تحولت المدينة الصناعية في غزة إلى ما يشبه مدينة أشباح بعد أن كانت تعتبر جوهرة الاقتصاد المحلي.
فقد دفع قرار إسرائيل إغلاق الأراضي الفلسطينية، بعد بدء "انتفاضة الأقصى"، بالمؤسسات الستة والعشرين في هذه المنطقة إلى إقفال أبوابها أو في افضل الحالات إلى تقليص ملموس لنشاطاتها.
فشركة "البواب" لخياطة الألبسة، وهو قطاع أساسي في الصناعة الفلسطينية، التي كانت تنجز يوميا 700 بنطال قبل بدء الانتفاضة في 28 أيلول/سبتمبر الماضي لم تعد تنتج اليوم سوى حوالي 400.
وعلى غرار العديد من المؤسسات الفلسطينية فان شركة "البواب" أصبحت تتلقى المواد الأولية بالقطارة بعد أن حظرت إسرائيل على الشاحنات العبور إلى قطاع غزة يومين في الأسبوع، علما أن 85% من مستوردات القطاع تصله من إسرائيل.
ويقول مدير المؤسسة حسين البواب أن "الوضع ألان افضل من البداية حيث أوقف مرور البضائع كليا لمدة ثلاثة أسابيع متواصلة". ولكنه يضيف أن مشاكل جديدة نشأت.
ويوضح البواب أن عدم تمكن السكان من مغادرة قطاع غزة أدى إلى تراجع مداخيله "وازدادت صعوبة إمكانية تحصيل الديون" خصوصا وان الإسرائيليين الذين يتصل بهم هاتفيا "لا يتوقفون عن تأخير مواعيد التسديد حتى أربعة أو خمسة اشهر بعد تسلم" البضائع.
الى ذلك فان العمال في المؤسسة الذين انخفض عددهم من مئة إلى خمسة وستين لم يعودوا قادرين على التركيز أثناء العمل واصبحوا يغادرون المصنع في الساعة 00،16 بدلا من الساعة 00،20.
وتقع المنطقة الصناعية عند معبر المنطار (كارني) الذي اصبح مكانا للمواجهات الدامية بين المتظاهرين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي. وتقول إحدى العاملات "إنني أخشى أن أرى العسكريين الإسرائيليين يدخلون في أي لحظة".
واصيب قطاع البناء أيضا بأزمة حادة نتيجة ارتفاع أسعار الأسمنت. وأوضح صلاح عبد الشافي مدير مركز التجارة الفلسطيني أن "الإسرائيليين ما عادوا يسمحون بمرور سوى مئة طن من الأسمنت يوميا (إلى قطاع غزة) في حين أن اقتصادنا يستهلك 300 طن يوميا. وهكذا ارتفع السعر فجأة من 320 شيكل (حوالي 80 دولارا) إلى 600 شيكل" اي حوالي 150 دولارا للطن.
وفي المنطقة الصناعية نفسها يجلس حوالي عشرة عمال دون أي عمل. ويقول محمد عباس المهندس المعماري في إحدى أهم شركات البناء المحلية "قبل الانتفاضة كان هناك 350 عاملا يعملون في بناء 12 مستودعا جديدا".
أما الان، وبسب نقص الأسمنت وارتفاع أسعاره ونقص الحصى للأسمنت والبلاط فقد توقفت ورش البناء في كل مكان تقريبا تاركة الصدأ يعلو قضبان الفولاذ الظاهرة من الأسمنت المسلح مما يجعلها غير صالحة للاستخدام لاحقا.
وقد توقفت شركة امرون الأميركية عن العمل في بناء أول محطة توليد كهرباء، كان يفترض أن تدشن مطلع الشهر الجاري، وان تسمح لغزة بالبدء بالتحرر من ارتهانها لاسرائيل في هذا المجال. وتوقفت كذلك أعمال إنشاء ميناء غزة.
ولكن ما يفرض نفسه اكثر من شيء آخر في غزة هو البطالة. فالشوارع مكتظة بالرجال العاطلين عن العمل الجالسين على كراس في حالة يرثى لها.
وقال عبد الشافي أن "النسبة الرسمية للبطالة كانت 12%. ولكنها بلغت ألان ما بين 40 و45%".
ويقف السائق محمد أمام مرآب سيارات أجرة فخمة مخصصة للنقل إلى خارج غزة وكأنه مل انتظار الركاب الذي لا يأتي.
ويقول شاكيا "في السابق كان المرآب فارغا من السيارات باستمرار. فقد كان هناك دائما من يريد أن ننقله إلى إسرائيل" ويضيف "أما ألان فلم يعد الأمر كذلك واصبح راتبي ثلث ما كان عليه. وبعد إن كنت اقطع حوالي الف كيلومتر في اليوم لم اعد أتجاوز 150 كيلومترا حاليا"—(أ.ف.ب)