تقرير إخباري
أنقرة - (البوابة)
مع تصاعد الخلافات داخل الائتلاف التركي الحاكم المكون من ثلاثة أحزاب، تواجه الحكومة خطر الانهيار مع عودة البرلمان إلى الانعقاد بعد عطلة الصيف .
الخطوة التي كان ائتلاف رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد (المكون من حزب اليسار الديمقراطي، وحزب الحركة القومية، وحزب الوطن الأم) يعمل بها في سنته الأولى في السلطة آخذة في التراجع بسرعة، حيث تزداد نقاط الاختلاف بين شركاء الائتلاف مع مرور كل يوم كما يتزايد خطر انهيار التحالف مع بدء الدورة البرلمانية بعد انقضاء عطلة الصيف.
وفي حالة عدم تمكن الائتلاف الحالي من التغلب على نقاط الخلاف التسع الأساسية العالقة، فإن على المرء أن يتوقع رؤية نموذج جديد للحكومة يحتل عناوين الصحف وحتى نهاية هذا العام.
ويستعد الائتلاف الثلاثي لدفع ثمن سياسته في تأجيل القضايا المهمة خلال الأشهر الستة عشر التي قضاها في السلطة. اجتماعات القمة المنتظمة التي كان يعقدها زعماء الائتلاف برئاسة أجاويد لم تتمكن حتى الآن من القيام بأكثر من إيجاد حلول مؤقتة للحفاظ على تماسك الائتلاف. لكن تراكم نقاط الخلاف وصل الآن مرحلة لا تحتمل التأجيل، ويبدو الشركاء في الائتلاف اليوم وكأن كل فريق يحاول إلقاء اللوم على الفريق الآخر.
حدثت الأزمة الأولى في العام الماضي حين حاولت الحكومة تمرير مشروع قانون للعفو العام، وتم التغلب على هذه المشكلة في اللحظة الأخيرة، وتمرير مشروع القانون بصعوبة في البرلمان. لكن حين اعترض سليمان ديميريل على مشروع القانون وأعاده إلى البرلمان للمراجعة لم يتمكن الائتلاف من الاتفاق على تعديل وبقي مشروع القانون على هذه الحالة حتى الآن.
وقد أصر حزب الحركة القومية على أن يشمل العفو المجرمين القتلة من "القوميين المتطرفين" لكن عامة الناس وحزب اليسار الديمقراطي، كطرف رئيسي في الائتلاف اعترض بشدة على ذلك. وأعلنت راهان أجاويد نائبة رئيس حزب اليسار الديمقراطي وزوجة رئيس الوزراء أنها لا تستطيع أن تهضم إطلاق سراح " القوميين المتطرفين" السابقين الذين شاركوا في عمليات قتل جماعية.
فشل مشروع قانون العفو العام أزعج للغابة نزلاء السجون التركية التي يحتجز فيها أعداد من المساجين يزيد كثيراً عن طاقة استيعابها البالغة 72 ألف سجين. وثمة قلق من أن يتصاعد التوتر بشكل خطير إن لم يتم تمرير مشروع قانون العفو العام في وقت قريب. ويجري إرسال 500 سجين جديد إلى السجن في كل شهر. وإذا أقر مشروع القانون، فإن من المتوقع أن يخف على الفور التوتر داخل السجون.
وكما هو الحال بالنسبة لمشروع قانون العفو العام، فإن شركاء الائتلاف غير قادرين على التوصل إلى أي اتفاق حول تعديل المادة 312 من القانون الجزائي التركي، المتعلق بحرية التعبير، ويعارض حزب الحركة القومية أي تعديل لها لأنه يعتقد أن هذه المادة هي أفضل دفاع ضد الرجعية والانفصالية.
وتعديل إحدى فقرات البند 312 التي تنص على أن " التحريض الذي قد يعرض أمن الناس لخطر مباشر" جزء من الجريمة ذاتها، سيؤدي إلى انخفاض كبير في الأحكام المطبقة بموجبها، فهذه الفقرة التي لا تعترف بالسلطة التقديرية للقضاة، تسببت في إرسال العديد من الصحفيين، والكتاب، والسياسيين إلى السجن.
ونظراً لأن الدستور يمنع تحديداً منح العفو لأي شخص يرتكب جرائم ضد الدولة، فلا مجال لإصدار أي قانون للعفو يغطي هذه الجرائم مباشرة، وقد وجدت الحكومات السابقة طريقة للالتفاف حول هذا القيد بتأجيل تنفيذ الأحكام الصادرة لمدة ثلاث سنوات والإشارة إلى أنه إذا لم يرتكب المدان خلال هذه الفترة أية جريمة ضد الدولة، فتعتبر الجريمة وكأنها لم تحدث.
وحيث أن شركاء الائتلاف ما زالوا غير متفقين بالنسبة للبند 312 من القانون الجزائي، فليس من السهل تعديله في العام التشريعي الجديد.
الحكم الصادر بحق الزعيم السابق لحزب الرفاه المنحل نجم الدين أربكان، والخلاف القائم حول تأجيل تنفيذ عقوبة السجن أعادت قضية البند 312 إلى الواجهة.
مشكلة أخرى يواجهها الائتلاف وتحتل عناوين الصحف الرئيسية تتعلق بقرار للمحكمة الدستورية. فقد تمكنت الحكومة في العام الماضي من إصدار تأجيل للأحكام التي طالت من ارتكبوا جرائم تتعلق بالصحافة. إلا أن حزب الفضيلة الإسلامي قال إن اقتصار تأجيل الأحكام على من اقترفوا " جرائم فكرية" باستخدام الصحافة يخالف مبدأ المساواة التي نص عليها الدستور، وتقدموا بطلب للمحكمة الدستورية لإلغاء القانون، ووجدت المحكمة الدستورية أن وجهة نظر حزب الفضيلة لها ما يبررها وألغت القانون شريطة تعديله وجعله منسجماً مع مبدأ المساواة. وحيث أن المحكمة منحت البرلمان سنة واحدة لسن قانون بديل، فإن القانون الحالي سيبقى ساري المفعول لمدة 12 شهراً ، وفي حال فشل الحكومة في سن قانون جديد خلال هذه الفترة، فإن الكثيرين من المحكومين، ممن يماثل وضعهم وضع أربكان والذين يواجهون أحكاما بالسجن حتى 12 عاماً سيستفيدون من الإلغاء، في غضون سنة واحدة، وحين يدخل حيز التنفيذ.
إلا أن الحكم الصادر ضد أربكان لم يؤجل إلا لمدة أربعة أشهر و 26 يوماً، لذلك سيكون مجبراً على دخول السجن يوم 13 كانون الثاني 2001، إن لم تتمكن الحكومة من إصدار قانون جديد حتى ذلك الحين، ولن يكون أمامه من خيار سوى دخول السجن رغم استفادته من تخفيض الحكم وسوف يخرج من السجن قبل أن يبدأ مفعول الإلغاء في السريان، ويبدو أن الائتلاف يجد صعوبة في الاتفاق على هذا الأمر أيضا.
ويعارض حزب الحركة القومية كلية أي شكل من أشكال العفو أو تأجيل تنفيذ الأحكام للجرائم ضد الدولة. ولهذا السبب فإن مواقف أطراف الائتلاف تبقى متعارضة.
نقطة تعارض أخرى بين الشركاء في الائتلاف تبدو بعيدة عن الحل على المدى القريب وتتعلق بحوالي 107 من الترتيبات القانونية التي يجب إقرارها لتسريع عملية الاندماج في الاتحاد الأوروبي والانضمام إليه.
ويريد مسعود يلماظ، نائب رئيس الوزراء ووزير شؤون الاتحاد الأوروبي إقرار هذه القوانين ويقول إن ثمة "دوائر معينة" تعارض العضوية في الاتحاد لأنها تخشى "أن يؤدي ذلك إلى تقسيم البلاد". ومن الواضح أن يلماظ كان يشير إلى العسكريين وحزب الحركة القومية حين قال " دوائر معينة"، رغم عدم ذكره لأية أسماء.
ويعارض حزب الحركة القومية وبعض عناصر اليسار الديمقراطي العضوية في الاتحاد الأوروبي، وحيث أن الأمر يتطلب حلاً سريعاً فإنهما يعرضان الائتلاف للخطر. وإذا ما استمر زعيم حزب الوطن الأم على موقفه المتصلب في اجتماعاته معهم فسوف يواجه على الأغلب مواقف مماثلة من جانب شركائه في الائتلاف.
وفي هذه الحالة سيكون على حزب الوطن الأم أن يقرر تجميد معارضته لعضوية الاتحاد الأوروبي، ويطيل بالتالي من حياة الائتلاف أو أن يواصل معارضته ويخاطر بانهيار الائتلاف.
ثمة نقطة أخرى مهمة عالقة داخل الائتلاف، والتي تتناقص الفترة المخصصة لحلها باستمرار، وهي عقوبة الإعدام.
ورغم أن شركاء الائتلاف الثلاثة يتفقون من حيث المبدأ على إلغاء عقوبة الإعدام، فإن حزب الحركة القومية يريد أن يرى زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان يشنق أولا. ورغم التصديق على عقوبة الإعدام، فإن الحكومة، وعن طريق حل مؤقت، تنتظر إغلاق القضية في محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ، وقررت بالتالي الاحتفاظ بملف القضية في رئاسة الوزراء بدلاً من إرساله إلى البرلمان.
وحيث أن تركيا لا تريد أن تكون البلد الوحيد بين دول الاتحاد الأوروبي التي تطبق عقوبة الإعدام، فإنها غير قادرة على تحقيق هذا الهدف بسبب وضع أوجلان، ويقال إن حزب الحركة القومية يصر على أنه لن يكون هناك مجال لإلغاء عقوبة الإعدام طالما بقي أوجلان حياً، وأنه إذا أصر الائتلاف على موقفه فسوف يفكر في ترك الحكومة كي لا يهين قاعدته الانتخابية من "القوميين المتطرفين".
مشكلة أخرى كانت مثار خلاف داخل الائتلاف ومنذ فترة طويلة هي مشكلة استثمارات الطاقة وتصر وزارة الطاقة، التي يتولاها حزب الوطن الأم على ضرورة مصادقة الائتلاف على 146 خطة استثمارية منفصلة في مجال الطاقة، في حين يجد الأطراف الآخرون في الحكومة أن معظم هذه الخطط هي نفقات غير ضرورية.
الأمانة العامة الفرعية في دائرة التخطيط الحكومية التي يسيطر عليها حزب الحركة القومية الذي يقول إنه إذا تم تنفيذ جميع مشاريع الطاقة التي تخطط لها وزارة الطاقة فإن تركيا ستكون مضطرة لإنفاق 7 مليارات دولار سنوياً على الطاقة وإنه لن يعطي الموافقة الضرورية لتنفيذها.
وحين قالت الأمانة العامة الفرعية لوزارة المالية التي يتولاها حزب اليسار الديمقراطي إنه سيسعى للحصول على قروض أجنبية لهذه الخطط الاستثمارية، فقد قضي على مزايا خطة حزب الوطن الأم. ولإيجاد حل لهذه المشكلة سمح رئيس الوزراء بولند أجاويد بتمويل جميع المشاريع التي يمكن إنجازها بحلول العام 2002، وأبقى مشاريع الطاقة المقبلة خارج المعادلة. إلا أن حزب الوطن الأم شعر بأنه مستبعد من الحكومة وهو يرى مجال سلطته مقيدا.
وقد لام حزب الوطن الأم حزب الحركة القومية لاعتراضه الخطط الاستثمارية لوزارة الطاقة. وبدأت الوزارة برنامجا يهدف لعرقلة كل مشاريع حزب الحركة القومية رداً على ذلك فتمكنوا من رفع أسعار تذاكر شركة الخطوط الجوية التركية، رغم أن الشركة تقع ضمن مجال اختصاص حزب الحركة القومية ووزير المواصلات والاتصالات أنيس أوكسوز.
وتخضع الخطوط الجوية التركية أيضا لوزير الدولة لشؤون الخصخصة يوكسال يالوفا وهو من حزب الوطن الأم، الذي يعتقد أن له صلاحيات مطلقة على الشركة، وقد رد أوكسوز بعنف على أوامر يالوفا المتعلقة بأسعار التذاكر وبدأ الوزيران في اتهام بعضهما علناً في التعدي على صلاحيات بعضهما.
القضية لم تحل حتى الآن وتهدد بأن تعاود الاشتعال مستقبلاً.
أزمة أخرى ستظهر حين يحاول الشركاء في الائتلاف تحديد حجم موازنة العام 2001، فوفقاً لاتفاق تم مع صندوق النقد الدولي فإن الحكومة ملزمة بتبني موازنة تحد من إنفاق القطاع العام. ويريد صندوق النقد الدولي إجراء تخفيض في نفقات الدفاع وزيادة الرواتب والأجور بأدنى قدر ممكن.
وقد رد رئيس الوزراء أجاويد على هذا الاقتراح بحدة، لأنه قد يتسبب في خلاف خطير بين الحكومة والجيش. وقال "تركيا هي من يتخذ القرارات بشأن قضاياها الداخلية".
وسوف يضطر الشركاء في الائتلاف الذين يديرون دفة الأمور بموازنة تقشفية إلى إقناع بعضهم البعض بتخصيص المزيد من الأموال لوزاراتهم أو أن يتجادلوا فيما بينهم لضمان حصول وزاراتهم على حصة الأسد. وكما تؤثر الموازنة في الصراع ضد التضخم، فإن حجمها سيؤثر مباشرة في علاقات الحكومة مع البنوك فيما يتعلق بتحديد الدين المحلي.
ورغم أن الخلاف ما بين الحكومة والجهات التي تقدم رؤوس الأموال أمر ممكن، فإن إمكانية حدوث صراع مع العسكريين أمر بعيد الاحتمال. وكالعادة فإن من المحتمل أن تبقى الحكومة غير آبهة بمظاهرات العمال الاحتجاجية. وتبقى هناك مشكلة كامنة للائتلاف وهي محاربة القوانين المحافظة والأنشطة الإسلامية ولا تتوافق آراء المشاركين في الائتلاف حول هذه النقطة أيضا.
ومع ذلك، فإن الساعة الأولى من كل اجتماع لمجلس الأمن القومي يأخذها العسكريون ليوجهوا تهديدهم ووعيدهم للدولة، وقد اختارت الحكومة حلاً سريعاً لهذه المشكلة عن طريق إصدار مرسوم بقوة القانون، وبذلك تخطت مجلس النواب. ومن جهة أخرى فإن الرئيس أحمت نكدت سيزر بنفسه، (رئيس سابق للمحكمة الدستورية) نقض المرسوم مرتين قائلاً إنه لم يكن دستورياً، وبعد مشكلة بين الحكومة ورئيس الجمهورية دامت أسبوعين، أسدل الستار على المرسوم وبقيت الحكومة دون خيار آخر سوى إصدار قانون مناسب، وعلى كل حال فإن أعضاء كلا المجلسين لم يتشجعوا لهذا القانون، وفي حالة إقرار هذا القانون من قبل الحكومة فإنه من غير المحتمل أن يقر مجلس النواب أي قانون يساعد على طرد الموظفين من الخدمة المدنية.
هناك أيام قاسية تنتظر الحكومة عند التئام مجلس النواب من جديد. وكلما ازدادت حدة الخلافات بين الشركاء في الائتلاف ازدادت إمكانية تفكك هذا الائتلاف.
