الإسرائيليون يصطفون للحصول على جوازات سفر أوروبية

تاريخ النشر: 04 فبراير 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يصطف عشرات الإسرائيليين يومياً أمام السفارة البولندية في تل أبيب وهم يحملون شهادات ميلاد مهترئة تعود لأقارب لهم ويتكلمون بعض الكلمات البولندية الركيكة من أجل استعادة الجنسية البولندية التي فقدها آباؤهم وأجدادهم بعد هروبهم من أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية.  

كذلك يفعل آلاف الإسرائيليين الآخرين أمام السفارات الألمانية، التشيكية، الهنغارية وغيرها في تل أبيب، وكل هذا ليس تسارعاً نحو الاستقرار في أوروبا بل للحصول على جوز سفر ثان كضمان لأوقات الشدة حيث أن القلق بشأن مستقبل إسرائيل تصاعد بسبب المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ اكثر من عامين.  

ويرى البعض في الصفوف خارج السفارات الأوروبية نذير شؤم سييء خاصة إذا ما وضعنا في عين الاعتبار عدد سكان إسرائيل البالغ 6،6 مليون نسمة. قال الكاتب الإسرائيلي توم سيغيف، "إنها دلالة أن الناس لا يؤمنون تماما بمستقبل هذا البلد".  

ومنذ عقود خلت كان الحديث عن مغادرة إسرائيل والتقدم بطلب للحصول على جواز سفر أجنبي يتم في الخفاء ولكن وسط الازدراء والتنديد بهم.  

كانت الصهيونية بالنسبة للعديد من الإسرائيليين نوعاً من التعاليم الدينية التي حثتهم على التضحية لبناء دولة على "أرض توراتية" نفي اليهود منها قبل ألفي عام. وخلال التسعينات بدأ العديد منهم يعتقد أن هدف السلام والرخاء وكذلك قبول العرب بهم يمكن تحقيقه. ولكن مثل هذه الآمال التي لخصها البعض بأنها أوضاعاً طبيعية خبت وتضاءلت معها العواطف الصهيونية أيضاً.  

وأصبح طالبوا جوازات السفر الأجنبية يفعلون ذلك علنا.  

لا تتوفر إحصاءات واضحة حول مجموع عدد الذين يسعون للحصول على جواز سفرثان ولكن أكثر من 2300 إسرائيلي سعوا للحصول على الجنسية الألمانية عام 2000 وأكثر من هذا العدد في السنة التي سبقتها. وفي السفارة البولندية التي اعتادت على قبول بضع عشرات من الطلبات للحصول على الجنسية كل عام، اصبح أكثر من 400 إسرائيلي يتقدمون لذلك كل يوم.  

وبانضمام بعض دول أوروبا الشرقية التي كانت شيوعية في السابق إلى الاتحاد الأوروبي فإن الإسرائيليين الذين يستعيدون جنسيتهم في بلدان مثل بولندا سوف يستطيعون العمل والدراسة بحرية في كافة أنحاء القارة الأوروبية.  

ويمثل هذا فرصة ذهبية لمواطنين يعيشون في بلد قتل فيه المئات بسبب المواجهات خلال عامين وانخفض فيه مستوى المعيشة الذي كان وصل إلى مستوى الدول الأوروبية.  

قال جيلي ريغيف الذي نجت جدته من الهولوكست في بولندا إن الإسرائيليين ضحوا لعقود على أمل تحقيق شيء أفضل ولكن الاعتقاد الآن بأن الأشياء ستتغير أخذ يضعف. وأضاف ريغبف الذي فقد وظيفته في التقنية المتقدمة أن الناس يحاولون إيجاد وسائل لتأمين مستقبلهم.  

قال إيتان ريخ، 29 عاما، وهو مهندس صناعي عاطل عن العمل، ويصطف مع عشرات آخرين أمام السفارة البولندية، "لا أنوي العيش في أوروبا ولكنني أسعى فقط للحصول علي خيار. ويمكن لي أن أرغب يوم ما في العمل هناك". 

من جانبه يعتقد أوز ألموغ، عالم اجتماع في جامعة حيفا ومؤلف كتاب جديد حول ضعف الصهيونية أن مجرد هجرة بضعة آلاف من الصفوة المتعلمة في إسرائيل يمكن أن يشكل تهديدا للبلاد.  

قال ألموغ، "لا تحتاج لغالبية الناس أن يهاجروا كي تختفي البلد. إن الطبقة الصغيرة جداً من القادرين والقادة والمنتجين هم المؤثرون في هذا المجال وهذا هو الذي أخشاه".  

يقول البعض إن مستوى اليأس في إسرائيل الآن يفوق ما كان عليه الناس عشية الحرب عام 1967 عندما واجهت الدولة الصغيرة انهياراً سياسياً، اقتصادياً وعسكرياً حين احتشدت الجيوش العربية على حدودها.  

فقد غادر إسرائيل آلاف الناس في منتصف الستينات، وتداول الناس نكتة آنذاك مفادها أن لافتة وضعت في المطار وكتب عليها "نرجو من آخر المغادرين إطفاء الأنوار".  

يومياً عاد كتاب الأعمدة في الصحف الإسرائيلية والبرامج التلفزيونية وكذلك في الأحاديث التي تدور بيم الفنانين، المثقفين والناشطين إلى إثارة الأسئلة حول مستقبل إسرائيل وأخذ هؤلاء يبدون مخاوفهم حتى بشأن وجودها.  

قال الروائي الإسرائيلي ديفيد غروسمان، 49 عاماَ، في مقابلة أجرتها معه مؤخراَ صحيفة هاآرتس، "عندما أسمع الآن أن أصدقائي يرسلون أولادهم إلى الخارج.. هناك شيء يدور الآن ويضع ظلالا من الشك حول كل شيء جئنا من أجله إلى هنا".  

وبالعودة إلى الذين يصطفون أمام السفارة البولندية حيث أن لدى بعضهم مشاعر مختلطة.  

قال موشي، 45 عاماً، الذي ذكر فقط المقطع الأول من اسمه، "إن ذلك غريب جداً، فقد استنفذت وقتاً طويلاً قبل أن أقرر المجيء إلى هنا". وأضاف أنه لو كان والداه على قيد الحياة ، فربما لم يتقدم بطلب للحصول على جواز سفر بولندي خشية إثارة الذكريات المؤلمة بشأن العداء للسامية الذي واجهاه هناك.  

قال السفير البولندي ماسيج كوزلوسكي إن إحياء التراث اليهودي بعد انهيار الشيوعية ساعد البعض على تخطي تلك المراحل العاطفية.  

وأضاف السفير: "بالنسبة للكثيرين تمثل بولندا مرادفا للهولوكست"، "هم يعتبرون بولندا مقبرة لليهود. والتخلص من هذا الشعور مرهق عاطفياً".  

ويتذكر إيتان ريخ، المهندس الصناعي العاطل عن العمل، كيف أن جدته التي نجت من الهولوكست في ألمانيا رفضت قبول التعويض بعد الحرب من الحكومة الألمانية من منطلق مبادئها. أما جده وهو الوحيد من عائلته الذي نجا من الموت في بولندا فقال إنه لن يعود إلى أوروبا أبداً.  

وقال ريخ، "الوقت يتغير، ومن الصعب بالنسبة لي أن أقبل وجهة نظرهم. إن هذا لا يعني أنني أقوم بفعل شيء خاطئ. إنه حقي ولذا فإنني أستطيع استخدامه".