نداء الرمحي-عمان
يتعرض الأفراد في البلدان النامية وخاصة العالم العربي لاضطرابات القلق والكآبة بنسبة أعلى من الدول الأخرى.
ووفقا لأخصائيي الطب النفسي العرب، الذين حضروا الاجتماع السنوي للكلية الملكية لأخصائيي الطب النفسي- قسم الشرق الاوسط- الذي عقد في عمان/ الاردن للمرة الاولى الاسبوع الماضي، فقد أشارت المعلومات الى أن انتشار الاضطرابات العقلية هو نفسه في جميع أنحاء العالم؛ ولكن الفرق يكمن في نوع الاضطرابات العقلية الموجودة في الشرق الاوسط قياسا على ما هو في الغرب.
ففي العالم العربي ينتشر القلق الاجتماعي والخوف المرضي والكآبة.
ووفقا لأخصائي الطب النفسي المصري الدكتورأحمد عكاشة، مدير الخدمات المشاركة في منظمة الصحة العالمية، فان هناك عددا من العوامل التي تسبب هذه الأمراض من بينها ما يعود لأسباب فسيولوجية وكيميائية، وأخرى يتعلق بعوامل بيئية واجتماعية وهي كما أضاف الدكتور عكاشة، تفرضها تربية الآباء الدكتاتورية والمحافظة في مجتمعاتنا.
وطبقا لأخصائي الطب النفسي السوري الدكتور محمد أبو صالح الذي يرأس دائرة خدمات الادمان في مستشفى القديس جورج، فان التغييرات الثقافية التي مر بها المجتمع العربي، وكذلك انفتاحه على الثقافات الأخرى جعلت العرب يتساءلون بشأن عاداتهم التقليدية، مما أبرز الحاجة الى الاستقلالية مقابل ما يتطلبه المجتمع من امتثال واتساق. وأضاف أبو صالح ان هذه الحاجات في مجتمعات تتمسك بالقيم القبلية التقليدية تسبب القلق، الضغط الهائل وحتى الكآبة والاحباط بين الافراد.
تشمل اضطرابات القلق ما يسمى بالقلق العام، اضطراب الخوف المرضي، الهواجس وكافة أشكال الخوف.
قد يسبب القلق الاجتماعي للفرد خفقان القلب في غرفة مليئة بالناس أو الشعور بالخجل او تعرق اليدين عند محاولة التحدث أمام مجموعة من الناس أو في حالات معينة، وعدم القدرة على الاتصال حتى مع الاقارب.
كذلك فان الكآبة منتشرة الى حد ما في العالم العربي طبقا لما ذكره أخصائي الطب النفسي الأردني الدكتور وليد سرحان وهي "بالاضافة الى اضطرابات القلق تشكل 50% من الأعمال المتعلقة بالطب النفسي في أية عيادة بالشرق الاوسط".
وطبقا لأخصائيي الطب النفسي، فان معظم الذين يعانون من الكآبة والقلق الاجتماعي في العالم العربي هم من النساء. وهم يعانون مما يسمى بالاضطرابات العضوية، التي تشمل غالبا الكآبة والقلق النفسي. ويعود سبب ذلك إلى الضغوط الاجتماعية الخارجية الهائلة والطريقة التي ينظر بها المجتمع اليهن.
إلا أن كافة أخصائيي الطب النفسي الذين تحدثوا الى البوابة أجمعوا على أن نسبة أولئك الذين يعانون من اضطرابات القلق والكآبة في العالم العربي لا تزال أقل مما هي عليه في الغرب وأوروبا. والمشكلة في العالم العربي أن العديد من هذه الحالات لا تتلقى العلاج الى أن تصبح مزمنة، وحتى عند بلوغ تلك المرحلة فان نسبة ضئيلة تسعى للحصول على العلاج. وأضاف سرحان أنه في أحيان كثيرة كان على المرضى التعايش مع هذا "الوضع الاسود" لمدة 15-20 عاما.
وقال كل من الدكتور سرحان والدكتور عكاشة للبوابة ان أقل من 15% من الافراد الذين يعانون من هذه الاضطرابات يتلقون العلاج في العالم العربي، مقابل 90-95% يتلقون العلاج في الغرب وأوروبا. وأضاف الدكتور سرحان إن النساء يشكلن نسبة الثلث من بين الـ 15% الذين يتلقون العلاج حيث أن مشاكل هؤلاء يتم التغاضي عنها وتوضع جانبا؛ فبدل ان يقوم الزوج بمعالجة زوجته في حالة المرأة المتزوجة، فانه غالبا ما يتزوج امرأة أخرى أو يقوم بطلاق زوجته؛ وأضاف الدكتور سرحان، أنه إذا كانت المريضة عزباء فانها "تجلس فقط في غرفتها السنة بعد الاخرى ومن الممكن ان تقتل نفسها دون أن ينتبه لها أحد".
وأضاف أبو صالح أن المشكلة تكمن في أن المجتمع العربي يعتبر الطب النفسي وتلقي الفرد علاجا نفسيا على أنه أمر معيب.
ولذا فإنه عندما يعاني أحد أفراد العائلة من اضطراب عقلي، فان العائلة تحاول اخفاء هذا الامر عن أفرادها الآخرين وعن المجتمع بدل أن تسعى لمعالجته.
وقال الدكتور أبو صالح إن المطلوب هو خلق التوعية وتخصيص الأموال اللازمة لخدمات الطب النفسي التي هي في وضع سيئ وبدائي في الوقت الحاضر. وأضاف أبو صالح أن معظم حالات الطب النفسي يتم معالجتها في القطاع الخاص وهذا غير كاف.
وقال الدكتور أبو صالح انه يقدر بأن واحدا من كل أربعة في أي مجتمع يعاني من مشاكل نفسية يندر اكتشافها من قبل الاطباء العامين. وبما أن مشاكل الطب النفسي معقدة فانها تتطلب استراتيجية شاملة تشمل خدمات اجتماعية وطبية ونفسية. واذا لم يحدث ذلك في الشرق الاوسط، فان العديد من الناس في المجتمع العربي سيعانون بلا داع، وتصبح حالاتهم مزمنة وسيكون لهذا آثار هائلة على الصحة العقلية في المجتمع العربي.