الاقتصاد المصري.. عمق في الأزمة.. وسطحية في المعالجة

تاريخ النشر: 08 أغسطس 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

القاهرة - البوابة 

طرح البنك المركزي المصري، وخلال ثلاثة أيام من إعلان سعر الصرف الجديد ثلاثمائة وخمسين مليون دولارا في السوق، من أصل خمسمائة مليون وعد بطرحها. 

وتسابقت الصحف الحكومية في كيل الثناء للخطوات الجديدة، التي أنقذت الاقتصاد وقطعت الطريق على المحتكرين وتجار العملة، الذين هم السبب وراء الأزمة وليس عثرات الحكومة، وسطحية تعاملها مع الموضوع، وأغمض الجميع عيونهم بانتظار ما سيأتي، مع أن ما سيأتي معروف حتى لكتاب ومحللي اقتصاد الصحف الحكومية، التي تشارك في عملية تجميل القرارات الجديدة، والتي لا تعدو كونها حبة أسبيرين في علاج ذات الرئة، إن لم نقل أكثر من ذلك، فالحكومة أو بالأحرى الحكومات السابقة، قد رضيت الانفتاح الاقتصادي، وحرية التجارة، وسيطرة آليات السوق منهجا، لكن الحكومات المتعاقبة وخاصة الحكومة الحالية، اعتبرت أن هذه السياسة قرارات تصدرها وتجلس لتنتظر نتائجها، ولم تتعامل معها على أنها نهج جديد يحتاج إلى الكثير من الجهد حتى تستطيع ضبط هذه الآليات، بما يضمن للاقتصاد المصري أن يعيش وينتعش في ظل هذه الظروف الجديدة، ويضمن السيطرة على العجز التجاري، وتساوي الواردات بالصادرات، ضمن سياسة التجارة الحرة، وليس من خلال قرارات سيادية تتعارض مع المنهج ذاته. 

ومن الطبيعي في هذه الأحوال أن تقدم الحكومة حلولا للمشاكل التجارية والصناعية كأن تدعم الصناعة الوطنية بما يضمن جودتها للمنافسة في الأسواق الداخلية، حتى تحجب المستورد، فضلا عن قدرتها على التنافس في الأسواق العالمية، فماذا فعلت الحكومة في هذا الشأن؟ لنأخذ مثلا على ذلك صناعة السيارات، وهي سلعة تكلف الدولة القسم الأكبر من وارداتها من العملة الصعبة، وتحقق في نفس الوقت القسم الأكبر من واردات الجمارك، إضافة إلى كونها صناعة متقدمة نسبيا فهي تمس جميع جوانب الاقتصاد.  

نظريا ومع الأخذ بالاعتبار ما سيأتي مع تنفيذ اتفاقيات الجات كان على الدولة تشجيع هذه الصناعة وتشجيع صناعة مكوناتها، وكان الأهم هو تشجيع صناعة المكونات، لأن وصول صناعة السيارات المصرية إلى مستوى تنافسي في الأسواق العالمية مطلب صعب المنال في عشر سنوات، أو حتى عشرين سنة، والمطلب الأكثر واقعية هو دعم صناعة المكونات، التي تستطيع أن تصل إلى مستوى العالمية في هذه الفترة، ويكون لدى مصر ما تصدره لهذه الصناعة في مقابل ما تستورده من سيارات مصنعة، ولهذا فقد أقرت الحكومة قانونا يعطي المصنعين المصريين خصما على جمارك السيارات المصنعة محليا يساوي نسبة ما يضعونه في صناعتهم من المكونات المحلية، إضافة إلى نسبة أخرى تضاف مقابل العمالة المحلية وتتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر بالمائة، حسب نوع السيارة المصنعة أي لو كانت نسبة التصنيع المحلي في السيارة ثلاثين بالمائة، ونسبة العمالة خمسة عشر بالمائة، حصلت تلك السيارة على خصم في الجمارك قدره خمسة وأربعون في المائة، يجعلها قادرة على التنافس في السوق المحلية، بما يشجع على قيام وازدهار هذه الصناعة، فما الذي حدث فعلا بعد أكثر من عشر سنوات على ازدهارها (مستثنين من ذلك شركة النصر لحكومية لصناعة السيارات)، وماذا قدمت هذه الصناعة لمصر، بعد أن أخذت الكثير منها على شكل خصومات جمركية وإعفاءات ضريبية؟  

بدأ صناع السيارات بشكل صحيح وقانوني لمعرفة مدى قدرة الحكومة على مراقبتهم، وعندما اكتشفوا أن الحكومة لا تفكر أصلا في هذه الرقابة، أصبحوا يستوردون قائمتين من المكونات لكل سيارة، قائمة تدخل على أنها مكونات سيارة وتمثل حوالي ستين بالمائة من هذه المكونات، تحصل على الخصم الجمركي المذكور، (والذي هو في أقل الأحوال مائة بالمائة من السعر)، وقائمة أخرى تدخل على أنها قطع غيار، وتدخل إلى البلاد باسم تجاري مختلف، وتدفع رسوما جمركية لا تتعدى الثلاثين بالمائة، ومضت صناعة السيارات معتمدة على هذا الفارق غير الشرعي، فلا تقدمت صناعة سيارات، ولا تقدمت صناعة مكونات، وأنفقت الدولة بلايين الدولارات من دخلها الجمركي، لتذهب إلى جيوب أصحاب مصانع السيارات، الذين لا يهمهم مستقبل صناعة السيارات، فقد صرح أحدهم أن بإمكانه إغلاق مصنعه بعد ثلاث سنوات من العمل فقط، يكون بعدها قد استرد ما أنفقه وأكثر بكثير ولتذهب صناعة السيارات وصناعة المكونات إلى الجحيم، هذا الكلام ليس تجنيا على صناعة السيارات، وليس كلاما من الصعب إثباته، لأن عشرات الآلاف من الأدلة الثابتة عليه تسير في الشوارع المصرية، ولنوقف أي سيارة مصنوعة محليا ونراجع مكوناتها، لنعرف أنها كلها ما عدا الظاهر منها كالإطارات والبطاريات مصنوع خارج مصر، ومستورد بطريقة أو بأخرى.  

وما يسري على صناعة السيارات يسري أيضا على صناعة المكيفات وعلى عدد من الصناعات الأخرى، هذا بالنسبة للصناعات الكبيرة، فماذا عن الصناعات الصغيرة، صناعة الأثاث مثلا أو الصناعات الغذائية، والتي تتعامل معها الحكومة بشدة لا تتناسب أبدا مع التراخي الذي تتعامل فيه مع الصناعات الكبيرة، إذ تقول التقارير أن هناك أكثر من سبعين ألف مصنع صغير تتعامل سنويا بما يزيد عن خمسين مليار جنيه ليس لها تراخيص، ولا اسم تجاري، ولا يعتزم أصحابها عمل تراخيص لها خوفا من التعامل الضريبي المتشدد، والرسوم التي لا تنتهي، فضلا عن أسعار الماء والكهرباء التي ترتفع فور الترخيص إلى أضعاف مضاعفة، هذه المصانع محرومة من التصدير أو حتى من التفكير فيه، لأنها بساطة غير مرخصة، ولا تستطيع أن تدخل في خضم البيانات والرسوم والإجراءات المطلوبة لإتمام أية عملية تصديرية، وفي نفس الوقت سمحت الحكومة للوكلاء التجاريين باستيراد سلع تصنع محليا بمستوى جيد، وسعر معقول، كالأثاث والألبسة، قبل أن تطور هذه الصناعات المحلية بما يضمن منافستها، مما خنق الصناعات المحلية الصغيرة حتى المرخص منها. أضف إلى ما سبق حجم تجارة المخدرات التي تزيد سنويا على ثمانية مليارات دولار، تأتي جميعها شراء من السوق، أو من البنوك إذا سمحت الظروف، ولكنها تتم كلها بتعاملات نقدية، إذ لا يمكن فتح اعتماد مستندي لطن من الحشيش مثلا، أو أنها في أحسن الأحوال تحمل على سلع أخرى لتهريب أثمانها للخارج، وهكذا يكسب تجارها مرتين، مرة حين يتاجرون بالمخدرات، ومرة حينما يخسرون ببيع سلعهم الأخرى المحمل عليها أثمان المخدرات، فيعفون من ضرائب الأرباح التجارية.  

هذا غيض من فيض، وفي ظل هذه الظروف تقول الحكومة أنها تستطيع السيطرة على سعر الدولار بضخ نصف مليار دولار في السوق، وفي ظل هذه الظروف تقول الحكومة أنها تستطيع أن تزيد الصادرات لأن سعر الجنيه قد انخفض، وفي ظل هذه الظروف تعتقد الحكومة أنها تستطيع السيطرة على المشكلة بنشر رجال مباحث الأموال العامة، وإغلاق محلات الصرافة، واعتقال المتعاملين بالعملة بشكل غير رسمي، أليس من الطبيعي أن نتشاءم؟ فانتظروا السعر الجديد للدولار والذي سيصبح قريبا إذا لم تتغير الظروف خمسة جنيهات.