ادوارد سعيد : سارتر كان مسيراً من اليهودي بيير فيكتور

تاريخ النشر: 19 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

قال المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد في مقال نشره مؤخراً في مجلة " لندن ريفيو اوف بوكس" ان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كان مسيراً من قبل اليهودي بيير فكتور. 

وكان سعيد يستذكر لقاءه مع سارتر حين دعي عام 1979 للمشاركة في ندوة اقامتها مجلة ازمنة التي كان يصدرها سارتر بالتعاون مع رفيقته سيمون دي دي بوفوار. 

ونظراً لأهميةمقالة سعيد ننشر القسم الخاص بموضوع الدعوة والندوة التي عقدت في باريس، وقامت صحيفة "العرب اليوم" الاردنية بنشرها كاملة في ملف "مشارف" لهذا اليوم:  

بالنسبة لابناء جيلي، ضل سارتر على الدوام رجلاً وضع بصيرته وقدراته الفكرية في خدمة جميع القضايا التقدمية في عصره- او اغلبها. لكنه، مع ذلك لم يكن نبياً ولا معصوماً من الخطأ بل ان المرء يزداد اعجاباً به لما كان يبذله من جهد من اجل استيعاب المواقف وتقديم تضامنه مع القضايا السياسية لم يكن متعالياً ولا ملتبساً حتى عندما يقع في الخطأ او يبالغ في تقديره لموقف ما فكل ما كتبه تقريباً لا يزال يثير الاهتمام لجرأته المطلقة وحريته (حتى في ان يكون مطنباً) وما يشف عنه من سخاء الروح. 

ثمة استثناء واحد اود ان اتطرق اليه في هذا المقال. وقد دفعتني مناقشتان مثيرتان ومثبطتان للزيارة التي قام بها لمصر في مطلع عام 1967 نشرتا الشهر الماضي في " الاهرام الاسبوعي". الأولى وردت في مراجعة لكتاب برنارد نهري ليفي عن سارتر الذي صدر مؤخراً ، والثانية مراجعة لما كتبه الكاتب الراحل لطفي الخولي عن تلك الزيارة (كان الخولي احد الذين استضافوا سارتر اثناء زيارته لمصر). اما تجربتي اليتيمة مع سارتر فلم تكن سوى حادثة عابرة في حياة زاخرة. لكنها تستحق الرواية لما تحمله من مفارقات. 

برقية دعوة 

في بداية شهر كانون الثاني عام 1979 وبينما كنت في منزلي في نيويورك احضر مادة لاحد صفوفي، رن جرس الباب معلناً وصول برقية لاحظت، باهتمام، انها مرسلة من باريس. " انت مدعو من قبل " الازمنة المعاصرة" لحضور حلقة دراسية حول السلام في الشرق الاوسط للتفرة 13 – 14 اذار من هذا العام. يرجى التفضل بالرد. سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر". 

ابتداء حسبت البرقية من نوع ما انها تشبه تلقي دعوة من كوزيما وريتشارد فاغنر للذهاب الى بايروث أو من ت.س اليوت وفرجينيا وولف لقضاء مابعد الظهر في مكاتب مجلة " دايل"، أنفقت يومين في التأكد من اصالة البرقية عبر مختلف الاصدقاء في نيويورك وباريس، بعدها اسرعت بارسال موافقتي غير المشروطة (بعد ان تأكدت من ان كافة نفقات الرحلة سوف تغطى من قبل " الازمنة الحديثة" وهي المجلة الشهرية التي اسسها سارتر بعد الحرب". بعد ذلك بأسابيع قليلة كنت في طريقي الى باريس. 

لعبت " الازمنة الحديثة" دوراً استثنائياً في الحياة الثقافية في فرنسا ومن ثم في اوروبا والعالم الثالث. وكان سارتر قد جمع من حوله مجموعة من العقول المتميزة – لم يكن اصحابها جميعاً يوافقونه في ارائه, وقد شملت هذه المجموعة سيمون دي بوفوار، بالطبع، ومعارضه البارز ريمون ارون، والفيلسون الكبيرة موريس ميرلو – وبونتي، ومشيل ليري المنظر والخبير بالشؤون الافريقية ولم تكن هناك قضية مهمة لم تصد لها سارتر وجماعته بما في ذلك الحرب العربية- الاسرائيلية عام 1967 التي اصدرت عنها مجلة " الازمنة الحديثة" عدداً ضخماً وجدت، عند وصولي رسالة غريبة من سارتر وبوفوار بانتظاري في الفندق الذي حجزت فيه في الحي اللاتيني. تقول الرسالة "لاسباب امنية سوف تعقد اللقاءات في منزل ميشيل فوكو", ومع الرسالة عنوان المنزل ووصلت شقة فوكو في العاشرة من صباح اليوم التالي لاجد مجموعة من الاشخاص لم يكن سارتر من بينهم. لم يتول احد شرح " الاسباب الامنية" التي حتمت تغيير المكان، لكن جواً تآمرياً كان يخيم على الجلسة وكانت دي بفوار حاضرة بعمامتها المشهورة. 

كانت هناك قلة من الفلسطينيين والاسرائيليين . لم اعرف من بينهم سوي ابراهيم دقاق، الذي اصبح في حينه صديقاً لي في القدس ونافذ نزال، وهو مدرس في بير زيت كنت على معرفة سطحية به في الولايات المتحدة، ويهوشوفات حرقبي، الخبير الاسرائيلي البارز في شؤون " الفكر العربي" والذي شغل منصب الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. 

ماوي صار يهوديا متدينا 

عندما ظهر الرجل الكبير اخيراً، متخلفاً كثيراً عن الموعد المحدد، اذهلني ما بدا عليه من مظاهر الضعف والتقدم في السن بيير فيكتور، وهو ماوي سابق اصبح شريكاً لسارتر في اصدار مجلة " اليسار البروليتاري" المتعطلة حالياً، والذي تحول الى التدين واصبح يهودياً ارثوذكسياً. اذهلني ان اعلم في وقت لاحق من احد الذين عملوا مساعدين له في المجلة انه كان يهودياً مصرياً يدعى بيني ليفي، وهو شقيق عادل رفعت (المولود تحت اسم ليفي) وشريك محمود حسين في الثنائي المعروف باسم ثنائي محمود حسين (وهو مصري مسلم) وكان الاثنان قد عملا في اليونسكو، واصدرا تحت اسم "محمود حسين" كتاب " العود: في طبقات مصر" وهو دراسة مرجعية معروفة، لم يبد لي فيكتور مصرياً على الاطلاق، فقد جاء بصفته مثقفاً من الجناح اليساري وكان نصف مفكر، ونصف محتال لم تستغرق مناقشتنا لموضوع " السلام" في اليوم الاول الا وقتاً قصيراً نسبياً. كانت المواضيع قد رتبت من قبل فيكتور دون استشارة اي شخص آخر. كنت قد لاحظت، في وقت مبكر، انه يعتبر نفسه مرجعاً نهائياً بحكم علاقته النافذة لدى سارتر (الذي كان يتبادل معه التعقيبات همساً) وبحكم ثقته بنفسه التي بدت لي طاغية كان علينا ان نبحث في 1 – قيمة معاهدة السلام ما بين مصر واسرائيل، (كنا في زمن كامب ديفيد)، و 2 – السلام ما بين اسرائيل والعالم العربي بشكل عام، و 3 – التعايش المستقبلي ما بين اسرائيل والعالم العربي المحيط بها. لم يكن احد من بين العرب الحاضرين مرتاحاً لهذا الترتيب. وقد شعرت بانه قد قفز على موضوع الفلسطينيين، ولم يكن دقاق مرتاحاً للوضع بكامله فغادر بعد اليوم الاول . 

مع تقدم احداث اليوم الاول ، اكتشفت بأن قسطا كبيراً من التفاوض قد تم قبل الدعوة للحلقة الدراسية وأن المشاركة الضئيلة للجانب العربي كانت قد خضعت للخلاف ثم اختزلت خلال المداولات المسبقة. وقد احزنني كوني لم اشرك في اي من جوانب تلك العملية. ربما كنت شديد السذادة – او شديد التلهف للاقامة سارتر في باريس. كان هناك وعد لملاقاة سارتر في باريس.كان هناك وعد بمشاركة مثقفين مصريين، كما اشير الى مشاركة ايمانويل ليفيناس، لكن احداً من هؤلاء لم يظهر. في هذه الاثناء، كانت جميع مناقشاتنا تسجل على جهاز تسجيل صوتي حيث كان من المقرر ان تنشر لاحقاً في عدد خاص من " الازمنة الحديثة" (ايلول 1979 ). وقد وجدت الامر غير مفيد. فقد كنا نبحث في مجالات مطروقة بدرجة او باخرى . ولم يكن هناك لقاء افكار حقيقي. 

خلوات مشبوهة 

طوال فترة الغداء والجلسة المسائية كنت احس وجود بيير فيكتور كمدير لمحطة الحلقة الدراسية التي كان سارتر نفسه احد قطاراتها. فالى جانب همساتهما الغامضة على المائدة، كانا ينهضان بين فترة واخرى، حيث يسجب فيكتور العجوز الذي يجر قدميه الى ركن بعيد ويحدثه على عجل، ويحصل منه على ايماءة او اثنتين ثم يعودان معا. في هذه الاثناء، كان كل مشارك في الحلقة يريد ان يقول ما لديه مما يجعل اقامة حوار امراً مستحيلاً, وسرعان ما اصبح من الواضح ان " ترويج اسرائيل" او ما صار اليوم يدعى بـ " التطبيع" كان الغرض الحقيقي من اللقاء، وليس العرب او الفلسطينيين. حاول عدد من العرب قبلي اقناع بعض المثقفين المهمين بقناعة قضيتهم على ان تحول اولئك المثقفين الى ارنولد توينبي جديد او سين ماكبرايد . قد حدث ذلك لقلة منهم. وقد رأيت ان سارتر جدير بالمحاولة لانني لم استطع نسيان موقفه من الجزائر الذي لا شك انه كان اصعب عليه كفرنسي من اتخاذ موقف مندد باسرائيل . وقد كنت مخطئاً في ذلك بالطبع. 

مع اتصال الكلام الطنان وغير المفيد، كنت اوالي تذكير نفسي باني قد جئت الى فرنسا من اجل الاستماع الى ما يقوله سارتر . احدث ذلك رعباً في صفوف البطالة. علقت الحلقة، وجرت فيما بينهم مشاورات عاجلة. وجدت الامر كله هازلاً وباعثاً على الشفقة في الوقت نفسه خصوصاً وانه لم تكن لسارتر يد ظاهرة فيما يجري. استدعينا الى الطاولة اخيراً من قبل بيبر فيكتور الذي اعلن بلهجة سيناتور روماني "غدا سيتحدث سارتر" وهكذا انفض جمعنا بانتظار جلسة الصباح التالي. 

سارتر يمتدح السادات 

وقد جاءنا سارتر، بالفعل ، بنص معد يقع في حوالي صفحتين مطبوعتين على الالة الكاتبة (لاحظ اني اكتب الان معتمداً على ذكريات عمرها عشرون عاما) . كان النص يمتدح باقصى ما يتصوره الخيال من ابتذال تافه، شجاعة انور السادات. لا اتذكر ان الكثير من الكلمات قد ورد بشأن الفلسطينيين، او الارض، او الماضي المأساوي. 

وبالتأكيد لم تكن هناك اشارة الى الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي الذي يشبه في وجوه عديدة الممارسة الفرنسية في الجزائر، كان بياناَ يشبه برقية صادرة عن "رويتر"، وكان من الواضح ان فيكتور الشنيع، الذي اصبحت سيطرته على الامر كله واضحة تماماً ، هو الذي كتبه ليخرج سارتر من الفخ الذي وقع فيه ، وقد شعرت بالخيبة لرؤية هذا البطل المثقف يخضع في سنواته الاخيرة لمثل هذا الموجه الرجعي، وان لا يكون لدى المدافع السابق عن المضطهدين شيئاً يقدمه لقضية فلسطين سوى المديح الصحفي التقليدي لزعيم "مصري". استأنف سارتر صمته لما تبقى من اليوم، وتتابعت المجريات على النحو السابق. تذكرت حكاية مرورية عن سارتر الذي سافر قبل عشرين عاماً الى روما ليلتقي بفرانز فانون (الذي كان يحتضر متأثراً بسرطان الدم) وراح ينتزع منه فصول الاحداث في الجزائر على مدى 16 عشر ساعة متواصلة حتى حملته سيمون على التوقف. لقد ذهب ذلك الـ"سارتر" الى الابد. 

عندما نشر نص الحوار الذي جرى في الحلقة الدراسية بعد ذلك بشهور قليلة، كانت مداخلة سارتر قد اخضعت للتحرير على نحو جعلها سطحية، ورغم اني لا ازال احتفظ بذلك العدد من "الازمنة الحديثة" الذي ظهرنا فيه جميعاً، فاني لم استطع ان احمل نفسي على اعادة قراءة مقتطفات قليلة منه، تبدو لي الآن سطيحة وغير مجدية، وهكذا كنت قد ذهبت الى باريس لاستمع الى سارتر بنفس الروحية التي دعى بها سارتر الى الذهاب الى مصر لكي يلتقي به المثقفون العرب ويتحدثوا اليه ويخرجوا بنتيجة مماثلة . مع اختلاف بسيط هو ان لقائي به قد تلون، ولا اقول تلطخ ، بحضور وسيط ممل يدعي بيير فيكتور الذي اختفى منذ ذلك الحين في غفلة يستحقها. وقد خطر لي في حينه انني كنت مثل فابرايس يتطلع الى معركة واترلو وهو خائب ومحبط- -(البوابة)