الأديب المصري مجاهد: جوهر الثقافة تغيير الجماهير

تاريخ النشر: 11 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يقول الناقد والشاعر والروائي والمترجم المصري د. مجاهد عبد المنعم مجاهد:" إن الثقافة هي زاوية الرؤية لصالح التقدم الإنساني الكلي العام،ولا شك أن الإنسان إذا اكتشف الذرة يكون قد تقدم حضاريا، ولكن لكي يتقدم ثقافيا لا بد ان يطرح التساؤل: الذرة من أجل ماذا؟ لعلاج الأمراض الخبيثة أم لصنع قنبلة نووية مدمرة؟".  

ويضيف:"إن اليابان متقدمة حضاريا، لكنها متخلفة ثقافيا، ويكشف "كوبو آبي" في روايته "موعد سري" الفساد في المستشفيات اليابانية، وكيف يقطعون أجزاء من جسم المرضى، ليستفيد منها كبار العاملين في المستشفى ترميما لأجسادهم!!".  

ويشير مجاهد في حوار مع صحيفة "الوطن" القطرية، إلى أن الثقافة لا صلة لها بقومية من القوميات، لأنها ارتفاع الإنسان الى كل ما هو كلي، أما ما هو جزئي فهو ليس ثقافة حقيقية، ويقول بأن معظم المسلسلات الغربية أو الأميركية هي من ضمن الغزو اللاثقافي، وهي ليست أعمالا فنية، ولكنها بهرجة حضارية، لأن هذه الأعمال لا ترفع مشاهدها الى مستوى التضامن الإنساني، و"حسب ما نبهنا الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس فإن للنائم عالمه وحده، أما المستيقظ فإنه يبحث عن الأرض المشتركة مع الآخرين، أرض العقل، أرض الروح، أرض الإنسانية".  

ويضيف بأن الثقافة كلية، سواء كانت مكتوبة بالعربية أو بالإنجليزية، فمثلا ما يكتب بالعربية إذا ارتفع إلى الكلي، يصبح مكتوبا، باللغة العالمية، اللغة الإنسانية. 

الثقافة سلوك إنساني  

ويشير مجاهد إلى أن الثقافة لا وطن لها، لأنها بحث عن الكل، والمواطن هو الذي يستثمرها لصالح بلده، ويقول:" الثقافة ليست كما يظن البعض قراءة في الفلسفة والأدب والشعر والعلم .. الثقافة سلوك إنساني، إخراج الإنسان من تناهيه لكي يطل على اللامتناهي، اخراجه مما هو حسي الى ما هو عقلي، مما هو سطحي الى ما هو جوهري، بمعنى آخر إخراجه من النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة الى النفس المطمئنة" ويضيف:" إن القراءات إذا لم تساعد الإنسان على كل ما سبق، فهي إما انها قراءات سطحية أو جزئية، وإما أن المطلع عليها لم يستفد منها، فيتحول الى سلوك جديد قائم على الحب، وما لدينا الآن هو مهرجانات وديكورات تدّعي، وإذا كانت هناك ندوات جادة فإنها معدة للمتخصصين بينما الثقافة في جوهرها إطلالة على الجماهير العريضة لتغييرها".  

وفي حديثه عن نفسه قال مجاهد:"أنا مسكون بالهم الأساسي (اغتراب الإنسان)، تقول إحدى الأساطير" ان الآلهة خلقت الإنسان من الهم، والإنسان هو الكائن الوحيد المهموم بنفسه وعالمه ومستقبله". ولقد حاولت ان أقهر هذا الاغتراب بحثا عن الجمال في الحب والتصوف كوسائل متآزرة لتقويضه ، وإقامة جسور محبة بين الناس المنفصلين، وتمثل هذا في أشعاري كلها منذ ديواني الأول "أغنيات مصرية" عام 1958 وحتى ديواني الأخير "الحب على جناح قوس قزح" عام 1996، كما تمثل هذا في دراساتي الجمالية والفلسفية بحثا عن الجمال باعتباره كما يقول الفيلسوف والشاعر الألماني شيللر:" هو الذي يبدع الإنسان من جديد "ويؤكد أن الإنسان الذي أبدعه الله العلي القدير في أحسن تقويم، يشوه نفسه، وعليه أن يخرج من القبح الذي أحاط ذاته به، وأحاط واقعه، ويستعيد الصبح الذي منه يجب ان يتنفس، بعدما غاص في المادة والتكالب المادي، مشيرا إلى أن قضية الاغتراب تمثلت حتى في ترجماته عندما ترجم لسارتر وهيدجر وكافكا وبيكيت وماركوز وكامو واريك فروم، وغيرهم.  

ويضيف:" منذ البدايات وأنا خارج عن هذا العصر ، أنا داخل في عصر التركيب لا التحليل والتفكيك، وهو عصر أعمدته الأساسية هيرقليطس وهيغل وهيدغر وابن رشد .. وأنا أجد نفسي في كل ما أكتب لأنه لا توجد تناقضات داخل اهتماماتي، فأنا لا أكتب الفلسفة بلغة المتحذلقين بل بلغة الشعر، وأكتب الشعر بعمق الجوهر الفلسفي، وأبحث في الجمال بحثا عن تناغم الإنسان، وأترجم لأن من أترجم لهم عبروا خيرا مني عما كنت أريد ان أقوله، ومن هنا فإن من أترجم لهم هم أساتذتي الحقيقيون، أساتذة الحق والخير والجمال، أساتذة الإنسان، الأساتذة الإنسانيون". 

الناقد الميزان  

ويرى مجاهد أن النقد هو إقامة الميزان، فحين يقال عن بعض الإنتاج إنه أدب وفن قد انحرف، تكون مهمة الناقد الأساسية تبيان كيف حاد هذا الإنتاج عن صراط الجمال، ليفرزه وفق الاستبعاد لا الإبقاء فحسب. ويؤكد أن الناقد، يشخص الإنتاج ويستبعد ما دخل الساحة خطأ على أنه أدب وفن، لأن مهمة الناقد أن يقيم ميزان العدل لصالح الجمال والحب والإنسان. 

"المفروض أن المشتغل بالأدب أو النقد أو الفن هو الذي يحدد لنفسه قضاياه وإشكالياته حتى يتغير هو أولا قبل ان يتوجه برؤاه الى الناس، ولنتذكر ان المتنبي على سبيل المثال كما وصفه أحد النقاد في القرن السادس الهجري، أي بعد وفاته بقرنين،بأنه كان مشغولا بهموم الناس، بمعنى أنه هو كإنسان عمل فني تهذبت سلوكياته حتى يشع الجمال على نفسه أولا ثم على الآخرين، بينما أدباء اليوم مهتمون بالجسد والجنس، وليس بالفن والجمال." 

وحول رؤيته لقصيدة النثر يقول:" أنا لا أستطيع أن أنظر الى شيء غير موجود، قصيدة النثر تناقض في الحدود، فهي ليست موجودة أصلا ويحضرني قول الشاعر العربي:  

"إني لأفتح عيني حين أفتحها 

على كثير ولكن لا أرى أحدا" 

يذكر أن مجاهد عبد المنعم مجاهد هو كاتب موسوعي له إسهامات بارزة في العديد من مجالات الثقافة والإبداع ، وقد تجاوز إنتاجه حتى هذا العام حوالي الخمسين مؤلفا من الشعر، والنقد والفلسفة وعلم الجمال والترجمة - -(البوابة)