عزلت اسرائيل عرفات نهائيا عن العالم الخارجي، وذلك بعد ان فصلت اخر الخطوط الهاتفية التي كانت تصله مع العالم من مكتبه في رام الله. واصيب عشرات الفلسطينيين بجراح، معظمهم في حال الخطر، وذلك خلال اقتحام قوات الاحتلال بناية النتشة في رام الله، حيث قامت كذلك باعتقال العشرات من بينهم صخر حبش عضو مركزية فتح. وفي الاونة تتجه ارتال من الدبابات نحو بيت لحم بعد ان احتلت بلدة بيت جالا.
ذكرت مصادر امنية فلسطينية ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بات الان منعزلا عن العالم الخارجي، وذلك بعد ان انقطع الاتصال عن كافة الهواتف الواصلة الى مكتبه في مقر المقاطعة في رام الله.
وفي صعيد اخر، اعلن بيان للناطق الرسمي للقيادة الفلسطينية ان عشرات الفلسطينيين قد اصيبوا خلال اقتحام القوات الإسرائيلية بناية النتشة وسط مدينة رام الله، والتي يتواجد فيها عدد من المكاتب المدنية، ومكاتب بعض التنظيمات السياسية والإعلامية.
وقال البيان ان القوات الاسرائيلية التي قصفت المبنى من الخارج استخدمت الغز المسيل للدموع خلال عملية الاقتحام.
واوضح البيان ان "الهجوم الوحشي اسفر عن إصابة العشرات من المواطنين معظمهم جراحهم خطيرة، كما اعتقلت قوات الاحتلال جميع المتواجدين بالمبنى، ويقدر عددهم بأكثر من 30 مواطناً، من بينهم السيد صخر حبش عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" وعدد من الكوادر الإعلامية".
وحمل البيان "إسرائيل مسؤولية المساس أو التعرض لحياة المناضل صخر حبش وجميع أخوته وخاصة الجرحى والذين ابقتهم قوات الاحتلال لعدة ساعات بدون علاج داخل المبنى وتم بعد ذلك نقلهم بالسيارات العسكرية دون تقديم علاج لهم الى أماكن مجهولة خارج مدينة رام الله".
الجيش الاسرائيلي يحتل بيت جالا ويتجه الى بيت لحم
الى ذلك، بدات آليات عسكرية إسرائيلية معززة بدبابات ومجنزرات، التوجه الى بيت لحم وذلك بعد ان قامت باحتلال بيت جالا عقب عملية اقتحام واسعة النطاق بداتها منذ منتصف الليلة الماضية.
وزعم الجيش الاسرائيلي ان عملية الاقتحام جاءت على خلفية اطلاق قذيقة هاون من منطقة بيت جالا اصابت منزلا في مستوطنة جيلو الحقت اضرارا دون ان توقع ضحايا.
وذكرت وكالة الانباء الفلسطينية (وفا) أن قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلت عدة كيلو مترات من الجهة الغربية لبلدة بيت جالا ومنطقة الارتباط العسكري المشترك ومنطقة البانوراما، باتجاه وسط المدينة ومنطقة النادي الأرثوذكسي الحيوية في البلدة.
واعلن الناطق العسكري الإسرائيلي انه تم احتلال بعض البنايات واتخذت كنقاط مراقبة للجيش.
وافادت مصادر امنية فلسطينية ان قوات الاحتلال قامت كذلك باعتقال ناشط في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قرية زيتا القريبة من نابلس في الضفة.
تواصل المعارك في رام الله
وفي الغضون، تواصلت الاشتباكات بالاسلحة الرشاشة والثقيلة، صباح اليوم السبت، داخل وفي محيط تجمع المقاطعة الذي يضم مقر عرفات في رام الله، كما سمع اطلاق النار في وسط المدينة، فيما اعلن الجيش الاسرائيلي عن اصابة اثنين من جنوده خلال المعارك الدائرة امام مقر عرفات.
وتحدث شهود عن ان النيران والدخان ترتفع من مبنى من ستة طوابق قريب من ساحة الميدان في قلب رام الله.كما سمعت عيارات نارية من سلاح آلي وانفجار قنبلة يدوية واحدة على الاقل في المدينة.
وما زالت العشرات من الدبابات وناقلات الجند الاسرائيلية متمركزة في مختلف انحاء المدينة التي قال شهود عيان ان اشتباكات مسلحة وقعت طوال الليل بين الفلسطينيين المسلحين والقوات الاسرائيلية في شوارعها.
وكان عرفات اشار امس الى ان سبعة فلسطينيين استشهدوا وجرح اكثر من اربعين اخرين في معارك امس الجمعة.ولكن الهلال الاحمر لم يشر الا لسقوط خمسة شهداء بينهم رجال امن وناشطون ومدنيون.
وذكر الجيش الاسرائيلي ان اثنين من عسكرييه قتلا ايضا برصاص الفلسطينيين.في حين اعلن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي إن ضابطين اسرائيليين قد جرحا، صباح اليوم، أثناء تبادل إطلاق النار مع المدافعين الفلسطينيين عن عرفات في مقر المقاطعة في رام الله.
مداولات في مجلس الامن
في هذه الأثناء يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة مغلقة ثانية ضمن اجتماعه الطارئ بهدف بحث الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية عقب الاجتياحات الإسرائيلية الأخيرة، وذلك وسط مخاوف اسرائيلية من تغير الموقف الاميركي "المتعاطف" مع اسرائيل، باتجاه تاييد قرار اقترحته النرويج يطالب بانسحاب فوري للجيش من المدن الفلسطينية.
وقد صاغ القرار الذي يتم تداوله الآن، رئيس مجلس الأمن الدولي الحالي، السفير النرويجي أولاه بيتر كولبي.
واشارت مصادر دبلوماسية الى ان الصيغة الاولى لمشروع القرار كان اعدها الوفد الفلسطيني وتداولتها الدول الاعضاء التي وافقت بعد اعادة النظر فيها على اخذها بعين الاعتبار.
ويطالب هذا النص المكون من 20 سطرا والذي ستقدمه سوريا، العضو غير الدائم في المجلس، وقف الاعمال العسكرية فورا وانسحاب القوات الاسرائيلية من المدن الفلسطينية.كما يؤكد مجددا المطالب السابقة لمجلس الامن حول وضع حد لجميع اعمال العنف على الفور.
وافادت مصادر دبلوماسية ان الوفد الاميركي اعلن انه على اتصال بواشنطن بخصوص هذا النص.
وقد القى نحو 30 شخصا كلمة خلال الجلسة العلنية لمجلس الامن الدولي التي عقدت بناء لطلب من جامعة الدول العربية.
سفير اسرائيل: لا حصانة لعرفات
وفي سياق متصل، فقد كان سفير اسرائيل في الامم المتحدة اعلن في تصريح صحافي امس الجمعة ان الهجوم على المقر العام للرئاسة الفلسطينية يهدف الى ابلاغ ياسر عرفات بان لا حصانة له "كونه يدير اعمال العنف والارهاب".
وقال يهودا لانكري "ان العملية الجارية تهدف قبل كل شيء الى الحاق هزيمة بالارهاب".
ردود فعل عربية
الى هنا، وتوالت ردود الافعال العربية المنددة والمحذرة، حيث اعتبر نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في العراق عزة ابراهيم في تصريحات لقناة العراق الفضائية العراق ان التصعيد العسكري الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني ومحاصرة وضرب مقر اقامة عرفات بمثابة "رد فعل على التوحد العربي وعلى وحدة الامة وعلى موقفها الموحد وهذا رد على قوة الانتفاضة لان تصاعدها هذا يمثل هزة عنيفة للكيان الصهيوني من الداخل".
واعرب عزة ابراهيم عن امله "ان ينهار الكيان الصهيوني وتتحقق الامال بتحرير الارض العربية" وذلك "بصمود المقاومة والدعم العربي للمقاومة".
وطالب لبنان الذي يتولى رئاسة القمة العربية الجمعة ب"تحرك دولي عاجل" بعد الهجوم الذي شنته القوات الاسرائيلية على المقر العام لعرفات.واوضحت الرئاسة اللبنانية في بيان ان بيروت قامت ب"استدعاء سفراء الدول الكبرى المعتمدين في لبنان وسفير الاتحاد الاوروبي والممثل الشخصي للامين العام للامم المتحدة وابلاغهم ان ما تقوم به اسرائيل هو رد على المبادرة العربية للسلام التي اقرها مؤتمر القمة العربي" الخميس.
وتابع البيان ان "استمرار العدوان الاسرائيلي الوحشي جعل الوضع في المنطقة يزداد خطورة، الامر الذي يتطلب تحركا دوليا سريعا لردع اسرائيل عن عدوانها ولوضع حد لسياستها الاجرامية الخارجة عن القانون الدولي والتي تهدد الامن والاستقرار في هذه المنطقة".واوضح البيان ان الرئيس اللبناني اميل لحود كلف وزير الخارجية محمود حمود اجراء هذه الاتصالات.
ومن المقرر حسب البيان ان يجتمع الرئيس اللبناني البيوم السبت مع عاهل المغرب الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الاسلامي، "للتداول في الموقف الراهن ودرس الخطوات المقبلة والتشاور مع قادة الدول العربية".
واعلن مكتب رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري انه اتصل ايضا مطولا مساء بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي اطلعه "بالتفاصيل" على الوضع في مقره العام المحاصر من قبل الجيش الاسرائيلي.
انتقاد وتنديد اوروبي
الى ذلك، وأجمعت ردود الفعل الاوروبية على انتقاد إسرائيل والتنديد بالعملية العسكرية التي تستهدف مقر الزعيم الفلسطيني. ففي باريس قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك إن ما يحدث في الشرق الأوسط حاليا مأساة حقيقية
وحذر إسرائيل من أن أي هجوم على عرفات شخصيا أو على قدرته على الحركة سوف يعتبر أمرا خطيرا للغاية وأن الدول الأوروبية أجمعت على ذلك في قمتها الأخيرة في برشلونه.
من جانبها أعربت إيطاليا عن بالغ القلق إزاء الهجوم الإسرائيلي على مقر الزعيم الفلسطيني ودعت إسرائيل إلى ضمان أمن عرفات الشخصي واحترام وضعية عرفات كزعيم منتخب للشعب الفلسطيني.
وفي روسيا قال وزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف إن طريقة التعامل الجارية مع عرفات لا تساعد على التوصل إلى حل سياسي وقد شاركه خافيير سولانا منسق الشؤون الخارجية بالاتحاد الاوربي الدعوة إلى ضبط النفس. وقال سولانا إن العمل العسكري ليس هو السبيل لحل الصراع.
ومن ناحيتها، استدعت تركيا مساء امس الجمعة سفير اسرائيل في انقرة وبلغته ان اجتياح الجيش الاسرائيلي لمدنية رام الله في الضفة الغربية عمل "غير مقبول" يؤدي الى "مازق" بحسب وكالة الاناضول.
واعلن وزير الخارجية التركي اسماعيل جيم في مقابلة مع تلفزيون "ان.تي.في" "ابلغنا اسرائيل بوجوب ضمان حياة الرئيس عرفات".واضاف "ان السفير الاسرائيلي في تركيا قال ان حياة عرفات غير مهددة وقد ضمن لي ذلك".
الصين: عمل بربري
واستنكر وزير الخارجية الصيني بشدة الهجوم الإسرائيلي على مقر عرفات في رام الله ونعته العمل "البربري".
وقال وزير الخارجية الصيني، تانغ جياسوان، لصحيفة صينية: "نحن نعارض ونستنكر الاحتلال الإسرائيلي البربري لمناطق السلطة الفلسطينية، وننادي إسرائيل بإيقاف العمليات العسكرية حالاً والخروج من المناطق".
عرفات يقطع الخط مع سي.ان.ان
وكان عرفات قطع الخط الهاتفي الذي كان يصله بصحافية تعمل في قناة سي.ان.ان الاميركية اثارت غضبه عندما سالته هل سيبدى المزيد من التشدد تجاه الناشطين الفلسطينيين.
وصاح الرئيس الفلسطيني في وجه الصحافية كريستيان امانبور التي فوجئت بغضب الرئيس "عليك ان تكوني اكثر دقة عندما تتوجهين بالحديث الى الجنرال ياسر عرفات".
وكانت الصحافية طلبت من الرئيس الفلسطيني ردا على تصريحات وزير الخارجية الاميركي كولن باول الذي دعاه الى المزيد من الصرامة تجاه الهجمات المناهضة لاسرائيل مؤكدا انها تمثل سبب الازمة في الشرق الاوسط.
وقال عرفات "هل انت تسالينني لاي سبب انا محاصر، انك حقا صحافية رائعة" طالبا منها ان "تحترم مهنة" الصحافة.
وصاح عرفات وهو يكاد ينفجر من الغيظ "انك بهذه الاسئلة تغطين الاعمال الارهابية والجرائم التي يقوم بها الاحتلال الاسرائيلي. كوني منصفة" وخلص الى القول "لا تعيدي هذا الخطا، شكرا والى اللقاء" قبل ان يقطع الخط.
واعتقل الاسرائيليون نحو سبعين شخصا خلال هذا الهجوم الذي تواصل كامل يوم الجمعة وقطعوا التيار الكهربائي والماء عن مبنى مقر عرفات.
واعلن عرفات في المقابلة نفسها ان الجنود الاسرائيليين دمروا سبعة من المباني الثمانية التي تشكل مجمع "المقاطعة" الذي يوجد فيه المقر العام للرئيس عرفات.
وقال "انهم يستخدمون كل انواع الاسلحة الاميركية ضدنا، (طائرات) اف-16 و(دبابات) ميركافا والقذائف والقنابل والمدفعية".
وفي رد على سؤال حول ما اذا كان الاسرائيليون يسعون الى قتله قال عرفات "ما تعتقدون انهم يفعلون بقصفنا منذ 24 ساعة؟ هل من باب الصدفة؟" وخلص الى القول "انه ارهاب الاحتلال الحقيقي". –(البوابة)—(مصادر متعددة)
