إنه العراق الكنز وليس الصومال الأجدب - علي السوداني-بغداد

تاريخ النشر: 10 يونيو 2004 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

 

 

يقول رئيس الوزراء وتقول الحكومة ومثلهما الناس ان الامريكان كانوا قد اقترفوا خطأ فادحا اذ حلوا الجيش العراقي وحرس الحدود وبقية الاجهزة الامنية والمخابراتية وكان عليهم ان يتركوا هذه البنى قائمة ثم يبدأون معها لاحقا عمليات تطهير وتنظيف وغربلة حتى حدود النقاء والبراءة. 

اما أنا وربما انتم فنقول ان امريكا لم ترتكب اي خطأ في حلها وتفكيكها وتسريحها لتلك الاجهزة بل أنها تصرفت بأعلى درجات الأنانية وحساب مصلحتها الوطنية وامنها القومي وهدفها الأول والاهم هو احتلال العراق، وعندما حلت وسرحت الجيش الوطني بقرار مدروس وذكي انما حصلت على ما تريد وما تريده بالضبط هو ان لا احد اليوم في طول البلاد وعرضها يطلب من القوات الامريكية الرحيل فورا لان جميع المرجعيات ــ دينية وسياسية ــ تعرف ان القوة العسكرية الضاربة القائمة الان على مساحة البلد هي القوة الامريكية العملاقة المؤلفة من ابناء وبنات العم توم، وان اي انسحاب لها سيترك خلفه حتما فراغا امنيا شاسعا ليس بمقدور كلاشنكوفات الميليشيات المسلحة او بيانات وادعية الاحزاب المسالمة ملأه او سده. 

الامريكان يفكرون ويطبخون على نار هادئة ومميزة، وطرائق تفكيرهم وتدبرهم تختلف قطعا عن ميزة طرائق تفكيرنا وتدبرنا الذي لا يتعدى النظر الى ما بعد غد. 

هم يستشرفون ويخططون بصورة استراتيجية حتى في مسألة اقناع الناس بفكرة الاحتلال، وانا اعرف الكثير من رعية العراق كانت تحس وتشعر بالمذلة وبالمهانة وبفقدان الكرامة. اذ تسنى لها مشاهدة الدبابات والأساطيل الامريكية الهمجية وهي تدوس جبين البلد، لكن مشاعر الاذلال والخزي والعار بدأت تخف وتتقولب وتبرد مستجيبة ــ لا شعورياً ربما ــ لقانون قوة العادة او الاعتياد، انهم ــ يا لعبقريتهم وظلمهم ــ يقسطون علينا حتى الإهانة ثم يأخذون بأيدينا الى عتبة فقدان الامل والنكوص والقنوط وصفات مكتسبة من تراكم ايام الموت والقسوة، لحظتها فقط، ننظر الى المشهد على انه امر واقع وهنا نكون قد فقدنا نصف شحنة الكرامة فنصفق كفاً بكف او نقول لبعضنا البعض: الله كريم!! 

الامريكان اذن باقون على الرغم من ان المشهد المتاح الان يشير الى انهم في مرحلة غوص وغطس في طين المستنقع العراقي وهم علي هذا وفي الطريق اليه يبزون اخر الكذبات واغبى الشائعات التي كانت تروج الى ان الرأي العام والشعب الامريكي سينتفض ويتظاهر ويضغط علي حكومته لتسحب قواتها من العراق اذا ما بلغت خسائرهم في الاجساد وفي الحديد المئات. وها هي خسائرهم ــ المعلنة فقط ــ تقترب من الف شاب وشابة مثلها دبابات وناقلات وطائرات، لكنهم باقون لان ارجلهم التي انزرعت في ارض وادي الرافدين تكاد من فرط الفرحة، تشم رائحة النفط الزكية، انه العراق الكنز وليس الصومال الاجدب الذي فرت منه جحافل العم سام بعد اول واقعة سحل قام بها حفاة عراة وجياع!