الأدباء بين التكريم والتحجيم - إبراهيم سليمان السطري

تاريخ النشر: 14 أكتوبر 2004 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

 

 

 

من خلال قراءات متعددة لطبيعة العلاقة القائمة التي كانت بين السياسيين والأدباء عبر العصور الماضية والتي كان فيها السياسي ينظر للأديب (بنصف عين) أو بازدراء وأحيانا كانت العلاقة منتشية فقد كان للسياسي بُعد نظر ويرى أن الأديب أو الفنان ليس نتاج فرمان يمكن إصداره بل إنهما موهبة من الله ينبغي إبلاؤهما كل عناية واحترام...  

كان للأدباء والفنانين مركزهم لدى أصحاب القرار من دون تملق أو سعي وراء منصب فلم يضحوا بموهبتهم على بلاط السياسيين سعيا وراء عيش مضمون ولكنه ليس كريماً يختمون به حياتهم... 

بقي المبدع يعتز بكبريائه ولا يريقه على أعتاب الحكام. 

فذات يوم وجهت دعوة رسمية للشاعر نزار قباني للمشاركة في أمسية شعرية في إحدى العواصم العربية واتصل قباني بقنصل هذا البلد العربي ليخبره بموضوع الدعوة وما يجب فعله.. 

فأجابه القنصل: أرسل لي جواز سفرك، واملأ استمارتين وابعث صورتين واجلب معك شاهدين، ليعّرفا عليك، وانتظر اسبوعين حتى تأتي موافقة البوليس. 

فأجابه الشاعر: وما علاقة الشعر بالبوليس. يا حضرة القنصل. 

قال القنصل: هذه هي التعليمات. 

فرد عليه نزار قائلا: إذن أكتب لحكومتك ما يلي. 

أولا: إن نزار قباني لا يحتاج الى شاهدين ليعرفا عليه، وإذا كان رئيس بلادك بحاجة لمن يعرف عليه فإني مستعد. 

ثانيا: قل لحكومتك إنني أرفض الذهاب الي دولة يكون فيها البوليس مسؤولا عن الشعر. 

ثم أغلق سماعة التلفون. 

وفي رسالة كتبها الي مسؤول عربي قال نزار: إن الدنيا كلها تعرف شكسبير بينما لا يعرف أحد اسم وزير الخزانة أو وزير الاقتصاد في عصر شكسبير وعلى هذا يكون من حقنا أن نكون مغرورين كالديوك حين نجد التاريخ يقف على أبوابنا بالطابور ليأخذ توقيعا منا، لا منك طبعا..... 

ويضيف في رسالته: إن كل رادارات الأسطول السادس والسابع والحلف الأطلسي وحلف وارسو لم تستطع إسقاط قصيدة واحدة لشاعر فيتنامي أو فلسطيني أو من أمريكا الوسطي.. 

واختتم رسالته المطولة: أرجو أن تستحق ثمن الطابع الملصق على هذه الرسالة. 

وذات يوم دعا أمير الشعراء احمد شوقي الزعيم زغلول لحضور حفلة شاي وأثناء الحفلة تمنى شوقي أن تلتقط له صورة بجواز سعد زغلول ووافق سعد على ذلك، وجلس شوقي الي جانب سعد وبينما كان المصور يلتقط صوره قال الأستاذ عبد الرحمن الجديلي سكرتير سعد: هذه صورة تجمع الخالدين. فقال سعد: إن الشاعر أكثر خلود من الزعيم. 

يروي عن الملك شارل الخامس (1500 ــ 1558) الذي ورث عن جده ماكسميليان الأول، الإمبراطورية الرومانية أنه كان معجبا بالرسام العالمي تيتان إعجابا يفوق كل وصف وكان تيتان من أعظم الفنانين الذين برزوا في عصر الإمبراطورية الرومانية.. 

وفي أحد الأيام وقف الملك يرقب الرسام الشهير وهو يرسم إحدى لوحاته الرائعة في قصره، وفجأة سقطت الفرشاة من يد الرسام. 

فسارع الملك بالتقاطها وتقديمها إليه وارتبك الرسام وراح ينحني بقامته أمامه مرات عدة وهو لا يدري كيف يشكره.. 

فمد الملك يده في هدوء وربت على كتفه قائلا: لا يا تيتان إن فنك يضعك في مصاف الملوك.. انك أولى الناس بوراثة الإمبراطورية من بعدي. 

وكان الملك فرانسوا الأول شديد الإعجاب بليوناردو دافنشي الذي لقب بـ(الرجل الكامل). وأصيب دافنشي وهو في زيارة لفرنسا بمرض ألزمه الفراش فكان فرانسوي يتردد عليه يوميا. وذات يوم بينما كان العاهل الفرنسي يهم بمغادرة البلاط لعيادة ذلك العبقري الإيطالي دخل عليه أحد النبلاء فلم يؤخر ذلك الملك عن القيام بزيارته اليومية المعتادة في موعدها. 

ولما استغرب أحد رجال الحاشية تصرف الملك سأله عن سبب تفضيله زيارة دافنشي علي استقباله النبيل. 

أجابه الملك: بوسعي أن أصنع النبلاء بالعشرات ولكن عبقري مثل دافنشي فالله وحده يستطيع صنعه. 

وفي سنة 1965 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً بمنح الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي قلادة النيل وهي ارفع وسام في مصر، ولم يكن إهداء هذه القلادة للأفراد والمواطنين مألوفا من قبل إلا إذا تسلموا منصب رئيس وزراء. 

ويشهد التاريخ لشارل ديغول تعينه أندريه مالرو مؤلف كتاب (مذكرات مضادة) وزيرا للشؤون الثقافية في فرنسا. 

وعندما وصل نابليون الي مدينة فايمر الألمانية طلب أن يلتقي غوته الشاعر الكبير وعامله أحسن معاملة وقال بعد هذا اللقاء كلمته الشهيرة أنت رجل يا سيد غوته فقد اعجبت نابليون شخصية غوته بعد أن كان قد قرأ أدبه وأعجب به، ومنحه صليب الشرف سنة 1808. 

وعلى الرغم من أن الملك لويس الرابع عشر كان مستبدا وطاغية إلا أنه كان محبا للثقافة ويمد يده بالتشجيع المادي والمعنوي للأدباء في عصره.. 

وعندما رفض رئيس اساقفة باريس السماح بدفن الأديب بودليير في مقبرة المسيحيين لأنه كان يعده خارجا عن الدين بعد عرض مسرحية (طرطوف) ذهبت زوجته (ارماند) للملك لويس الذي أصدر أمره في السر الى رئيس الاساقفة بتغير موقفه الأمر الذي قبله علي مضض.. 

وعلى الرغم من أن الملك جورج الثالث لم يكن بالرسام البريطاني جون رينواردز أساقفته انه لم يجد أجدر منه مديرا للأكاديمية وانعم عليه بلقب (سير) وعينه في هذا المنصب الكبير ليعيش حياة كريمة بعد أن عاش في فقر مدقع لم يتمكن من شراء الأقلام والدفاتر لأولاده. 

وفي يوم 17 يونيو (حزيران) 1930 وهو اليوم الذي شهد جلسة عاصفة للبرلمان حين زف رئيس الوزراء نبأ استقالته الي النواب لأنه لم يستطع صيانة أحكام الدستور وأحاطته بسياج من التشريع يكفل له حياة متصلة ونموا مطردا. وغضب النواب غضبا شديدا، ووقف الأديب النائب عباس محمود العقاد يصرخ بأعلى صوته: فليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد لأن يسحق أكبر رأس في البلاد في سبيل صيانة الدستور وحمايته. 

وعلى الرغم من أن هذه العبارة حذفت من مضبطة المجلس الا أن إحدى الصحف نشرتها في اليوم التالي. وفي اليوم الثالث كتب العقاد في إحدى الصحف: إن البلاد مستعدة لأن تستحق كل رأس يخون الدستور ولم تكن المسافة بين أكبر رأس وكل رأس طويلة فقد بلغت الرسالة صاحبها، وهو الملك فؤاد. 

ونشر سلسلة مقالات انتقد فيها الملك فؤاد ثم قُدم للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية وحكم عليه بالسجن عاما خففت الي تسعة شهور. 

وحاول علي ماهر وزير العدل آنذاك زيارة العقاد في سجنه وعندما وصل الوزير الى غرفته أدار العقاد وجهه وقال لمرافقي الوزير قولوا لصاحبكم إن العقاد الصحفي الحر السجين يرفض هذه المجاملة. 

وسبق أن دُعي العقّاد لإلقاء قصيدة في حفل ملكي بالصحراء المصرية الغربية بوصفه عضو البرلمان النائب عن تلك الدائرة وبعد إلقاء قصيدته حاول الملك فاروق مداعبته فقال له: لماذا لم تقل هذا الكلام علي عهد أبي الملك فؤاد وكان رد العقاد مخالفا للتقاليد الملكية فشق الصفوف وغادر الحفل قبل انصراف الملك. 

وحين قام الكاتب العظيم جورج برناردشو بزيارة مصر في العام 1931 استقبله الكاتب المصري سلامة موسي قائلا إنني في بالغ الأسف لأن من يستطيع استقبالك باسم الأدب المصري معتقل في السجن. 

بعد تسعة أشهر من الاعتقال خرج الكاتب النائب وكان البرلمان قد حل وتوجه الى ضريح سعد زغلول قائد ثورة 1919 منشداً: 

 

وكنت جنين السجن تسعة أشـهر وها أنذا في ساحة الخلد أولد 

عداتي وصحبي لا اختلاف عليهما سعيد وفي كـل كما كـان يعهــد