من أجل أن تقوم القوات الأميركية بالحلول مكان الأمم المتحدة كشرطي للعالم، ومن أجل بناء قواعد عسكرية في أميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا وهي مناطق لا تتواجد فيها مثل هذه القواعد في الوقت الراهن.  

من وجهة نظر المقيمين خارج الولايات المتحدة، تعتبر السياسة الخارجية الأميركية استعمارية بشكل واضح.  

يقول المراقب الفرنسي الحكيم بيير هاسنر، مدير أبحاث متقاعد، في مركز الدراسات الدولية في باريس، "إنها دون شك عودة إلى الفكرة الاستعمارية في طبيعة الأشياء" متسائلاً ما إذا كانت الإمبراطورية الأميركية الجديدة سوف تستند إلى القوة أو التعاون.  

ويوضح هاسنر مستشهداً "بأمثلة على رفض إدارة بوش السماح للمحاكم الدولية بمحاكمة الأميركيين" بأن الاميريكيين يقفون بصورة مطلقة ضد تجاوز سيادتهم ولكنهم في نفس الوقت يقفون بصورة مطلقة لصالح التدخل ضد الآخرين".  

الامبراطورية والقوة 

وعلى الرغم من الإقرار بوجود فكرة الإمبراطورية الأميركية من قبل الكتاب من كافة الأطياف السياسية فإن هناك شيئاً مفقودا في التحليل. ثمة شيء أكبر من الإمبراطورية وهو امتلاك قوة هائلة.  

فالإمبراطورية تفترض مسبقاً وجود مؤسسة عسكرية تناط بها مهمة التأكيد، من خلال التهديد واستخدام القوة، على أن الصراعات المحلية والإقليمية تحل عن طريق استخدام القوة الإمبريالية.  

إن فهم الموضوع بتلك الطريقة لا يتواءم مع النموذج الإمبريالي للسياسة الخارجية الأميركية لأنها تطورت منذ نهاية الحرب الباردة. وبالفعل نحن نخشى فكرة الإمبراطورية أكثر من ترحيبنا بها.  

يتمثل السبب الرئيسي الذي يكمن وراء قلق الأميركيين من موضوع الإمبراطورية في حقيقة كونها تحتاج كثيرا من الأموال. تاريخياً، كان الديمقراطيون هم الحزب الذي يرغب في زيادة الضرائب من أجل تمويل الأنشطة الحكومية وهذا يفسر سبب الجهود التي بذلها الديمقراطيون لتوسيع القوة الأميركية في الخارج إبان حكم الرؤساء الديمقراطيين.  

يجب علينا أن نتذكر جون. إف كنيدي وليندون جونسون اللذين وسعا الحرب في فيتنام وليس ريتشارد نيكسون.  

وإذا ما عدنا إلى الثمانينات نرى أن الخفض في الضرائب أيام رونالد ريغان تم إتباعه "بعقيدة واينبرغر" التي حذر من خلالها وزير الدفاع من مغبة نشر القوات المسلحة الأميركية في الخارج بشكل متكرر.  

ومن أجل أن يحقق المفكرون المحافظون من مسؤولي الدفاع طموحاتهم الإمبريالية، تكون أولى مهامهم إعداد الشارع الأميركي وقاعدتهم الجمهورية لمزيد من الإنفاق العام.  

لكن من المؤسف لهم أن الرئيس الذي يعملون تحت إمرته قام بعكس ذلك تماماً. فليس هناك من بانِ جاد لإمبراطورية يقوم بتخفيض الضرائب بصورة متهورة كما فعل الرئيس بوش. وبسبب التخفيضات الهائلة في الضرائب لم يكن لدى إدارة بوش سوى خيارات قليلة خيبت آمال حلفائها في البنتاغون بإخلال للوعد الذي قطعته على نفسها بشأن الإنفاق الحكومي.  

وبطبيعة الحال، وحتى إذا وجد بوش طريقة لتعزيز الإنفاق العسكري بصورة كبيرة، فإنه لا يستطيع إقناع المؤسسة العسكرية المترددة بأن القوة الأميركية يجب استخدامها كما يرغب صقور الإدارة من المدنيين.  

كذلك لم تظهر إدارة بوش أي ميل للتغلب على المشاعر الانعزالية الموجودة تقليدياً في الحزب الجمهوري والتي يمكن ملاحظتها في الكره الذي يبديه العديد من المحافظين لعبارة "بناء أمة".  

الأميركيون يعرفون القليل جداً حول ما يجري في العالم خارج حدودهم وهم مترددون في تغيير نمط حياتهم المريح استجابة لأحداث خارجية.  

ولم يحاول بوش مواجهة هذه الأمور ولو لمرة واحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر حيث لم يعمل أبداً على ترشيد استهلاك الطاقة لتقليل الاعتماد على نفط البلدان العربية. كذلك لم يدخل إصلاحات على وكالة المخابرات المركزية والتي فشلت فشلا ذريعا في تحذير الأمة مسبقا بشأن عدوان واسع عليها.  

وبطبيعة الحال فإن إدارة بوش تحبذ الأعمال التجارية فقط.  

والمشكلة بالنسبة لأولئك الإمبرياليين المحتملين هي أن الأعمال التجارية تقود عادة الأميركيين للتركيز على حاجاتهم الشخصية أكثر من قبول بذل التضحيات باسم الاستقرار العالمي.  

وأخيراً فإن الإمبراطوريات لا تتلاءم مع حملات إعادة الانتخاب. 

وللتخلص من تنظيم القاعدة اتجهت الولايات المتحدة للمساعدة نحو باكستان. وقامت الأخيرة مقابل ذلك بتوضيح رغبتها في أن تقوم الولايات بتخفيف التعرفة العالية التي تفرضها على الصناعات النسيجية الباكستانية التي تشكل جزءاً مهما من الصادرات الباكستانية.  

وقد اختارت إدارة بوش أن تقف إلى جانب المنتجين المحليين عندما أصبح الخيار بالنسبة لها إما مساعدة حليف صديق أو اتخاذ إجراء من شأنه تقليص قاعدتها المحلية. وبعد ستة شهور من ذلك صوت الباكستانيون بأعداد مدهشة لصالح حزب إسلامي ينتقد الولايات المتحدة بشدة. ليس ناشطو السياسة الخارجية وحدهم يهمسون في أذن الرئيس بوش فمستشاره للشؤون المحلية كارل روف له الأولوية القصوى بكافة المقاييس، فقد فاز روف في انتخابات الكونغرس عن ولاية ساوث كارولينا ولكنه خسر الأصوات لصالح الولايات المتحدة في باكستان وكذلك في تركيا.  

لاءات وايحاءات السياسة الخارجية 

يتفهم الكتاب أمثال باسفيتش وهاسنر هذه الحقائق. فباسفيتش على سبيل المثال يشير إلى أن السياسة الخارجية الأميركية كانت على الدوام تسير وراء ثلاثة لاءات: لا لسياسات القوة، لا للحرب ولا للقيود في حالة الدخول في حرب.  

يعتبر تحليل باسفيتش الأكثر دقة لأن لديه خبرة أصيلة في كيفية عمل الأشياء في واشنطن. ويعترف باسفيتش أن السياسة الخارجية الأميركية ربما تبدو فاقدة الاتجاه. فإذا تفحصنا العبارات التي يصرح بها صانعو القرار عن نواياهم نجد كثيراً من "الإيماءات الشعائرية نحو الحرية، السلام العالمي وزعامة العالم".  

ومع ذلك يعتقد باسفيتش أن معظم هذه العبارات تحتوي على "رسائل مخفية تعود إلى جذور التاريخ الأميركي ولذا فهي مخيفة في معانيها".  

ونحصل هنا على إشارة من التأثير الحقيقي للكتاب المتشددين أمثال شارل بيرد ووليام وليامز على المتشددين من مسؤولي الدفاع لأن ذلك عنصر أساسي للتحليل اليساري بأن صناع القرار يخفون نواياهم الحقيقية في الوثائق وإن القراءة الدقيقة لما تحتوي هذه الوثائق يكشف عن الأيدولوجيا الضمنية".  

المشكلة تكمن في أن معظم الوثائق الرسمية لا تذكر شيئاً ذا أهمية لأي شخص.  

اقتطف باسفيتش عبارات قالها وزير الخارجية الأميركية كولن باول للتدليل على التزام صانعي القرار في الولايات المتحدة باستراتيجية إمبريالية للأسواق المفتوحة تقودها القوة الأميركية.  

قال باول "إن الثورات في المعلومات والتكنولوجيا تعيد تشكيل العالم كما نعرفه، تحطم الحدود السياسية وكافة أنواع الحدود الأخرى في الوقت الذي نستطيع فيه نقل المعلومات والبيانات بسرعة تقرب من سرعة الضوء"، وقد تفوه باول بهذه الكلمات أثناء ترؤسه لمجالس إدارة عدد من الشركات في الفترة بين عمله كرجل عسكري وتسلمه وزارة الخارجية.  

يقول باسفتيش "قرأت الكلمات كفقاعة تكنولوجية من النوع غير المفهوم وغير المؤثر الذي يملأ التقارير الحكومية والصادرة عن الشركات ويكون ذا شعبية خاصة عندما يريد الناس الكشف عن نواياهم بأقل ما يمكن".  

وبخلاف الكتاب اليساريين، لا يعارض باسفيتش الإمبراطورية التي يرى أنها ابتكرت في أميركا، غير أن شكواه الرئيسية من النفاق وليس العجرفة، قال "إن حكم إمبراطورية يتطلب بعد النظر، الانسجام وإدراك الذات".  

ولا تتحقق هذه الأهداف إذا رفض صانعو القرار الاعتراف بما يقومون بعمله، ولنأخذ مثلا حالة دونالد كيغان، أحد المفكرين المسؤولين عن التقرير "مشروع القرن الأميركي الجديد". 

يعتقد كيغان أن مقارنة الولايات المتحدة بأية إمبراطورية شيء مضحك لأن الولايات المتحدة حسب رأيه سوف تقود العالم ولن تهيمن عليه.  

ومن منظور باسفيتش يعتبر كيغان أحد المنخرطين في الإنكار بأن الولايات المتحدة تريد الهيمنة على العالم.  

باسفيتش محق في القول إن هناك تواصلا أساسيا في السياسة الخارجية الأميركية ولكنه ليس التواصل الذي يفكر فيه.  

فقد قاوم الأميركيون لسنوات طويلة أي انخراط مكلف وطويل الأمد في بلاد يعتقدون أن بها أنماطا من الحياة غير معروفة لديهم.  

لقد رفضنا دوراً إمبرياليا ليس بسبب أن لدينا شعوراً بالإنسانية والعالمية فقط بل لأننا بخلاء مع حكومتنا ونفتقر للاهتمام الحقيقي ببقية أجزاء العالم.  

إن موقفنا ضد مفهوم الإمبراطورية لا ينبع من فضائلنا فقط ولكن من خطايانا أيضا.