"الأبله" و"راسكلينكوف" والحكومة

تاريخ النشر: 28 مايو 2012 - 09:29 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

 

خالد أبو الخير

 

لا أدري ما الذي دعا زميلي المحرر الثقافي في جريدة "السبيل" عبد الرحمن نجم؛ لطرح السؤال عليّ: يقال أنّ الأدب الروسي عُني كثيرا بالنفس الإنسانية؟

تعيّن عليّ، قبل أن أجيب، أن ألقي عن كواهل خلدي ركام أحاديث السياسة التي تبعث ضيق النفس وأحيانا القرف، وأوقد في دهاليز ذاكرتي المشبعة بالصمغ والغبار وحبر المطابع شمعة خلتُ أنّها ما عادت قابلة لاشتعال.

نعم..من المهم قراءة ديستفوسكي في هذا الصدد.

أجبته دون كثير تمحيص، ثم وجدتني أستحضر مع كثير لَأْيٍ، "الأبله" التي اعتبرها أفضل أعمال سالف الذكر، على الرغم من أنّ ثلة من قراء الأدب الروسي سيحاججون أنّ "الجريمة والعقاب"، وربما "الأخوة كارامزاوف" أروعها.

أخذت أحدّث زميلي عن مكانة الأدب الروسي من وجهة نظري، مستعرضاً أعمال جوجول، وتحديدا "المفتش العام"، و"القوزاق"، وتولتسوي في "انا كارنينا" و"الحرب والسلام"، وتشيكوف و"نورسه"، مرورا على شاعر يُدعى "ليرمنتوف"، كتب رواية واحدة هي "رجل لهذا الزمان"، وبوريس باسترناك في "د. زيفاجو"، ومكسيم غوركي في "الأم"، وقصته القصيرة التي ما تزال تعصف بين جوانحي "الغجر يصعدون إلى السماء".

هكذا، رحت أسرد على مسامع عبد الرحمن تفاصيل شخصية الطالب الجامعي الموهوب راسكلينكوف في الجريمة والعقاب، الذي قتل المرابية التي تمتصّ دماء الطلاب والفقراء من أمثاله، وشقيقتها، وخاض صراعاً عنيفاً مع نفسه ومع محقق الشرطة، وقال أخيرا: "إنّه ليس مخلوقا بشريا ذلك الذي قتلته، بل هو المبدأ، المبدأ، ولقد قتلته كما يجب". والأمير ميشكين في الأبله، الذي لم يكن أبلها قط، وإنّما نبيلاً مترفّعاً عن "أمراض البشر" التي يرصدها ولا يبتلى بها، واعتقد أنّ "الجمال سينقذ البشرية"، لترديه الحياة بعد ذلك متأملاً بصمت في اللاشيء.

وما بين الشخصيتين، قلت: أتعرف يا عبد الرحمن..ما فائدة كل ذلك؟ أيّ فرق..قد تشكّله معرفة الأدب الروسي أو غيره؟ ألَيست معرفة أصول التسلق وأدبيات الوصول أفضل!

حين عدت إلى كمبيوتري لأنهي عملي، مستشعراً الإحباط والإرهاق واللاجدوى، كانت ثمة قصة لا تنقصها السخرية الأدبية تصفع وجداني. تلك القضية التي "هُدد كل من يكتب عنها المقاضاة" وتضمّنت موقفا "روائياً"  متميزاً ، بل وتضمنت كل عناصر الحبكة الروائية والكوميديا السوداء.

مبعث الربط بين الأدب الروسي، وتحديدا أدب ديستفوسكي، وهذه القضية، أنّ كليهما يحتاج إلى دراسة متأنية، قد تستغرق الكثير من الوقت. الوقت الذي ما عاد يسمح بقراءة كتاب أو سماع موسيقى أو تأمل لوحة أو مغيب شمس. لا يسمح إلاّ بتعداد "جهات صرف الراتب" وكيفية التعامل مع "تسونامي" رفع الأسعار الذي تنويه حكومة "فايز الطراونة"، وكأنّها تستذكر من ديستفوسكي هي أيضاً، العبارة التي قالها أحد أبطاله: الطريقة الوحيدة للتخلص من الفقر هي قتل الفقراء!

جزاك الله خيراً يا عبد الرحمن نجم..!